الهدنة المرتقبة وصعود الصوت المدني: فرصة للسلام في السودان

محمد الأمين عبد النبي

يبدو المشهد السوداني اليوم مهيأً أكثر من أي وقت مضى لطرح جاد لمسألة وقف الحرب، بعد أن تراجعت سردية الحسم العسكري وبدأت الحاجة إلى هدنة مؤقتة تفرض نفسها على الجميع سيما على طرفي الحرب اللذين استنزفتهما الحرب، وعلى القوى السياسية التي تبحث عن نافذة للحوار، وعلى المجتمع الدولي الذي يدرك أن استمرار الحرب يعني مزيداً من الانهيار.

ورغم أن الهدنة كأداة سياسية غالباً ما تكون رهينة المخاطر، إلا أن جدواها لا تُقاس فقط بوضع القوات على الأرض، بل تتحدد اساساً بميزان الإرادة السياسية، وتعقيدات المشهد، ونوايا الأطراف، ومدى التزامهم الصادق بإنهاء الحرب.

وعليه، فالهدنة المرتقبة ليست مجرد وقف نار مؤقت، بل فرصة سياسية نادرة تتداخل فيها مصالح الفاعلين الخارجيين الذين باتوا جزءاً لا يتجزأ من معادلة الحرب. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري هل تُعد الهدنة مجرد بداية لمسار تفاوضي محدود، أم أنها تعكس حسابات استراتيجية أعمق، تمهّد لعملية سياسية شاملة كما أشارت الرباعية؟ إن الإجابة تفرض تقييم الهدنة وفق أهدافها العملية في تحسين الوضع الإنساني وفتح المسار السياسي ووضع أول حجر في طريق إنهاء الحرب نهائياً. وهذا كله مشروط بتصميم عملية تفاوض محكمة وبيئة مؤاتية تسمح بالحوار السياسي، في وقت أصبح استمرار القتال فيه أكبر معوّق لبناء الثقة.

ويأتي لقاء ترامب وبن سلمان في هذا السياق محملاً بدلالات لا يمكن تجاهلها، فالترحيب الواسع باللقاء يعكس إدراكاً عاماً بأن الأزمة السودانية بلغت مرحلة تتطلب تدخلاً مباشراً من مراكز التأثير الاقليمية والدولية. وقد منح اللقاء خطة الرباعية دفعة نوعية، لا سيما أنه يتسق مع رغبة السودانيين، ومع طموح الرئيس ترامب في تسجيل إنجاز دبلوماسي جديد في اطار حرصه على الظهور كصانع سلام يدفعه إلى اعتبار الملف السوداني أولوية، وإن كان اختراقه لن يكون سهلاً، فهو يتطلب استخدام نفوذه على طرفي الحرب وعلاقاته مع دول الرباعية إضافة إلى أدواته المتنوعة في الضغط السياسي، الحوافز الاقتصادية، العقوبات، وتأثيره في المؤسسات الدولية.

ومع وجود بقية دول الرباعية، التي تملك نفوذاً مباشراً على المتحاربين، تتعزز فرص الدفع بعملية سياسية حقيقية. فهذه الدول تمتلك أوراقاً يمكن من خلالها ضبط إيقاع الحرب وتحفيز الأطراف على التفاوض، فضلاً عن قدرتها على توفير غطاء دبلوماسي متين لأي اتفاق.

ومن المنتظر أن تضطلع وساطة الرباعية بدور محوري في صياغة وتنفيذ اتفاق الهدنة، عبر تحسين قنوات التواصل مع الأطراف السودانية كافة، وتشكيل عملية تفاوضية تستند إلى تشخيص دقيق لطبيعة الحرب. أما الوسطاء ذوو التأثير الفعلي على القوى المتحاربة فهم حجر الأساس في جلب الطرفين إلى طاولة التوقيع وضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وصولاً إلى بقية بنود خطة الرباعية التي تعالج جذور الأزمة وليس أعراضها.

لكن العامل الخارجي مهما بلغ تأثيره لن يحسم المسألة وحده، فلا سلام مستدام من دون إرادة وطنية جادة، ولا هدنة قابلة للحياة إذا لم تُدعَم برؤية واضحة لمعالجة جذور الأزمة. فالصراع السوداني، بطبيعته المركّبة وتباين الأهداف الاستراتيجية فيه، يتجاوز حدود وقف إطلاق نار مؤقت، ويحتاج إلى مفاوضات جادة، وإلى تنازلات حقيقية، وإلى دعم دولي منظم حتى لا ينهار أي اتفاق عند أول امتحان.

وبالنظر إلى حجم الخسائر التي تحمّلها السودانيون على مدار ثلاث سنوات، يبدو سيناريو الهدنة هو الأقرب للتحقق في المدى القصير، إذ يوفّر للجميع فرصة لإعادة تقييم موازين القوى وإمكانية الدخول في مفاوضات تقود إلى سلام دائم.

لقد غذّت سرديات الحرب نزاعات الهوية، ورفعت منسوب الكراهية، وأطلقت موجات من التحشيد القبلي، فأوصلت البلاد إلى حافة الانفجار. كما استفادت تلك السرديات من ضعف الوعي السياسي والتلاعب بمشاعر المواطنين عبر خلق عدو خارجي متوهَّم أو شيطنة قوى الثورة والتغيير، في ظل غياب صوت مدني موحد قادر على كبح هذا المسار الخطير.

أما اليوم، فتبدو الكفة تميل بوضوح لصالح القوى المدنية الرافضة للحرب، وهي القوى التي تمثل الشرعية الشعبية الحقيقية. وقد بدأت قوى كانت منحازة في السابق لمعسكري الحرب، تعيد النظر في مواقفها بعد أن أدركت أن استمرار الحرب يهدد بقاء الدولة ويعرض النسيج الاجتماعي لخطر التشظي. ومن أبرز مؤشرات هذا التحول الترحيب الشعبي بخطة الرباعية، والاستعداد المتزايد للانخراط في حوار سوداني– سوداني. ومن شأن هذه الديناميكيات أن تفضي إلى ظهور كتلة مدنية صلبة قادرة على قيادة مسار السلام.

ولتعزيز فرص النجاح، تحتاج القوى المدنية في المدى القريب إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وتكثيف الخطاب الداعي لوقف الحرب، وتفعيل برامج التثقيف المدني التي تُعلي قيم السلام والعدالة والديمقراطية، وتفكك السرديات العنيفة التي غذّت الحرب. وعلى المدى المتوسط، عليها الاتفاق على قواعد واضحة للّعبة السياسية، تُبعد السلاح عن المجال العام وتستبدل منطق القوة بمنطق الحوار. أما على المدى الطويل، فالمطلوب عقد اجتماعي جديد ومشروع وطني يضع حداً نهائياً لدائرة الحروب ويعيد بناء الدولة على أسس راسخة.

الوسومالهدنة المرتقبة ايقاع الحرب صعود الصوت المدني فرصة السلام في السودان محمد الأمين عبد النبي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الهدنة المرتقبة ايقاع الحرب فرصة السلام في السودان

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • “الطيران المدني” يستكمل متطلبات تشغيل أول طائرة إيرباص A321XLR في الشرق الأوسط وأفريقيا
  • رهاب العلمانية!
  • إقبال جماهيري كبير على مباراة مصر والبرازيل.. بيع 40 ألف تذكرة قبل المواجهة المرتقبة
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • الدفاع المدني اللبناني: انتشال 6 جثث من تحت أنقاض مبنى استُهدف جنوب لبنان
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • رقم غير مسبوق للهجمات الروسية على أوكرانيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • رفع رصيده لخمس ميداليات ملونة.. أدعم القوى يتألق آسيويا