الدينار العربي الإسلامي.. حين صاغ عبد الملك بن مروان استقلال الدولة في «قطعة ذهب»
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
شهدت الدولة الأموية منذ تأسيسها اعتماد الدينار العربي الإسلامي كعملة أساسية للتبادل المالي والتجاري.
ورغم أن سك النقود بدأ منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن خطاب، إلا أن الدينار شهد مرحلة تعريب وتنظيم شاملة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.
وكانت شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن السابع الميلادي قبائل وممالك متفرقة متناحرة، بينما كانت الإمبراطوريتان الفارسية والبيزنطية تهيمنان على مناطق واسعة في العالم القديم، واعتمد العرب قبل الإسلام على النقود البيزنطية والفارسية في رحلاتهم التجارية.
ومع بروز الدولة الإسلامية وتوسع رقعتها، برزت الحاجة إلى عملة عربية خالصة تعكس استقلالية الدولة وسيادتها.
واستخدم العرب قبل الإسلام العملات البيزنطية عالية العيار من الذهب التي بلغت نقاوتها حوالي 99٪ واستمر تداولها حتى مطلع عهد الخلافة الأموية.
وبدأ الأمويون التفكير في إصدار العملة الإسلامية الخاصة بالدولة مما أدى إلى إصدار الدينار العربي سنة 77 هجريًا بعد اقتراح من الوالي الحجاج بن يوسف الثقفي.
الدينار العربيمع بداية القرن السابع الميلادي، كانت شبه الجزيرة العربية تضم قبائل وممالك متفرقة، متناحرة غالبًا في حروب مستمرة، حتى بعث الله النبي محمد صلى الله عليه وسلم لدعوة هذه القبائل إلى الإسلام وتوحيد صفوفها.
في ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية الفارسية تسيطر على مناطق واسعة تشمل إيران وأفغانستان والعراق.
بينما كانت الإمبراطورية البيزنطية الرومانية تسيطر على جنوب شرق أوروبا وبعض مناطق آسيا وأفريقيا، مثل سوريا والأردن وفلسطين ومصر.
وكانت النقود الفارسية والرومانية الوسيلة الرئيسة للتبادل التجاري في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
واستخدم العرب هذه النقود في تعاملاتهم، إذ كان الدينار الذهبي، عملة الإمبراطورية البيزنطية، يُعرف باسم «الصولدي» أو «هراقل» نسبة إلى الإمبراطور البيزنطي هيرقل، أما الدرهم الفضي فكان يأتي من بلاد فارس وبعضه من اليمن.
وكانوا يتعاملون بهذه العملات وزناً لا عدداً، أي أن قيمتها كانت ذاتية لأنها مصنوعة من معادن ثمينة، على عكس العملات الورقية الحديثة التي تعتمد على ضمان الحكومات.
دينار عربي خالصوفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب، بدأ سك النقود الإسلامية واستمر في عهد معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير.
لكن مراحل تطور العملة الإسلامية الحقيقية بدأت في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، حين اقترح الحجاج بن يوسف الثقفي صك الدينار العربي الأول سنة 74 هـ الموافق 693م، وكتب عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
شهد سك النقود بعض التعديلات في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك، لكن الخليفة هشام أعاد النظام إلى ما كان عليه وأمر بضرب العملات حصريًا في مدينة واسط العراقية.
مواصفات الدينار العربيوبلغ وزن الدينار العربي 4.25 جرام من الذهب، وهو أثقل من الدينار البيزنطي، وحمل على وجهيه المأثورات الدينية الإسلامية.
كما تم أيضًا سك أول درهم فضي عربي خالص في سنة 78 هجريًا، وكان يزن حوالي 2.8 جرام من الفضة، وتضمن مأثورات التوحيد وعبارات قرآنية من سورة الإخلاص.
كان للتغيير النقدي الذي أحدثه الخليفة عبد الملك بن مروان أهداف اقتصادية وسياسية متعددة، أبرزها تعزيز سيادة الدولة وتمكينها من تحصيل حقوق وواجبات الرعية بعملة مستقلة.
كما كان من الأهداف أيضا إنهاء الاعتماد النقدي على الدولة البيزنطية، التي كانت دنانيرها الذهبية تهيمن على جانب كبير من النظام النقدي في الدولة الإسلامية، إضافة إلى مخاطر النقوش المسيئة على النقود الرومانية.
ومن الأهجاف كذلك، القضاء على المعروض النقدي الفاسد من الدراهم الفارسية بعد سقوط الدولة الفارسية وسيطرة رؤساء القرى على دور سك العملة، مما أدى إلى فقدان الدراهم لخصائصها كعملة مقبولة بين الناس.
وبعد سك العملة الإسلامية ومنع التعامل بالنقود الفارسية والرومانية، حققت الدولة العربية الإسلامية نجاحات اقتصادية وسياسية كبيرة.
وحظي الدينار الذهبي الإسلامي بمكانة كبيرة، واكتسب احترامًا وقبولًا واسعًا في أرجاء العالم منذ القرن الثاني حتى القرن السابع الهجري.
اقرأ أيضاًعاجل| تراجع عيار 21.. آخر تحديث لـ سعر الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 25 نوفمبر 2025
في ذكرى ميلاده.. «طلعت حرب» الأب المؤسس وراعي نهضة الاقتصاد المصري الحديث
عاجل.. تراجع أسعار الحديد اليوم الثلاثاء 25-11-2025 في الأسواق والمحافظات
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: عمر بن الخطاب الدينار العربي الدينار الإسلامي الدولة الأموية معاوية بن سفيان عهد الخلیفة فی عهد
إقرأ أيضاً:
الربيع العربي… لماذا نصل دائمًا إلى الباب الصحيح في التوقيت الخطأ؟
#الربيع_العربي… لماذا نصل دائمًا إلى #الباب_الصحيح في التوقيت الخطأ؟
بقلم: أ. د. محمد تركي بني سلامة
منذ اللحظة التي خرجت فيها الجماهير العربية تهتف للحرية في شوارع تونس والقاهرة ودمشق وصنعاء، بدا وكأن صفحة جديدة كُتبت لتوّها في تاريخ المنطقة. صفحة قالت لنا إن الشعوب تريد حقًا أن تعيش بكرامة، وإن الأنظمة مهما بدت راسخة فهي قابلة للارتباك عند أول اختبار حقيقي. لكن ما لم يدركه الكثيرون، هو أن ديمقراطيتنا القادمة كانت – وما تزال – أشبه بموعد غامض: نحدّد له الوقت والمكان، لكنه لا يحضر أبدًا.
فالتحول الديمقراطي في دول الربيع العربي ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو اصطدام مباشر بالبُنى العميقة التي تحكم الدولة والمجتمع. نحن أمام أزمة شرعية تتنقّل بين القبيلة والطائفة والعائلة الثورية والجنرال العسكري، بينما يبقى الشعب – المفترض أنه مصدر السلطات – آخر من يُسأل. وفي ظل هذا الارتباك، يصبح انتقال السلطة حدثًا مرعبًا للنظام، وكارثة محتملة للدولة، ومفاجأة غير سارة للمجتمع. وهكذا يتجمد الزمن السياسي كلما غاب زعيم أو ظهر طامح جديد.
مقالات ذات صلةولأن السياسة في العالم العربي لا تكتمل دون حضور الجيش، ظلّت المؤسسة العسكرية اللاعب الأكبر في لعبة يفترض أن تكون مدنية. الجيش الذي تأسس لحماية الحدود، تحوّل بمرور الزمن إلى الحاكم والدستور وصانع الشرعية. لا يخرج من السياسة إلا ليعود إليها، ولا يدخل إليها إلا ليُبقي باب التداول السلمي للسلطة موصدًا. ولعلّ أكبر مفارقة كشفها الربيع العربي هي أن الديمقراطية في نظر بعض الجيوش “تهديد للأمن القومي”، بينما الانقلابات “تصحيح للمسار”.
ثم يأتي الاقتصاد الريعي ليضيف نكهته الخاصة إلى المشهد. فالدول التي تستطيع شراء الولاءات لا تحتاج إلى بناء مؤسسات قوية، ولا إلى أحزاب، ولا إلى مساءلة. يكفي أن يتدفق الريع حتى تصبح الدولة “أبًا كريمًا” والمواطن “تابعًا مطيعًا”. في مثل هذا الاقتصاد، لا مساحة للنقاش حول العدالة أو الكفاءة أو الشفافية؛ فالمحاسبة رفاهية غير مرغوبة، والشفافية قد تُربك النظام العام. وبذلك يصبح التداول السلمي للسلطة أمرًا لا يخدم أحدًا سوى المواطن… وهو للأسف أقل الفاعلين تأثيرًا.
ومع هذه البُنى القائمة، تبقى الثقافة السياسية عائقًا كبيرًا. فما زال المجتمع العربي يتعامل مع السلطة بمنطق العاطفة لا القانون. نُقدّس الزعيم حينًا، ونثور عليه حينًا آخر، لكننا لم نصل بعد إلى قناعة جماعية بأن الدولة مؤسسة لا مزرعة شخصية، وأن الحكم عقد اجتماعي لا هبة من السماء. وفي ظل هذا الوعي المتذبذب، تصبح الديمقراطية مطلبًا عند الخسارة، وعبئًا عند الوصول إلى الحكم، وكلمة جميلة تُرفع في المظاهرات لكنها تختفي في أول اختبار.
أما المجتمع المدني، الذي يُفترض أن يكون رافعة التغيير، فهو إمّا محاصر بالتشريعات، أو مرهق بالتمويل، أو مستنزف بالصراعات الأيديولوجية. فلا يستطيع أن يلعب دوره كوسيط بين الدولة والمجتمع، ولا كقوة ضغط، ولا كمساحة لحماية الحقوق. ومع ضمور هذا الدور، يتحول المجال العام إلى مواجهة مباشرة بين السلطة والشارع، بلا توازنات ولا ضوابط.
وإذا جمعنا كل هذه العناصر – الشرعية المربكة، الدور السياسي للجيش، الاقتصاد الريعي، الثقافة التقليدية، المجتمع المدني الهش – نصل إلى نتيجة واحدة: الديمقراطية في العالم العربي ليست مستحيلة، لكنها معقّدة، مؤجلة، ومحاطة بحواجز تجعل الطريق إليها طويلًا وشائكًا. ومع ذلك، لم تُغلق النافذة تمامًا؛ فالتجارب الكبرى لا تُبنى في يوم، والديمقراطية ليست حدثًا بل مسارًا، ولا يمكن لأي نظام أن يصمد طويلًا دون إعادة تعريف شرعيته على أساس المشاركة والمحاسبة.
ورغم السخرية التي تفرضها الوقائع، يبقى الأمل قائمًا. فالشعوب التي خرجت إلى الشوارع مرة، قادرة على الخروج مرة أخرى، والأنظمة التي قاومت التغيير عقودًا ستُدرك في النهاية أن بقاءها مشروط بإصلاح نفسها. ومع كل التعثرات، يظل الربيع العربي بداية وليس نهاية، ومحاولة أولى ستتبعها محاولات أخرى إلى أن تتحقق تلك اللحظة التي طال انتظارها: لحظة أن نحضر نحن… ويحضر معنا المستقبل أيضًا.