فورين أفيرز: ثمانية عقود من السلام العالمي النسبي هل اقتربت نهايتها؟
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
يقف العالم اليوم أمام تحولات بنيوية عميقة تُعيد تشكيل موازين القوة وتزيد احتمالات اندلاع صراع دولي كبير ينهي فترة الاستقرار والسلام النسبيين بين القوى العظمي التي استمرت 80 عاما منذ الحرب العالمية الثانية، وهي أطول فترة سلام في التاريخ، ما لم تجدد القوى الكبرى إستراتيجياتها وتعدل سلوكها بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي الذي يتغير بسرعة.
هذا ما ورد في مقال مطول نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية أعده الكاتبان غراهام أليسون وجيمس وينفيلد (جونيور) وضعا فيه التحولات بين القوى الدولية في سياق تاريخي طويل يُظهر أن فترات الاستقرار بين القوى الكبرى ليست سوى استثناء نادر، بينما العادة الغالبة في العلاقات الدولية هي تنافس مستمر ينتهي غالبا بصدام واسع.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كاتب بريطاني: ابتسامات ترامب المصطنعة تخفي خوفه أمام ممدانيlist 2 of 2إنترسبت: جامعات أميركية تتجسس على طلابها بالذكاء الاصطناعي إرضاء للمانحين العسكريينend of listويوضح الكاتبان أن المؤشرات الحالية تدل على أن هذا الاستثناء يقترب من نهايته، وعلى رأس هذه المؤشرات هو تراجع الهيمنة الاقتصادية الأميركية، وهو عامل يرى الكاتبان أنه يرفع كثيرا من مخاطر الصراع.
ويشيران إلى أن أميركا، بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تملك نصف الناتج الإجمالي العالمي، مستفيدة من الدمار الواسع الذي لحق بأوروبا وآسيا. ومع نهاية الحرب الباردة، تراجعت الحصة الأميركية إلى الربع. أما اليوم، فلم يعد نصيبها يتجاوز السبع تقريبا، جراء صعود قوى اقتصادية جديدة وبروز مراكز إنتاج عالمية بديلة.
ويرى أليسون ووينفيلد أن هذا التحول في الوزن النسبي للقوة الاقتصادية لا يعني فقط تراجعا في النفوذ الأميركي، بل يشير أيضا إلى تشكُّل عالم متعدد الأقطاب يمكن فيه لقوى كبرى وإقليمية، مثل الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي، التحرك داخل نطاقات نفوذها دون الحاجة لأخذ الإذن من واشنطن أو الخوف من تدخلها المباشر.
ازدياد احتمالات الانزلاقوينظر الكاتبان إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد تحول اقتصادي، بل هي عامل بنيوي يزيد احتمالات النزاعات. فالتاريخ -من أثينا وإسبرطة إلى القوى الأوروبية قبل الحربين العالميتين- يعكس أن لحظات تساوي القوة بين دول صاعدة وأخرى مهيمنة غالبا ما تنتهي بحرب فاصلة.
إعلانويزداد الوضع خطورة حين تبالغ القوة المهيمنة في التزاماتها المالية، كما يرى الخبير الاقتصادي راي داليو الذي يعتبر أن الولايات المتحدة تجاوزت حدود قدرتها في الإنفاق والاقتراض، وهو ما يضعف قدرتها على الحفاظ على تفوقها.
ثم ينتقل الكاتبان إلى عامل ثانٍ يزيد من احتمالات الانزلاق نحو صراع عالمي، وهو الإفراط في التوسع العسكري. ويضربان مثالا بالانخراط الأميركي المطوّل والمكلف في العراق وأفغانستان، والذي استنزف القدرات القتالية والمالية الأميركية، وشتت الانتباه عن التهديدات الحقيقية التي كان ينبغي التركيز عليها، مثل صعود الصين وتطور قدرات روسيا.
ويستشهد الكاتبان بمقولة المفكر والقائد العسكري الصيني الشهير لسن تزو، الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد: "حين تنخرط الجيوش في صراعات مطوّلة، ستعجز موارد الدولة عن الإيفاء". وهذا بالضبط ما حدث للولايات المتحدة، حيث أدى الإصرار على خوض صراعات لا تمس المصالح الحيوية مباشرة إلى تآكل القوة العسكرية وعرقلة تحديثها وإضعاف جاهزيتها.
ويضيف أليسون ووينفيلد، أن المؤسسة الأمنية الأميركية دخلت في حلقة مفرغة مدعومة من الكونغرس والصناعات الدفاعية، حيث يُطلب المزيد من الإنفاق بدل إعادة التفكير جذريا في الإستراتيجية، كما استمرت هذه المؤسسة في معالجة المشاكل بزيادة الميزانيات العسكرية، وهو توجه لا يصحّح الخلل البنيوي في توزيع الموارد ولا يعالج جوهر التحديات المتصاعدة.
والعامل الثالث، وهو الأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر الكاتبين، يتمثل بالانقسامات الداخلية العميقة داخل الولايات المتحدة. فالاستقطاب السياسي الحاد بين الحزبين، والتغير المستمر في توجهات القيادة السياسية حول دور أميركا العالمي، وتناقض المواقف بين الإدارات المتعاقبة، كلها عوامل تضعف قدرة الدولة على انتهاج سياسة خارجية مستقرة ومتماسكة. وفي لحظات التحول الجيوسياسي الكبرى، تحتاج الدول إلى حدٍّ أدنى من الإجماع الوطني، وهو ما يتراجع اليوم بوضوح في الولايات المتحدة.
أليسون وونفيلد:العالم يقف على أعتاب مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتراجع القدرة الأميركية على ضبط النظام الدولي، وتصعد قوى جديدة، وتتصاعد التوترات، وقد يؤدي ذلك إلى صراع كبير ما لم تتم إدارة التحولات بحكمة ووعي إستراتيجي. حالة من الارتباك
ويشير الكاتبان إلى أن الإدارة الحالية في واشنطن تعمل على إعادة تشكيل واسع لمعظم العلاقات والاتفاقيات الدولية، ما خلق حالة من الارتباك بين الحلفاء والخصوم على السواء. فالتراجع عن التزامات طويلة الأمد، أو قلب هياكل التعاون الدولي دون رؤية واضحة أو بدائل متينة، يعكس اضطرابا في مراكز صنع القرار، ويضعف القيادة الأميركية للنظام الدولي الذي ساهمت في بنائه.
ويقدّم المقال إطارا تحليليا أوسع عبر الحديث عن دور "الدورات الجيوسياسية الطويلة" التي تشهدها الأمم. فهذه الدورات لا تدوم، وهي عادة تنتهي عندما تعجز القوى المهيمنة عن التكيف مع الواقع الدولي الجديد.
والسؤال المطروح اليوم على الأميركيين، كما يرى أليسون ووينفيلد، هو ما إذا كانوا قادرين على إدراك خطورة المرحلة، وعلى تطوير رؤية جديدة قادرة على تجديد قدرتهم على إدارة النظام الدولي واحتواء القوى الصاعدة دون انزلاق إلى حرب كبرى.
تكرار نفس الأخطاء
ويستشهدان بفكرة للفيلسوف الألماني فريدريك هيغل: "نتعلم من التاريخ إننا لا نتعلم من التاريخ"، ليشيرا إلى أن البشرية دأبت على تكرار الأخطاء نفسها، خصوصا حين يتعلق الأمر بموازين القوى وصعود قوى جديدة.
إعلانلكنهما يذكّران أيضا بأن الإستراتيجيين الأميركيين في حقبة الحرب الباردة قد تمكنوا من صياغة مقاربات جديدة، تجاوزت الحكمة التقليدية السائدة آنذاك، وأرست أسس "السلام الطويل" الذي دام دون حرب مباشرة بين القوى الكبرى.
ويذهب المقال إلى أن الحفاظ على هذا الاستثناء العالمي -السلام النسبي الطويل- يتطلب اليوم جهدا مشابها في مستوى الابتكار الإستراتيجي، مع قدر كبير من العزم الوطني والقيادة السياسية الواعية.
تجنب الانفجار العالميويؤكد الكاتبان من جديد أن النظام الدولي، ورغم أنه يمر بمرحلة انتقالية خطرة، فإن تجنب الانفجار العالمي ليس مستحيلا، لكنه يتطلب من القوى الكبرى -وخاصة الولايات المتحدة- إعادة تقييم شاملة لدورها، وقدراتها، وأولوياتها، وإستراتيجياتها، بعيدا عن الإفراط في التوسع العسكري والمالي، وعن الانقسامات السياسية التي تشلّ صانع القرار.
وعموما، يقدم المقال رؤية شاملة تحذّر من أن العالم يقف على أعتاب مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتراجع القدرة الأميركية على ضبط النظام الدولي، وتصعد قوى جديدة، وتتصاعد التوترات، الأمر الذي قد يشكل خليطا قد يقود إلى صراع كبير ما لم تتم إدارة التحولات بحكمة ووعي إستراتيجي.
ويؤكد الكاتبان أيضا أن أمام الولايات المتحدة -وربما أمام العالم- فرصة لتأجيل هذا الصدام، لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب إرادة سياسية ورؤية إستراتيجية عميقة، تشبه في جرأتها تلك التي رافقت صياغة إستراتيجيات الحرب الباردة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الولایات المتحدة النظام الدولی القوى الکبرى بین القوى إلى أن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026