تعد مدينة القدس عبر العصور مركزا إشعاعيا للعلم والمعرفة، إذ احتضنت مدارس وجامعات ومساجد وكنائس شكلت معا بيئة ثقافية وروحية ووطنية فريدة. ومن أبرز المؤسسات التعليمية التي تركت بصمة واضحة في مسار التربية والتعليم والثقافة مدارس الأوقاف الإسلامية والمدارس الأهلية الكنائسية المسيحية. هذه المدارس لم تكن مجرد أماكن لتلقين العلوم، بل مثلت فضاء لتشكيل الهوية العربية والوطنية والثقافية الفلسطينية.

ويعود تاريخ أقدم المدارس الإسلامية في القدس إلى المدرسة الصلاحية التي أسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1192م بعد تحرير المدينة من الاحتلال الأوروبي في ذلك الوقت، لتكون منارة للعلم الديني والمعرفي واللغوي والفكري.

أما المدارس الكنائسية المسيحية، فتعد مدرسة الفرير قرب الباب الجديد في البلدة القديمة من القدس، والتابعة لجمعية إخوة المدارس المسيحية، أول مدرسة أهلية مسيحية في المدينة، وقد تأسست عام 1876.

تبعتها لاحقا مدرسة شميدث للبنات عام 1886، ثم مدرسة المطران سان جورج التي تأسست عام 1899، ثم مدرسة تراسنطا عام 1920.

وقد أصبحت هذه المدارس والمؤسسات التربوية مع مرور الوقت ركائز محورية في المشهد والحياة التعليمية والثقافية المقدسية.

تعد المدرسة الصلاحية التي أسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي من أقدم المدارس الإسلامية في القدس (الجزيرة)منابر لتعزيز الهوية الوطنية

منذ تأسيسها، لم تقتصر رسالة هذه المدارس على التعليم التقليدي، بل أسست لنظام تربوي منسجم مع الثقافة العربية والفلسطينية والقيم الإنسانية العامة، فهي لم تكن مجرد مؤسسات أكاديمية، بل منابر لنشر الفكر التنويري وتعزيز الهوية الوطنية، إذ ساهمت في ترسيخ قيم الانفتاح والتفاعل بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني بمنابته الجغرافية والدينية المختلفة، وشكلت قاعدة تربوية وثقافية فسيفسائية، شكلت أساس الانتماء للأرض والتاريخ.

إعلان

لقد ركزت مدارس الأوقاف الإسلامية على الجمع بين العلوم الشرعية واللغة العربية والعلوم الحديثة، لتخرج أجيالا قادرة على المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة. في المقابل، حملت المدارس الكنائسية المسيحية رسالة تعليمية متقدمة اعتمدت بأساسها على مناهج متنوعة ولغات متعددة كالإنجليزية والألمانية والفرنسية، مما جعلها بوابة للمعرفة العالمية.

هذا التكامل بين المؤسستين (الأوقاف الإسلامية والمدارس الكنائسية) شكل ويشكل إطارا مشتركا عزز الثقافة الفلسطينية، وأسهم في ظهور نخبة من المفكرين والأدباء والسياسيين الذين كان لهم تأثير بارز داخل فلسطين وخارجها.

لم يكن تأثير هذه المدارس نظريا فقط، بل تجلى من خلال تخريج شخصيات برزت وأثرت في المشهد التربوي والسياسي والثقافي الفلسطيني خاصة، وفي المشهد العربي والعالمي عامة.

نماذج بارزة

ويعتبر الأديب والمفكر التربوي خليل السكاكيني نموذجا بارزا لما ذكر سابقا، فقد درس في مدارس الأوقاف الإسلامية وكذلك في المدارس الكنائسية، واستفاد من تنوع بيئتها التربوية ليؤسس منهجه التربوي ومدرسته الخاصة في القدس، حيث اعتمد منهجه التعليمي على التعلم من خلال التجربة والابتعاد عن التلقين، وهو توجه ومنهج سبق عصره ولاقى صدى في الأوساط التربوية الأوروبية التي بنت العديد من مناهجها على أسس هذا المنهج.

وكذلك برز المفكر العالمي إدوارد سعيد، الذي يعتبر من أبرز المفكرين الذين طوروا "دراسات ما بعد الاستعمار". لقد تخرج إدوارد سعيد من مدرسة المطران في القدس، حيث صاغت بيئة المدينة والمدرسة المتعددة المنابت الفكرية والثقافية وعيه النقدي المبكر.

وفي السياق السياسي، برز فيصل الحسيني، القائد الوطني المقدسي، الذي نهل من فكر هذه المدارس وقيمها، فكان صوتا مدافعا عن القدس وفلسطين وهويتها.

أما على صعيد الأدب والشعر، فقد لمع اسم سميحة خليل، الشاعرة والمناضلة، التي تشربت من هذه المؤسسات التربوية روح الانتماء والالتزام الوطني، وكذلك التربوية هند الحسيني، وغيرهم الكثير.

إن هذه النماذج تؤكد أن هذه المدارس لم تكن مجرد مؤسسات تعليمية، بل مصانع لإعداد قادة الفكر والعلم والمجتمع، ساهموا في صياغة أسس الهوية العربية الفلسطينية الحديثة.

لقد قامت هذه المدارس بدور محوري في بلورة وتعزيز النسيج الوطني والاجتماعي الفلسطيني في مدينة القدس، إذ جمعت بين طلاب من خلفيات اجتماعية ودينية وجغرافية وسياسية وثقافية مختلفة، وساهمت في صهرهم في نسيج وهوية وطنية واجتماعية وتربوية وثقافية موحدة، مما جعلها نموذجا للأخوة والتلاحم والتسامح.

هذا التداخل أنتج وعيا جمعيا قائما على احترام الآخر، وأسهم في الحفاظ على روح القدس كمدينة عالمية مفتوحة ومتنوعة.

ومن خلال مناهجها وأنشطتها، استطاعت هذه المدارس أن توازن بين الخصوصية الثقافية والتربوية الفلسطينية والانفتاح على الثقافات الأخرى، وهو ما جعلها مؤسسات تربوية وثقافية ذات تأثير يتجاوز حدود التعليم النظامي.

تواجه مدارس الأوقاف والمدارس الكنائسية في القدس تحديات جسيمة، أبرزها السياسات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التعليمية وتسعى إلى قطع صلتها بالهوية الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يصبح الحفاظ على هذه المؤسسات ودعمها مسؤولية وطنية ومجتمعية لضمان استمرارها.

تحديات جسيمة

ورغم هذا الدور العميق والمتجذر، تواجه مدارس الأوقاف الإسلامية والمدارس الكنائسية في القدس اليوم تحديات جسيمة، أبرزها السياسات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التعليمية والثقافية الفلسطينية.

إعلان

فمنذ بداية الألفية الثانية، وتحديدا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تضاعفت القيود المفروضة على هذه المدارس، سواء من محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي، أو تحريف المنهاج الفلسطيني بما ينسجم مع سياسات المؤسسة الإسرائيلية، أو تقييد حرية التعبير الثقافي، أو التضييق على الأنشطة والبرامج التربوية.

كما تعاني هذه المدارس من شح الموارد المالية بسبب القيود على التمويل والدعم الخارجي، مما يهدد استمرار رسالتها.

وهذه الضغوطات لا تمس الجانب الإداري أو التعليمي فحسب، بل تهدد السياق التاريخي الذي قامت عليه هذه المدارس، وتسعى إلى قطع صلتها بالهوية الوطنية الفلسطينية.

وبذلك، يصبح الحفاظ على هذه المؤسسات ودعمها مسؤولية وطنية ومجتمعية لضمان استمرارها كحصون للعلم والثقافة والتسامح في مدينة القدس.

إن مدارس الأوقاف الإسلامية والمدارس الكنائسية في القدس ليست مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، بل هي ركيزة أساسية في تكوين الهوية التربوية والثقافية الفلسطينية. هذه المدارس ساهمت في صياغة أجيال مثقفة وواعية، وعززت قيم الانفتاح والتسامح، وربطت بين الأصالة والمعاصرة.

واليوم، رغم التحديات الجسيمة، تظل هذه المدارس شاهدة على تاريخ طويل من المقاومة الثقافية والفكرية، ومؤشرا على أن القدس ستبقى مدينة للعلم والتسامح مهما اشتدت القيود.

 

*نبيل عبد الله: رئيس فرع القدس في نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينية وعضو إداري في المجلس التنسيقي للتعليم في مدينة القدس.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الهویة الوطنیة هذه المدارس مدینة القدس فی القدس

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • «متحدث الأوقاف»: إحياء القاهرة التاريخية يجسد تكامل مؤسسات الدولة للحفاظ على الهوية المصرية
  • تشكيل مجلس شباب النيابة العامة بالشارقة
  • الأوقاف: خطة لإحياء القاهرة الإسلامية والخديوية وتطوير المناطق المحيطة بها
  • الأوقاف: الحفاظ على الهوية الخاصة بالقاهرة الإسلامية والخديوية أثناء التطوير.. ولا صحة للشائعات حول هدم مناطق أثرية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بيان عربي إسلامي يؤكد على الرفض القاطع لأي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني بالقدس
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • الاحتلال يُجدد الاعتقال الإداري بحق موظفين بأوقاف القدس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • كيف أعادت الفنادق تشكيل عيد الأضحى في المغرب؟