لجريدة عمان:
2026-06-03@08:36:45 GMT

ممتلكاتنا الثقافية المغتربة .. ماذا لو عادت؟

تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT

عاد نوفمبر هذا العام يحمل في حناياه ما اعتدناه منه دائمًا؛ مشاعر وطنية متجددة، ونبض انتماء ينعش الروح كما لو أنه يأتي كل مرة لأول مرة، إلا أن نوفمبر هذا العام حمل معه إحساسًا مضاعفًا؛ إذ امتزجت أفراحه بمشاعر أخرى تسللت إلى الوجدان في هيئة تساؤل عميق: ماذا لو عادت؟ ماذا لو عاد للوطن ما خرج منه يومًا؟ وما الذي قد يعنيه أن تستعيد عُمان جزءًا من ذاكرتها المهاجرة وكنوزها المستلبة؟

لقد تزامنت فرحة احتفالاتنا الوطنية في نوفمبر مع فرحة أخرى لا تقل قيمة، فرحة رؤية الجهود الوطنية تتبلور، والخبرات تتكامل، والمؤسسات تتعاون من أجل صون التراث واستعادة ما سُلب منه، حيث كانت تلك اللحظات إعلانًا بأن الوطن لا ينسى، وذاكرة عماننا العزيزة لا تموت، وأن كل ما خرج من هذه الأرض يومًا سيظل محفوظًا في القلوب حتى يعود إلى مكانه الصحيح.

فخلال الأيام الماضية، عاشت مسقط حدثًا جاء في توقيت بالغ الأهمية، ليؤكد أن حماية تراثنا مسؤولية وطنية، وقضية إنسانية تتقاطع فيها الجهود القانونية والأمنية والمعرفية، حيث المؤتمر الإقليمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، جاء حاملاً معه روحًا من التعاون والتكامل بين الجهات الوطنية والدولية، ومرسخًا قناعة عميقة بأن حماية التراث مسؤولية تتشاركها الدول حكومات وشعوباً.

ففي حين برزت في هذا المؤتمر جهود وزارة التراث والسياحة التي تعمل على ترسيخ منظومة وطنية متينة للحفاظ على الهوية العُمانية وصون شواهدها التاريخية، تجّلت أيضاً شرطة عُمان السلطانية التي تبذل دورًا محوريًا في ضبط عمليات التهريب، وتشديد الرقابة على المنافذ، والتعاون مع الإنتربول والمنظمات الدولية في تتبع القطع المفقودة واستعادتها، كما حضرت بقوة مساهمات الجهات المختصة الأخرى، التي أظهرت قدرة عُمان على العمل المؤسسي المشترك، واستعدادها لبناء شراكات نوعية مع بيوت الخبرة الدولية والمنظمات العالمية لتعزيز آليات الحماية والاسترداد.

وقد أعطى الحدث مساحة لتبادل الأفكار، ومناقشة التشريعات، وتوحيد الآليات، وبناء خطط تعاون جديدة، وبلورة رؤى تعزز قدرة المنطقة كلها على مواجهة التحديات المرتبطة بالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وقد بدا واضحًا أن هذه الجهود لم تعد محصورة في حدود محلية، وإنما أصبحت جزءًا من حركة عالمية تحترم تراث الإنسان، وتدافع عن ذاكرته، وتمنح الشعوب ثقة أكبر في قدرتها على حماية تاريخها واستعادة ما ضاع منه.

ومن الطبيعي أن يتحرك حنين الشعوب المدركة لقيمة إرثها كما هو الحال في وجدان الشعب العُماني الذي كان ولازال حاضرًا في المشهد؛ حيث كل قطعة تراثية تمسّ جذوره، وكل أثر غائب يوقظ فيه شوقًا قديمًا للعودة، فحقاً له أن يتساءل والآمال حوله، ماذا لو عادت؟

ماذا لو عاد لعُمان ما هُجِّر منها يومًا ولا يزال مغتربًا، ماذا لو عاد محمولًا على أكتاف الزمن، نابضًا بروح آبائنا وأجدادنا؟

وماذا لو عبرت تلك القطع العالقة في المتاحف البعيدة، وذاك الحجر المنسي خلف واجهة زجاجية قضبان زنزانتهم؟

وماذا لو تحررت تلك المخطوطات العُمانية الحبيسة في خزائن المكتبات العالمية؟ وتلك الصفحات التي تحمل حبر علمائنا، وصوت فقهائنا، ونبض شعرائنا؟

وماذا لو فُكّت قيود المقتنيات التي وُضعت في أوطان ليست أوطانها؟ على رفوف لا تعرف عبق اللبان، ولا دفء مجان.

ماذا لو عبَروا جميعًا الطريق الطويل إلى عُمان؟

وماذا لو عادت أيضًا تلك القطع المجهولة المكان؛ التي لا نعرف اليوم خلف أي جدار تُخبَّأ، ولا على أي رفّ تستقر، ولا بين أيدي من تتنقّل؟ ماذا لو خرجت من صمتها الطويل، وقطعت المسافات، وعثرت أخيرًا على الطريق إلى وطنها؟

وإن كانت بعضها محفوظة بأيدٍ تُحسن صونها، فليكن حسن الصون طريقًا إلى كمال الوفاء، وليكن احترام تاريخها مدخلًا لإعادتها إلى حيث تنتمي، ولتُفتح لها الأبواب، ولتُرفع عنها قيود الغربة، ولتُعاد إلى حضن وطنها؛ فالقيم أسمى من أن تُقاس بثمن، كما أن الهوية أثمن من أن تدخل سوق المقايضات حيث التراث أجلّ واكبر من أن يكون سلعة في يد من لا يعرف عمق جذوره.

ويبقى السؤال ماذا لو عادت؟

لا شك أن عودتها ستكون حدثًا يتجاوز الفرح الظاهري؛ ستكون عودة روح مكتملة تحمل في داخلها آلاف السنين من التاريخ، وطبقات من العلوم، وروائح البشر الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة وصنعوا حضارتها، ولا شك أن عودتها جميعًا ستكون أقرب إلى عودة الروح إلى جسد الوطن؛ لأن الشعب العماني المتصل بجذوره التاريخية يدرك أنها لا تعود بما تحمله من مادة فقط، لكن بما تحمله من ألف عام من التاريخ، وألف حكاية من الحكايات، وألف أثر من آثار العُمانيين الذين صنعوا لهم موطئ قدم في كل عصر مر على هذه الأرض.

وحين تعود هذه الكنوز، فإنها لا تعود لجيل واحد، حيث ستتسلمها الأجيال كلها؛ وستعود لتعلّمهم، وتلهمهم، وتُعزز العلاقة بين الإنسان العماني وتاريخه، وبقدر ما تكشف هذه العودة من تاريخٍ غاب، فإنها تكشف أيضًا مقدار ما يبذله الوطن، وما تحمله مؤسساته وشعبه من إيمان عميق بأن التراث ليس مجرد ماضٍ، لكنه حقٌّ ومستقبل، وهوية لا تُباع ولا تُفرّط، وأمانة تورّث ولا تُهمل، وحين تعود سيعود معها جزء منّا، وسيعود للوطن ما يليق به، وستكتمل الحكاية التي بدأت قبل آلاف السنين، وما زالت تُكتب بحبر عماني على صفحات الحضارات.

ندى بنت صالح الشكيلية

كاتبة وباحثة عمانية

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ماذا لو عاد وماذا لو

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • ذكرى رحيلها الأولى.. سميحة أيوب لعبت دوراً مؤثرًا لإدارة المؤسسات الثقافية والمسرحية 
  • خبير أثري: تطوير القاهرة التاريخية والخديوية يعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • أنغام التراث وفنون ذوي الهمم تزين ختام احتفالات الثقافة بعيد الأضحى في السويس