ممتلكاتنا الثقافية المغتربة .. ماذا لو عادت؟
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
عاد نوفمبر هذا العام يحمل في حناياه ما اعتدناه منه دائمًا؛ مشاعر وطنية متجددة، ونبض انتماء ينعش الروح كما لو أنه يأتي كل مرة لأول مرة، إلا أن نوفمبر هذا العام حمل معه إحساسًا مضاعفًا؛ إذ امتزجت أفراحه بمشاعر أخرى تسللت إلى الوجدان في هيئة تساؤل عميق: ماذا لو عادت؟ ماذا لو عاد للوطن ما خرج منه يومًا؟ وما الذي قد يعنيه أن تستعيد عُمان جزءًا من ذاكرتها المهاجرة وكنوزها المستلبة؟
لقد تزامنت فرحة احتفالاتنا الوطنية في نوفمبر مع فرحة أخرى لا تقل قيمة، فرحة رؤية الجهود الوطنية تتبلور، والخبرات تتكامل، والمؤسسات تتعاون من أجل صون التراث واستعادة ما سُلب منه، حيث كانت تلك اللحظات إعلانًا بأن الوطن لا ينسى، وذاكرة عماننا العزيزة لا تموت، وأن كل ما خرج من هذه الأرض يومًا سيظل محفوظًا في القلوب حتى يعود إلى مكانه الصحيح.
فخلال الأيام الماضية، عاشت مسقط حدثًا جاء في توقيت بالغ الأهمية، ليؤكد أن حماية تراثنا مسؤولية وطنية، وقضية إنسانية تتقاطع فيها الجهود القانونية والأمنية والمعرفية، حيث المؤتمر الإقليمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، جاء حاملاً معه روحًا من التعاون والتكامل بين الجهات الوطنية والدولية، ومرسخًا قناعة عميقة بأن حماية التراث مسؤولية تتشاركها الدول حكومات وشعوباً.
ففي حين برزت في هذا المؤتمر جهود وزارة التراث والسياحة التي تعمل على ترسيخ منظومة وطنية متينة للحفاظ على الهوية العُمانية وصون شواهدها التاريخية، تجّلت أيضاً شرطة عُمان السلطانية التي تبذل دورًا محوريًا في ضبط عمليات التهريب، وتشديد الرقابة على المنافذ، والتعاون مع الإنتربول والمنظمات الدولية في تتبع القطع المفقودة واستعادتها، كما حضرت بقوة مساهمات الجهات المختصة الأخرى، التي أظهرت قدرة عُمان على العمل المؤسسي المشترك، واستعدادها لبناء شراكات نوعية مع بيوت الخبرة الدولية والمنظمات العالمية لتعزيز آليات الحماية والاسترداد.
وقد أعطى الحدث مساحة لتبادل الأفكار، ومناقشة التشريعات، وتوحيد الآليات، وبناء خطط تعاون جديدة، وبلورة رؤى تعزز قدرة المنطقة كلها على مواجهة التحديات المرتبطة بالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وقد بدا واضحًا أن هذه الجهود لم تعد محصورة في حدود محلية، وإنما أصبحت جزءًا من حركة عالمية تحترم تراث الإنسان، وتدافع عن ذاكرته، وتمنح الشعوب ثقة أكبر في قدرتها على حماية تاريخها واستعادة ما ضاع منه.
ومن الطبيعي أن يتحرك حنين الشعوب المدركة لقيمة إرثها كما هو الحال في وجدان الشعب العُماني الذي كان ولازال حاضرًا في المشهد؛ حيث كل قطعة تراثية تمسّ جذوره، وكل أثر غائب يوقظ فيه شوقًا قديمًا للعودة، فحقاً له أن يتساءل والآمال حوله، ماذا لو عادت؟
ماذا لو عاد لعُمان ما هُجِّر منها يومًا ولا يزال مغتربًا، ماذا لو عاد محمولًا على أكتاف الزمن، نابضًا بروح آبائنا وأجدادنا؟
وماذا لو عبرت تلك القطع العالقة في المتاحف البعيدة، وذاك الحجر المنسي خلف واجهة زجاجية قضبان زنزانتهم؟
وماذا لو تحررت تلك المخطوطات العُمانية الحبيسة في خزائن المكتبات العالمية؟ وتلك الصفحات التي تحمل حبر علمائنا، وصوت فقهائنا، ونبض شعرائنا؟
وماذا لو فُكّت قيود المقتنيات التي وُضعت في أوطان ليست أوطانها؟ على رفوف لا تعرف عبق اللبان، ولا دفء مجان.
ماذا لو عبَروا جميعًا الطريق الطويل إلى عُمان؟
وماذا لو عادت أيضًا تلك القطع المجهولة المكان؛ التي لا نعرف اليوم خلف أي جدار تُخبَّأ، ولا على أي رفّ تستقر، ولا بين أيدي من تتنقّل؟ ماذا لو خرجت من صمتها الطويل، وقطعت المسافات، وعثرت أخيرًا على الطريق إلى وطنها؟
وإن كانت بعضها محفوظة بأيدٍ تُحسن صونها، فليكن حسن الصون طريقًا إلى كمال الوفاء، وليكن احترام تاريخها مدخلًا لإعادتها إلى حيث تنتمي، ولتُفتح لها الأبواب، ولتُرفع عنها قيود الغربة، ولتُعاد إلى حضن وطنها؛ فالقيم أسمى من أن تُقاس بثمن، كما أن الهوية أثمن من أن تدخل سوق المقايضات حيث التراث أجلّ واكبر من أن يكون سلعة في يد من لا يعرف عمق جذوره.
ويبقى السؤال ماذا لو عادت؟
لا شك أن عودتها ستكون حدثًا يتجاوز الفرح الظاهري؛ ستكون عودة روح مكتملة تحمل في داخلها آلاف السنين من التاريخ، وطبقات من العلوم، وروائح البشر الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة وصنعوا حضارتها، ولا شك أن عودتها جميعًا ستكون أقرب إلى عودة الروح إلى جسد الوطن؛ لأن الشعب العماني المتصل بجذوره التاريخية يدرك أنها لا تعود بما تحمله من مادة فقط، لكن بما تحمله من ألف عام من التاريخ، وألف حكاية من الحكايات، وألف أثر من آثار العُمانيين الذين صنعوا لهم موطئ قدم في كل عصر مر على هذه الأرض.
وحين تعود هذه الكنوز، فإنها لا تعود لجيل واحد، حيث ستتسلمها الأجيال كلها؛ وستعود لتعلّمهم، وتلهمهم، وتُعزز العلاقة بين الإنسان العماني وتاريخه، وبقدر ما تكشف هذه العودة من تاريخٍ غاب، فإنها تكشف أيضًا مقدار ما يبذله الوطن، وما تحمله مؤسساته وشعبه من إيمان عميق بأن التراث ليس مجرد ماضٍ، لكنه حقٌّ ومستقبل، وهوية لا تُباع ولا تُفرّط، وأمانة تورّث ولا تُهمل، وحين تعود سيعود معها جزء منّا، وسيعود للوطن ما يليق به، وستكتمل الحكاية التي بدأت قبل آلاف السنين، وما زالت تُكتب بحبر عماني على صفحات الحضارات.
ندى بنت صالح الشكيلية
كاتبة وباحثة عمانية
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ماذا لو عاد وماذا لو
إقرأ أيضاً:
التراث وآفاق الاقتصاد
حمد الصبحي
في عُمان؛ حيث تتنفس الصحراء اتساعًا، وتتماوج كثبانها كأنها أبياتٌ من قصيدةٍ لا تنتهي، لا تكون الإبل مجرد إرثٍ يجيء من ماضي البادية؛ بل حضورًا حيًّا يُرافق الإنسان في يومه، ويُذكّره بجذوره الأولى. فالإبل ليست حيوانًا فحسب؛ إنها ذاكرة الصبر، ومقياس القوة، ومرآة الكرم، وجسرٌ يصل بين الإنسان العُماني وأرضه، ويُجسّد علاقته العميقة بالطبيعة التي صقلته ورفعت من صلابته. واليوم، تعود الإبل لتحتل موقعًا جديدًا في مسار التنمية، موقعًا يجعلها تتجاوز رمزيتها التراثية لتصبح مجالًا اقتصاديًا متجددًا تتعامل معه الدولة بوصفه قطاعًا واعدًا ضمن رؤيتها لتنظيم الأنشطة التي تنمو خارج الإطار المؤسسي التقليدي.
ومن هذه الرؤية ينطلق ملتقى حوكمة التشغيل في القطاعات الأهلية بشمال الشرقية، (قطاع الإبل نموذجًا) الذي تنظمه وزارة العمل ممثلة بالمديرية العامة للعمل بمحافظة شمال الشرقية خلال الفترة من 1 إلى 3 ديسمبر 2025 بولاية بدية، تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور محاد بن سعيد باعوين وزير العمل. ويُترجم هذا الملتقى قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تنبع من الأرض نفسها؛ من الموروث الذي يُصان، ومن الخبرات التي تتجدد، ومن الأصالة التي تتحول إلى منصة إنتاج، لا إلى ذكرى.
ويفتح الملتقى بابًا واسعًا لفهم قطاع الإبل بوصفه قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا ظل لسنوات طويلة يُمارس نشاطه بعيدًا عن الأطر الرسمية رغم أثره الاجتماعي والاقتصادي. فالإبل اليوم تتجاوز صورتها التقليدية لتُصبح جزءًا من منظومة إنتاج ديناميكية تشمل سباقات الهجن، والمهرجانات التراثية، وأسواق، وصولًا إلى المسارات السياحية التي تستثمر حضور الإبل في البيئة العُمانية لتصنع تجربة ثقافية واقتصادية متفردة.
وبهذا المعنى، لا يعود تنظيم القطاعات التي تنمو خارج الإطار المؤسسي خيارًا تنمويًا ثانويًا؛ بل يتحول إلى ضرورة وطنية تُسهم في توسيع قاعدة الاقتصاد العُماني، وإدماج الخبرات التقليدية في الدورة الإنتاجية الحديثة. فاختيار قطاع الإبل كنموذج تطبيقي يعكس توجهًا استراتيجيًا يربط بين التراث والاقتصاد، ويُحوّل الذاكرة إلى قيمة مضافة، والمعرفة الشعبية إلى مهارة قابلة للقياس والتطوير.
ويناقش الملتقى بعمق تفاصيل الممارسة اليومية في قطاع الإبل؛ بدءًا من تنظيم المهن المرتبطة به، وتطوير معايير التشغيل، وبناء قاعدة بيانات شاملة تُسهم في قراءة الواقع بدقة وصياغة سياسات تشغيل أكثر فاعلية، مرورًا بتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين، ورفع كفاءة الإنتاج، وانتهاءً بتمكين المربين من دخول الأسواق الحديثة عبر التدريب، والتمويل، والتشريعات الداعمة. كما يُبرز الملتقى أهمية التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، بوصفه شرطًا أساسيًا لخلق بيئة استثمارية مُحفّزة في الصناعات المرتبطة بالإبل، ولتطوير سلاسل القيمة الاقتصادية لهذا القطاع.
ولا يكتفي الملتقى بدراسة واقع قطاع واحد؛ بل يتعامل معه بوصفه مدخلًا لفهم القطاعات التي كانت تعمل سابقًا خارج المنظومة المؤسسية، وكيف يمكن إدماجها في حركة الاقتصاد الوطني عبر التأهيل والحوكمة والتشريعات المرنة. إنه خطوة عملية في مسار تبنيه وزارة العمل لبناء سوق عملٍ منظم ومتوازن وعادل، سوقٍ يعترف بالخبرات الشعبية باعتبارها ثروة إنتاجية، ويُعيد توزيع الفرص بوعي، ويصون حقوق العاملين ويهيئ لهم بيئة تشغيل قادرة على مواكبة التحولات الحديثة في عالم العمل.
وتتجسد تجربة قطاع الإبل اليوم كنموذج تلتحم فيه الأصالة مع المستقبل؛ نموذج يجمع بين ذاكرة الإنسان العُماني الاقتصادية وبين روح الابتكار التي تفتح أبوابًا جديدة للاستثمار.
الصحراء هنا ليست مجرد امتدادٍ جغرافي؛ بل مهد هوية وفضاء إنتاج وثروة كامنة، والمؤسسة ليست إطارًا تنظيميًا فحسب؛ بل شريكًا في تحويل الحرفة إلى مشروع، والمهارة إلى قيمة، والإرث إلى صناعة.
وهكذا.. تنسج عُمان من خلال هذا التوجّه رؤيةً وطنية تعيد صياغة العلاقة بين التراث والتنمية، وتمنح القطاعات التقليدية طاقة جديدة تسمح لها بأن تكون جزءًا حيًا من المستقبل. إنها رؤية تُصغي إلى الصوت القديم، وتكتبه بلغة العصر، وتوحِّد بين الأصالة والتجديد في معزوفة واحدة لا تزال تتسع بالأمل والطموح والعمل.