إبراهيم شقلاوي يكتب: الكهرباء وفرص العودة إلى الخرطوم
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
نعود الي ملف الكهرباء، باعتباره أحد مظاهر التعافي الوطني في مرحلة ما بعد الحرب، إذ تمضي الجهود الحكومية بخطى متسارعة لإعادة بناء البنية التحتية التي تعرضت لدمار غير مسبوق خلال الفترة الماضية.
بالأمس أعلنت ولاية الخرطوم عن وصول 160 محولًا كهربائيًا ودخولها الخدمة، على أن تتسلم خلال ديسمبر 600 محول إضافي، ضمن خطة متكاملة لتحقيق اكتفاء الولاية من المحولات خلال ثلاثة أشهر بنسبة تتجاوز 90%، وهو تحول لافت بالنظر إلى عمق الدمار الذي أصاب القطاع وضعف الإيرادات والتكلفة العالية التي تتحملها الحكومة.
وتأتي هذه الخطوات ضمن رؤية أشمل تقودها وزارة الطاقة منذ تولي الوزير المعتصم إبراهيم مهامه في أغسطس 2025، حيث سعى إلى إعادة بناء قطاع الطاقة في خارطة التعاون الدولي. ففي حديثه خلال “أسبوع الطاقة الروسي” بموسكو، أكد أن السودان رغم آثار الحرب ما يزال قادرًا على إنتاج النفط ويعمل على زيادته عبر شراكات جديدة، خصوصًا مع روسيا التي يأمل في الحصول منها على دعم تقني لتطوير الطاقة الكهرومائية. وقد بدأ موقفه واضحًا بشأن العقوبات الاقتصادية ، حين شدد على أن الإجراءات الأحادية لا ينبغي أن تحرم السودان من حقه في استيراد الطاقة.
اللافت أن الوزارة عملت على توسعة خارطة التعاون الدولي لتشمل تركيا والولايات المتحدة في مجالات النفط والكهرباء، إضافة إلى شراكات مع شركة شنايدر الفرنسية لتوريد وصيانة المحولات، مع اهتمام خاص بتأهيل الكوادر البشرية وإدخال الطاقات المتجددة وتوفير المشتقات البترولية. وتشكل هذه المسارات مجتمعة محركًا مهمًا لإعادة إحياء قطاع الطاقة.
على المستوى الداخلي، تعكس اجتماعات اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى الخرطوم حجم التحرك الحكومي لمعالجة الأضرار التي أصابت قطاعي الكهرباء والمياه. فقد أشاد عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر بأداء لجان الكهرباء والمياه، مؤكدًا أهمية مضاعفة الجهود لضمان استقرار الخدمات. وأظهر تقرير هيئة مياه الخرطوم تقدمًا في معالجة التسربات وبناء خط جديد لحل أزمة مياه الأزهري بنسبة إنجاز بلغت 90%، إلى جانب تشغيل محطة الحلفايا بطاقة 30 ألف متر مكعب يوميًا.
أما في قطاع الكهرباء، فقد اكتملت أعمال الصيانة والتشغيل في محطتي حلة كوكو وسوبا، إضافة إلى توصيل 294 كيلومترًا من الخطوط الناقلة، وربط جميع محطات المياه بالشبكة العامة. وتم خلال نوفمبر صيانة 820 محولًا ودخولها الخدمة، إلى جانب الترتيبات الجارية لاستلام محولات جديدة خلال الأيام المقبلة، ما يبشر المواطنين بعودة تدريجية لاستقرار التيار الكهربائي. كما شهد قطاع النقل الكهربائي تحسنًا تمثل في دخول محطة قري إلى الخدمة بعد اكتمال صيانة الخط الرابط بين الخرطوم ونهر النيل، في خطوة تعد من أهم عوامل ضمان الإمداد المستقر للكهرباء.
أهمية عودة الكهرباء والخدمات، تشكل معيارًا سياسيًا لعودة مؤسسات الحكم إلى الخرطوم ، فإن استئناف الخدمات يمثل رسالة داخلية وخارجية بأن عاصمة البلاد تعود إلى الحياة، وأن الدولة قد استعادت أدواتها الحيوية لإدارتها ، وأن الحديث عن عودة الحكومة لم يعد مسألة سياسية ، بل معادلة مرتبطة بقدرة الدولة على إعادة تشغيلها وإعادة الثقة إلى مواطنيها، وتهيئة بيئة آمنة للاستقرار.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تحجب الحقيقة المؤلمة المتمثلة في حجم الخراب الذي لحق بالبنية التحتية. فقد دمرت محطات رئيسية مثل قري وبحري وجبل أولياء بنسبة بلغت 100% بفعل هجمات مليشيا الدعم السريع، وتعرضت الخرطوم لنهب أكثر من 15 ألف محول، وتدمير 150 ألف كيلومتر من الخطوط، وسرقة آلاف الأطنان من الكابلات، إلى جانب الاستيلاء على عشرات الآلاف من براميل زيوت المحولات، ما تسبب في فقدان أكثر من ألف ميغاواط تمثل 35% من الطاقة المنتجة.
هذا الانهيار ترك أثرًا عميقًا على قطاع الصناعة، الذي تكبد خسائر فادحة جراء الحرب، قدّرتها وزيرة الصناعة محاسن علي يعقوب بتدمير 1877 مصنعًا في الخرطوم وحدها، بينها 553 مصنعًا دُمرت كليًا و1267 جزئيًا. وقد أدى ذلك إلى توقف شبه كامل للصناعة في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، وإلى اضطرار البلاد لاستيراد السلع الأساسية، مما زاد الأعباء المالية على الدولة. ومع ذلك، أعلنت الوزيرة جاهزية وزارتها للمضي في خطة شاملة لإعادة الإعمار، بدأت بالفعل بتشغيل عدد من المصانع في الولايات الآمنة لإنتاج السلع الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين.
وبحسب #وجه_الحقيقة فإن ما يجري اليوم في قطاع الكهرباء والطاقة، هو اختبارٌ لقدرة الدولة على استعادة أدواتها الأساسية لإعادة بناء العاصمة وتهيئة ظروف عودة المواطنين وتعزيز فرص الاستقرار. وفي قلب هذا المشهد، تتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية لتشكل معًا ملامح مرحلة جديدة تتجاوز حدود الصيانة إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها، وتثبيت قدرتها على النهوض، واستعادة الخرطوم كعاصمة قومية قابلة للحياة ورسم خرائط المستقبل، وكمرآة لصلابة المجتمع السوداني وإصراره على الخروج من ظلام الحرب إلى نور الأمن وإعادة الإعمار.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 26 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2025/11/26 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة سلك … الكذب حين يرتدي بدلة فاخرة2025/11/26 المعارك الانصرافية2025/11/26 أحمد الحلا الخائن في حدائق الشيطان2025/11/26 يوسف عبدالمنان يكتب: مع كيكل2025/11/26 الأسئلة التعسُفية!2025/11/26 الدعم السريع يخرج جكوك الخلا والمدن2025/11/26شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات بينما يفقد المذيع المهنية وتتحول الشاشة إلى منبر للإساءة… الجزيرة مباشر نموذجاً 2025/11/26الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
السفير علاء يوسف: "الاستعلامات" تكثف جهودها بالمحافظات حول ترشيد الطاقة وبناء الإنسان
قال السفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، بأن قطاع الإعلام الداخلي شهد نشاطاً مكثفاً وممتداً على مستوى كل محافظات الجمهورية خلال شهر مايو الماضي، حيث قامت مراكز ومجمعات الإعلام بتنظيم 160 فاعلية متنوعه بين ندوات تثقيفية وحلقات نقاشية ومؤتمرات جماهيرية، تماشت مع أولويات الدولة المصرية في مجالات ترشيد الطاقة، والتحول الرقمي، وبناء الإنسان المصري وحماية الأمن القومي، بمشاركة عدد كبير من المواطنين من مختلف شرائح المجتمع وبصفة خاصة من الشباب والمرأة.
وأكد السفير علاء يوسف أن هذا النشاط المكثف يأتي في إطار الاهتمام البالغ الذي توليه الهيئة العامة للاستعلامات لتنمية وعي المواطنين بمختلف القضايا الوطنية والتنموية، بالتنسيق مع كل أجهزة الدولة، وذلك في ضوء توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة بناء الوعي الرشيد وفهم التحديات الراهنة، باعتبار الوعي هو الركيزة الأساسية لحماية الوطن ودعم مسيرة التنمية الشاملة وبناء الجمهورية الجديدة.
وأوضح رئيس الهيئة أن ملف "كفاءة الطاقة واستدامتها" جاء على رأس الأولويات التوعوية، نظراً لارتباطه المباشر بحماية موارد الدولة، وكان من ابرز الانشطة الاعلامية قيام مجمع إعلام القليوبية بتنظيم ندوة عن "ترشيد الطاقة مسئولية وطنية" ، وقيام مجمع اعلام الدقهلية بتنظيم فعالية "الكهرباء أسلوب حياة" ، بالإضافة إلى ندوة تثقيفية بذات الشأن في إعلام أسوان. وفي سياق متصل، تناولت ندوة بإعلام شمال سيناء مشروعات الطاقة الشمسية كبديل نظيف، بالتوازي مع الحملة الموسعة التي أطلقها إعلام بئر العبد تحت شعار "الترشيد مسئولية".
وفي إطار مواكبة التطور التكنولوجي وتطوير الخدمات، أشار رئيس الهيئة إلى تنظيم ندوة حول "التحول الرقمي وميكنة خدمات الأسرة" بمجمع إعلام أسوان، بجانب ندوة موسعة أطلقها مجمع إعلام مطروح حول "الأمن السيبراني" لتعزيز الوعي الرقمي.
وعلى صعيد بناء الوعي المجتمعي، تحدث السفير علاء يوسف عن جهود الهيئة في "مواجهة القضية السكانية وتنمية الأسرة المصرية"، مؤكداً أن المشكلة السكانية باتت تلتهم مخرجات التنمية وثمار النمو الاقتصادي، وهو ما جعل الهيئة تضع ملف تنظيم الأسرة والتوعية بمخاطره على رأس أولوياتها، حيث ناقش على سبيل المثال مجمع إعلام الجيزة "دور الوعي الأسري في مواجهة التحديات السكانية"، وتناول مجمع إعلام المنوفية "الاستخدام الآمن لوسائل تنظيم الأسرة"، بالتوازي مع ندوة "التنشئة الأسرية وحقوق الأبناء" بمجمع اعلام الوادي الجديد.
وامتدت الجهود لتشمل ملفات الأمن القومي والصحة العامة، حيث نظم مجمع إعلام الوادي الجديد ندوة "الوعي المجتمعي حائط صد أول لحماية الأمن القومي"، في حين ركز إعلام قنا على الجانب البيئي والصحي عبر ندوة "المعايير الصحية لضمان سلامة اللحوم" ، واختتم السفير علاء يوسف رئيس مجلس ادارة الهيئة العامة للاستعلامات تصريحه مؤكداً استمرار الهيئة في أداء دورها التنويري والوصول برسائل الدولة التنموية إلى المواطنين في كافة المحافظات