جريدة الرؤية العمانية:
2025-11-29@19:58:13 GMT

صفاء الروح

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

صفاء الروح

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

جاءها الولد مُثقلًا بالغضب، وأحسّت به في قلبها دون أن تسأله عن ما يثقل صدره.

بادرت قائلة: «تعرف يا بُني ما هو صفاء الروح؟».. صفاء الروح يا ولدي… هو التسامح وهدوء القلب؛ فسامح من أخطأ بلا قصد، ومن تعثّر وهو يحاول، ومن ابتعد لأنه لم يجد طريقًا للبقاء. سامح حتى من خذلك، أو من كان يومًا نبضك.

سامح… فالمسامح كريم، والروح التي تعلو فوق المرارة أرقى من أي غضب.

سامح نفسك على لحظات ضعفك، على كلمة خرجت منك بلا وعي، وعلى خطوة أقدمت عليها قبل أن تكتمل الرؤية.

سامحها… فالقلب الذي يرفض الغضب يعيش أطول، أهدأ، وأقرب للسكينة.

سامح أخطاءك، فكل خطأ يحمل درسًا، وكل سقوط يعلّمك أن تنهض أقوى، أكثر حكمة، وأكثر رحمة.

وتجاوز عمّن أساء إليك، ليس لتبريرهم، ولا لتقليل حجم خطئهم، بل لتخفيف ثقل الغضب في قلبك، ولتهدئة روحك قبل أن تهدأ أرواحهم. واصفح عمّن صدمك غيابه، أو صدمك وفاؤه، أو لم يكن يومًا على قدر ما تمنيت.

سامح من جرحك بكلمة، أو بفعل، أو بغياب. سامح… لتعيش أنت حرًا، قبل أن تجعلهم أحرارًا.

سامح الحياة على ما أخذته منك بلا استئذان، وعلى ما لم تُنجزه رغم كل محاولاتك، وعلى الأماني التي مرّت أمامك ثم غابت كأنها لم تكن. سامحها… فالحياة لا تعتذر، لكنها تفتح أبوابًا لمن يترك قلبه مفتوحًا. وسامح الصعاب، فهي من صنعتك، ومن علمتك معنى القوة، والصبر، والأمل. وسامح الوقت على لحظاته الضائعة، وعلى أيامه التي حملت الانتظار، وعلى لياليه التي مرّت بلا خبر.

سامح… فالتسامح قوة، لا ضعف، ونعمة، لا مجرد فعل نبيل. فأنت حين تسامح، تنقّي قلبك من الغضب، وتمنح نفسك حرية أن تنبض بلا أثقال، وتستعيد القدرة على الحب، على العطاء، على الحياة. التسامح ليس كلمة فقط… إنه فعل في غاية الجمال، قرار شجاع، وسكون داخلي يسبق كل فعل.

سامح… وابدأ من داخلك: سامح قلبك، أفكارك، ضعفك، أخطاءك، وخوفك. ثم سامح من حولك، دون انتظار اعتذار، ودون الحاجة لتقدير. وسامح الحياة بكل ألوانها، الظلام قبل النور، الحزن قبل الفرح، والفقد قبل اللقاء.

فنحن العمانيين تعلّمنا أن التسامح ليس شعارًا، ولا خُلقًا نُظهره حين نشاء، بل هو طبع يسكن بيوتنا وقلوبنا، وموروث يجري في الأرواح قبل المآذن.

لكن لكل شيء حد؛ فالتسامح لا يعني التفريط في الدين، ولا التخلي عن الأخلاق والقيم، ولا المساس بالوطن. ولا يلغي حدود الحق، ولا يطفئ صوت العدل، ولا يجعل الوطن مساحة مباحة للعبث.

سامح… لتخفّ عنك ثقل الأيام، ويهدأ قلبك، وتشرق روحك، وتستعيد القدرة على الحب والعطاء والسكينة. سامح… لتكون حياتك رسالة لا مجرد كلمات، وليكون نبض قلبك دليلًا لا مجرد تعليمات. سامح… فحين تفعل ذلك، فأنت الأقوى، أنت الأفضل، أنت الأجمل.

سامح… لتجد في كل يوم فرصة، وفي كل لقاء متعة، وفي كل قلب فرحة؛ لتزرع نورًا، لتزرع حبًا، لتزرع أملًا؛ فالمسامحة ليست نسيانًا، ولا ضعفًا، ولا مجرد فعل نبيل… إنها قوة القلب، وحرية الروح، ونور يسكن الداخل قبل الخارج.

سامح… فليس من يكسب شيئًا من حمل الأثقال، لكن الجميع يربح حين يتركها، حين يحرر قلبه من أثقال الغضب والمرارة، ويُفسح للضوء طريقًا إلى داخله.

سامح… لتبقى الحياة أكثر جمالًا، وتبقى الأرواح أكثر نقاءً، وتبقى القلوب أخفّ وأكثر رحمة. سامح… واحتفظ بحياتك، بابتسامتك، بنورك، بروحك، حتى لو لم يعتذر أحد، حتى لو لم يُقرّ أحد بخطئه.

سامح… فالحياة رحلة قصيرة، فدع قلبك يزهر، ولروحك أن تطير، ولحياتك أن تنبض بالصفاء، حتى تصبح كل خطوة، وكل لقاء، وكل نفس… قصيدة من نور ورحمة.

سامح… فالتسامح صفاءٌ للروح، وسكينةٌ للقلب، ونورٌ داخلي يعيد لك سلامك. سامح… ليعيش قلبك بحرية، وروحك بهدوء، وحياتك أقرب للجمال.

بعد أن أنهت الأم كلامها، اقترب منها وضَمَّها كطفلٍ صغير، وكأن قلبه يبتسم لأول مرة منذ زمن، بينما كانت تمسح دموعه بهدوء وتداعب شعر الشيب في رأسه… وكأن الكون كله اختصر في حضنها.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

خلجات الروح وطغيان الألم

أوجاع الإنسان على الأرض ممتدة منذ الولادة وحتى الموت، فالألم النفسي هو القاسم المشترك بين الأحياء، لا وجع ينتهي ولا فرح يدوم، هكذا هي الدنيا؛ يومٌ لك ويومٌ عليك. عند الفقد هناك شيء ما في القلب ينكسر لا يصلحه شيء، لكنه أحيانًا لا يُقال في هيئة كلمات، بل هو زلزال يحرك كل شيء على الأرض.

في أوقات اليوم تفتقد الأصوات التي تحبها، تبحث عنها لكن لا تجدها حاضرة في عالمك الآن، فكل من كان هنا قد رحل، ولن يبقى لك سوى ضجيج ذكراهم وبعض ما تركوه في ذاتك، عندها تتمنى لو أن الزمن يعود بهم ثانية إلى الوراء، لكن محال أن تسمع صوت من ذهبوا إلى خالقهم دون سابق إنذار أو وداع لفراق أبدي.

الإنسان يعرف الموت من أشياء عديدة، فغسان كنفاني يقول: "قد لا يكون الموت بتوقف النبض فقط.. فالانتظار موت، والملل موت، واليأس موت، وانتظار مستقبل مجهول موت". أما الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فيقول في قصيدة تحمل اسم "لا تطرق الباب":

لا تسألِ الدارَ عمّن كان يسكنها

البابُ يخبرُ أن القومَ قد رحلوا

يا طارقَ البابِ رفقًا حين تطرُقه

فإنهُ لم يعُد في الدارِ أصحابُ

تفرّقوا في دروبِ الأرضِ وانتثروا

كأنهُ لم يكنْ أنسٌ وأحبابُ

ارحمْ يديك فما في الدارِ من أحدٍ

لا ترجُ رَدًّا فأهلُ الودِ قد رحلوا

ولترحمِ الدارَ لا توقظْ مواجعَها

للدورِ روحٌ... كما للناسِ أرواحُ

أوجاع القلوب كثيرة، لكن وجع الفقد أكثر الأوجاع إيلامًا وعذابًا للروح والجسد، لذا كان الفقد اختبارًا حقيقيًا لمعنى الصمود النفسي، وأضحى أصعب الاختبارات التي يجتازها الإنسان على وجه الأرض. تذكّر أيها الإنسان أن "الغياب، الفقد، الموت" هي ثلاثية العذاب في قلوب الأحياء، فبموت الأحبة لا نفتقدهم فقط، بل نموت على وقع ذكراهم ملايين المرات، فالحياة من بعدهم لن تكون كما كانت بوجودهم معنا حتى وإن اختلفنا معهم ذات يوم.

الوداع... مشهدٌ صعب تخيله، وأنفاس مشحونة بالألم والمرض والبؤس والشقاء، جميعها تسير بنا دون هدى في طرقات الوداع الأخير. عندما تُجبر على السير بخطى متثاقلة نحو المقابر لتدفن شخصًا كان شيئًا غير عادي في حياتك، شخصًا لن تراه بعد عودتك من وداعه الأخير... تأكد أنه بمجرد عودتك من دفنه ستبدأ قاسيةٌ من رحلة العذاب، سحائبها الحبلى بالوجع سوف تتشكل في سماء حياتك، أما الألم النفسي فهو الحصار الذي لن ينفكّ معقله، بل سيظل جاثومًا مخيفًا يطبق على أنفاسك كل ليلة، حتى وإن سقيته بدموعك عندما تتذكر ما قد مضى.

الأموات لا يعودون إلى الحياة مرة أخرى، هكذا هي سنة الحياة على أرض الله. من غرائب الأقدار والأفكار أننا نتعجّل مرور الزمن، لكن نكتشف لاحقًا بأنه كان ذا قيمة وجمال لم ندركهما إلا بعد أن مضى بمن كنا نعيش على أنفاسهم معنا.

أعجبتني مقولة قرأتها بالأمس، يقول كاتبها: "أصبحت أفهم جيدًا لماذا يجلس البعض لساعات طويلة في أطراف المقاهي بمفردهم... هل هو عزلة من الواقع أم أنه نوع من الاستشفاء من الهموم؟ صمت يشبه ضمادة تُوضع على روح أنهكها الضجيج".

وأردف الكاتب شيئًا آخر بقوله: "في علم النفس، العزلة الهادئة ليست هروبًا كما يظن البعض، بل وسيلة طبيعية لاستعادة التوازن العصبي وتنظيم العواطف. إنها لحظة يعود فيها الإنسان إلى ذاته ليسمع صوته الداخلي بوضوح بعد طول ضوضاء".

مقالات مشابهة

  • توقعات الأبراج حظك اليوم برج السرطان: قلبك مستعد للبوح بمشاعره
  • ربنا يسعد قلبك.. أحمد زاهر يهنئ أروى جودة بزواجها
  • برج الميزان حظك اليوم السبت 29 نوفمبر 2025.. انسحابك اليوم ليس ضعفا بل حكمة تحمي قلبك
  • خلجات الروح وطغيان الألم
  • صفاء الطوخي تتألق وتخطف الأنظار في "ورد وشوكولاتة"
  • سامح الصريطي: النجم ليس ممثلا عاديا
  • أكبر جمعية عمومية في تاريخ النادي.. انطلاق انتخابات نادي سموحة
  • الجيش ينشر فيديوهات من الجلسة الحوارية التي جرت بين العماد هيكل وطلاب جامعة الروح القدس
  • مباراة استعراضية بين عبد الرحمن سامح بطل العالم في الشطرنج و40 لاعبًا في آنٍ واحد