د. إبراهيم بن سالم السيابي
جاءها الولد مُثقلًا بالغضب، وأحسّت به في قلبها دون أن تسأله عن ما يثقل صدره.
بادرت قائلة: «تعرف يا بُني ما هو صفاء الروح؟».. صفاء الروح يا ولدي… هو التسامح وهدوء القلب؛ فسامح من أخطأ بلا قصد، ومن تعثّر وهو يحاول، ومن ابتعد لأنه لم يجد طريقًا للبقاء. سامح حتى من خذلك، أو من كان يومًا نبضك.
سامح نفسك على لحظات ضعفك، على كلمة خرجت منك بلا وعي، وعلى خطوة أقدمت عليها قبل أن تكتمل الرؤية.
سامحها… فالقلب الذي يرفض الغضب يعيش أطول، أهدأ، وأقرب للسكينة.
سامح أخطاءك، فكل خطأ يحمل درسًا، وكل سقوط يعلّمك أن تنهض أقوى، أكثر حكمة، وأكثر رحمة.
وتجاوز عمّن أساء إليك، ليس لتبريرهم، ولا لتقليل حجم خطئهم، بل لتخفيف ثقل الغضب في قلبك، ولتهدئة روحك قبل أن تهدأ أرواحهم. واصفح عمّن صدمك غيابه، أو صدمك وفاؤه، أو لم يكن يومًا على قدر ما تمنيت.
سامح من جرحك بكلمة، أو بفعل، أو بغياب. سامح… لتعيش أنت حرًا، قبل أن تجعلهم أحرارًا.
سامح الحياة على ما أخذته منك بلا استئذان، وعلى ما لم تُنجزه رغم كل محاولاتك، وعلى الأماني التي مرّت أمامك ثم غابت كأنها لم تكن. سامحها… فالحياة لا تعتذر، لكنها تفتح أبوابًا لمن يترك قلبه مفتوحًا. وسامح الصعاب، فهي من صنعتك، ومن علمتك معنى القوة، والصبر، والأمل. وسامح الوقت على لحظاته الضائعة، وعلى أيامه التي حملت الانتظار، وعلى لياليه التي مرّت بلا خبر.
سامح… فالتسامح قوة، لا ضعف، ونعمة، لا مجرد فعل نبيل. فأنت حين تسامح، تنقّي قلبك من الغضب، وتمنح نفسك حرية أن تنبض بلا أثقال، وتستعيد القدرة على الحب، على العطاء، على الحياة. التسامح ليس كلمة فقط… إنه فعل في غاية الجمال، قرار شجاع، وسكون داخلي يسبق كل فعل.
سامح… وابدأ من داخلك: سامح قلبك، أفكارك، ضعفك، أخطاءك، وخوفك. ثم سامح من حولك، دون انتظار اعتذار، ودون الحاجة لتقدير. وسامح الحياة بكل ألوانها، الظلام قبل النور، الحزن قبل الفرح، والفقد قبل اللقاء.
فنحن العمانيين تعلّمنا أن التسامح ليس شعارًا، ولا خُلقًا نُظهره حين نشاء، بل هو طبع يسكن بيوتنا وقلوبنا، وموروث يجري في الأرواح قبل المآذن.
لكن لكل شيء حد؛ فالتسامح لا يعني التفريط في الدين، ولا التخلي عن الأخلاق والقيم، ولا المساس بالوطن. ولا يلغي حدود الحق، ولا يطفئ صوت العدل، ولا يجعل الوطن مساحة مباحة للعبث.
سامح… لتخفّ عنك ثقل الأيام، ويهدأ قلبك، وتشرق روحك، وتستعيد القدرة على الحب والعطاء والسكينة. سامح… لتكون حياتك رسالة لا مجرد كلمات، وليكون نبض قلبك دليلًا لا مجرد تعليمات. سامح… فحين تفعل ذلك، فأنت الأقوى، أنت الأفضل، أنت الأجمل.
سامح… لتجد في كل يوم فرصة، وفي كل لقاء متعة، وفي كل قلب فرحة؛ لتزرع نورًا، لتزرع حبًا، لتزرع أملًا؛ فالمسامحة ليست نسيانًا، ولا ضعفًا، ولا مجرد فعل نبيل… إنها قوة القلب، وحرية الروح، ونور يسكن الداخل قبل الخارج.
سامح… فليس من يكسب شيئًا من حمل الأثقال، لكن الجميع يربح حين يتركها، حين يحرر قلبه من أثقال الغضب والمرارة، ويُفسح للضوء طريقًا إلى داخله.
سامح… لتبقى الحياة أكثر جمالًا، وتبقى الأرواح أكثر نقاءً، وتبقى القلوب أخفّ وأكثر رحمة. سامح… واحتفظ بحياتك، بابتسامتك، بنورك، بروحك، حتى لو لم يعتذر أحد، حتى لو لم يُقرّ أحد بخطئه.
سامح… فالحياة رحلة قصيرة، فدع قلبك يزهر، ولروحك أن تطير، ولحياتك أن تنبض بالصفاء، حتى تصبح كل خطوة، وكل لقاء، وكل نفس… قصيدة من نور ورحمة.
سامح… فالتسامح صفاءٌ للروح، وسكينةٌ للقلب، ونورٌ داخلي يعيد لك سلامك. سامح… ليعيش قلبك بحرية، وروحك بهدوء، وحياتك أقرب للجمال.
بعد أن أنهت الأم كلامها، اقترب منها وضَمَّها كطفلٍ صغير، وكأن قلبه يبتسم لأول مرة منذ زمن، بينما كانت تمسح دموعه بهدوء وتداعب شعر الشيب في رأسه… وكأن الكون كله اختصر في حضنها.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الروح القدس يحل على الرسل.. الكنيسة تحتفل بأحد أهم أعيادها السيدية
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم، بعيد البنديكوستي العظيم، أو عيد حلول الروح القدس، أحد أهم الأعياد السيدية الكبرى، والذي يوافق مرور خمسين يومًا على قيامة السيد المسيح من بين الأموات.
عيد حلول الروح القدسويُحيي هذا العيد ذكرى حلول الروح القدس على التلاميذ والرسل القديسين في علية صهيون، بعد عشرة أيام من صعود السيد المسيح إلى السماء.
وقال السنكسار الكنسي الذي يدون سير الآباء الشهداء والقديسين، كان المسيح قد أوصى تلاميذه قبل صعوده ألا يبرحوا أورشليم حتى ينالوا موعد الآب، وهو حلول الروح القدس عليهم.
وبحسب التقليد الكنسي، حل الروح القدس على التلاميذ في هيئة ألسنة من نار، فامتلأوا من النعمة والمواهب الإلهية، ونالوا قوة روحية عظيمة مكنتهم من الكرازة بالإنجيل في مختلف أنحاء العالم.
وتابع السنكسار: كما أزال عنهم الخوف ومنحهم الحكمة والشجاعة ليشهدوا للمسيح أمام الشعوب والأمم.
ويُعد عيد البنديكوستي بداية انطلاق رسالة الكنيسة إلى العالم، حيث استطاع الرسل، رغم بساطة حياتهم وإمكاناتهم المحدودة، أن ينشروا بشارة الخلاص في أرجاء المسكونة، مؤسسين كنيسة حية امتدت عبر الأجيال، بقوة عمل الروح القدس الذي قادهم وثبّتهم في خدمتهم.
جدير بالذكر أن كتاب السنكسار يحوي سير القديسين والشهداء وتذكارات الأعياد، وأيام الصوم، مرتبة حسب أيام السنة، ويُقرأ منه في الصلوات اليومية.
ويستخدم السنكسار ثلاثة عشر شهرًا، وكل شهر فيها 30 يومًا، والشهر الأخير المكمل هو نسيء يُطلق عليه الشهر الصغير، والتقويم القبطي هو تقويم نجمي يتبع دورة نجم الشعري اليمانية التي تبدأ من يوم 12 سبتمبر.
والسنكسار بحسب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مثله مثل الكتاب المقدس لا يخفي عيوب البعض، ويذكر ضعفات أو خطايا البعض الآخر، وذلك بهدف معرفة حروب الشيطان، وكيفية الانتصار عليها، ولأخذ العبرة والمثل من الحوادث السابقة على مدى التاريخ.