التقاعد بعد 30 عامًا… خطوة إنقاذ قبل فوات الأوان
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
حمود بن سعيد البطاشي
مع تنامي التحديات الاقتصادية في سلطنة عُمان، وارتفاع أعداد الباحثين عن عمل ونسبة المُسرَّحين في القطاع الخاص، تعود إلى الواجهة قضية بالغة الأهمية، وهي: ضرورة إعادة النظر في بقاء الموظف الحكومي في عمله بعد تجاوزه 30 عامًا من الخدمة.
هذه القضية ليست مطلبًا اجتماعيًا عابرًا؛ بل أصبحت اليوم ركيزة أساسية في النقاشات المرتبطة بسوق العمل، والاستقرار الأسري، ورؤية "عُمان 2040".
المؤسسات الحكومية، بطبيعتها، مسؤولة عن تحقيق التوازن بين كفاءة الأداء وبين فتح المجال أمام الأجيال الجديدة. ومع ذلك، فإنَّ واقع الحال يكشف عن تراكمات ممتدة لعقود، أغلقت الباب أمام آلاف الشباب الطامحين لبدء مسارهم الوظيفي. وفي مقابل هذا الانسداد، يتابع المجتمع قصصًا مؤلمة تتكرر يوميًا في بيوت الباحثين عن عمل وأسر المسرّحين؛ قصصًا تمسّ لقمة العيش، والاستقرار النفسي، وقدرة الإنسان على مواجهة متطلبات الحياة.
3 عقود من الخدمة… هل تكفي؟
من منظور إداري وتنظيمي، تُعد مدة 30 عامًا زمنًا كافيًا لإتمام دورة العمل الوظيفي؛ فخلال هذه السنوات يصل الموظف عادة إلى ذروة خبرته، ويكون قد قدّم ما يكفي من العطاء، وحقق أعلى الترقيات الممكنة، واستفاد من تجارب طويلة في خدمة المؤسسة والدولة.
لكن استمرار بقائه لما بعد هذه المدة- رغم تقديرنا واعتزازنا بكل من خدم الوطن بإخلاص- يخلق حالة من الجمود الوظيفي؛ إذ تُغلق المناصب القيادية والمتوسطة، وتتراكم سنوات الانتظار أمام الشباب الذين يحملون مؤهلات وشهادات حديثة، ويملكون طاقة وقدرة على الابتكار والإنتاج السريع، ويبحثون عن فرصة واحدة فقط لفتح أبواب المستقبل.
ولم تعد البطالة أو التسريح أخبارًا اقتصادية تقرأ في صفحات الجرائد أو مواقع الإنترنت والمنصات؛ بل أصبحت واقعًا مؤلمًا في كثير من البيوت؛ فهناك أبٌ فقد وظيفته في لحظة، وشاب ينتظر منذ سنوات دون بارقة أمل، وأمٌ تحتضن أبناءها وهي قلقة من مستقبلهم، وشهادات جامعية تتراكم دون استخدام. لقد انتقلت الأزمة من كونها مسألة معيشية إلى قضية تمسّ الأمن الاجتماعي.
وحين يفقد الشاب مصدر دخله، أو يعجز عن بدء حياته المهنية، تتأثر الأسرة بأكملها: نفسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا. وفي مجتمع يقوم على التكافل مثل المجتمع العُماني، تصبح كل قصة من هذه القصص مسؤولية عامة تتطلب حلولًا عملية.
غياب الإحلال الوظيفي.. أصل المشكلة
الإحلال الوظيفي مبدأ إداري معمول به عالميًا، ويهدف إلى ضمان تدفق مستمر للخبرات الجديدة داخل المؤسسات. لكن غياب تطبيق هذا المبدأ بشكل فعال خلال السنوات الماضية جعل نظام الخدمة الحكومية أقل مرونة في استيعاب التحديات.
وليس من المنطقي أن تنتظر الدولة استيعاب الباحثين عن عمل بينما تستمر الوظائف مشغولة بنفس الكوادر منذ أكثر من ثلاثة عقود. الإحلال ليس انتقاصًا من قدر الموظف المخضرم، بل هو عملية تنظيمية تحفظ للمؤسسات ديناميكيتها، وتحمي السوق من الاختناق.
والتقاعد الإجباري بعد 30 عامًا لا يعني التخلي عن الموظف؛ بل إعادة توجيه دوره بطريقة تحفظ كرامته وتحقق منفعة وطنية. فمن يحصل على حقوقه القانونية الكاملة يمكنه: بدء مشروع صغير، أو العمل في الاستشارات والتدريب، أو استثمار خبرته في القطاع الخاص، أو الانخراط في مبادرات تنموية ومجتمعية.
وبهذا يتحوّل التقاعد من عبء إلى حلقة جديدة في سلسلة التنمية. في المقابل، فإن الإبقاء على العدد نفسه من الموظفين داخل المؤسسات الحكومية يرفع من تكاليف الرواتب، ويقلل فرص توظيف الشباب، ويؤثر مباشرة على حركة الاقتصاد المحلي.
من الناحية القانونية، يمكن تنظيم عملية التقاعد الإجباري من خلال:
1. تحديد حد أقصى للخدمة بـ30 عامًا عبر نص تشريعي واضح.
2. ضمان حقوق الموظف كاملة وفق قانون معاشات ما بعد الخدمة.
3. إقرار فترة انتقالية تدريجية لتطبيق النظام دون إرباك.
4. تطبيق القرار على جميع الجهات الحكومية بصورة شاملة منعًا لعدم العدالة.
5. ربط القرار ببرنامج وطني للإحلال وتوظيف الشباب وفق أولويات مدروسة.
بهذا الإطار يصبح التقاعد الإجباري ممارسة تنظيمية لا تمس حقوق الموظفين، وإنما تعيد تنظيم سوق العمل بما ينسجم مع التحديات الاقتصادية الراهنة.
إنَّ التحديات التي نراها اليوم في بيوت الباحثين عن عمل والمسرّحين ليست هامشية ولا قابلة للتأجيل. إنها أزمة تتطلب قرارًا شجاعًا يعيد التوازن لسوق العمل، ويحمي الأسر من مزيد من الضغوط، ويفتح أبواب الأمل للشباب الذين ينتظرون فرصتهم منذ سنوات.
التقاعد بعد 30 عامًا من الخدمة ليس إقصاءً لأحد؛ بل خطوة إنقاذ وطنية تعيد الحياة للدورة الوظيفية، وتُنعش الاقتصاد، وتضمن استدامة التنمية. فالوطن يسع الجميع، فقط حين تتحرك عجلة الفرص بعدالة واتزان.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
كاسيميرو يعلّق على نيمار: “ليس استثناءً.. ويجب التعامل معه خطوة بخطوة”
أكد لاعب خط وسط المنتخب البرازيلي كاسيميرو أن زميله في المنتخب نيمار دا سيلفا لا يجب أن يُعامل بطريقة مختلفة عن باقي اللاعبين داخل المنتخب، مشددًا على أهمية التركيز على مرحلة التعافي قبل العودة للمنافسة.
وجاءت تصريحات كاسيميرو خلال مؤتمر صحفي، حيث أبدى انزعاجه من تكرار الحديث الإعلامي عن نيمار في كل مناسبة، قائلًا: “في كل مرة نحضر فيها مؤتمرًا صحفيًا، يجب أن نتحدث عن نيمار، نيمار، نيمار”.
وأضاف لاعب الوسط البرازيلي أن نيمار، رغم قيمته الكبيرة، يظل جزءًا من منظومة الفريق وليس حالة خاصة، موضحًا: “أعتقد أن نيمار لاعب مثل أي لاعب آخر داخل المجموعة، هو أحد العناصر المهمة من بين 26 لاعبًا”.
وأشار كاسيميرو إلى الوضع الحالي لنيمار، الذي يمر بمرحلة التعافي من إصابة، مؤكدًا ضرورة منحه الوقت الكافي للعودة بشكل تدريجي دون استعجال.
وتابع: “هو لاعب يتعافى حاليًا من إصابة، ويركز على العودة إلى التدريبات أولًا، لذلك يجب أن تكون الأمور خطوة بخطوة: أولًا استعادة الصحة الكاملة، ثم التفكير في العودة ليكون لاعبًا مؤثرًا داخل الفريق”.
وتعكس تصريحات كاسيميرو رؤية الجهاز واللاعبين داخل المنتخب البرازيلي بشأن إدارة الحالة البدنية لنيمار، خصوصًا في ظل تكرار الإصابات التي أثرت على مسيرته في السنوات الأخيرة، سواء مع الأندية أو المنتخب.
ويُعد نيمار أحد أبرز نجوم الكرة البرازيلية في العقد الأخير، إلا أن الإصابات المتكررة قلصت من مشاركاته في فترات مهمة، ما يجعل ملف عودته للجاهزية الكاملة محل متابعة كبيرة من وسائل الإعلام والجماهير.
وتسعى البرازيل إلى تجهيز جميع عناصرها الأساسية بأفضل شكل ممكن قبل الاستحقاقات الدولية المقبلة، في ظل تطلعات كبيرة للعودة إلى منصات التتويج العالمية، مع الاعتماد على مزيج من الخبرة والشباب داخل القائمة.