حمود بن سعيد البطاشي

 

مع تنامي التحديات الاقتصادية في سلطنة عُمان، وارتفاع أعداد الباحثين عن عمل ونسبة المُسرَّحين في القطاع الخاص، تعود إلى الواجهة قضية بالغة الأهمية، وهي: ضرورة إعادة النظر في بقاء الموظف الحكومي في عمله بعد تجاوزه 30 عامًا من الخدمة.

هذه القضية ليست مطلبًا اجتماعيًا عابرًا؛ بل أصبحت اليوم ركيزة أساسية في النقاشات المرتبطة بسوق العمل، والاستقرار الأسري، ورؤية "عُمان 2040".

المؤسسات الحكومية، بطبيعتها، مسؤولة عن تحقيق التوازن بين كفاءة الأداء وبين فتح المجال أمام الأجيال الجديدة. ومع ذلك، فإنَّ واقع الحال يكشف عن تراكمات ممتدة لعقود، أغلقت الباب أمام آلاف الشباب الطامحين لبدء مسارهم الوظيفي. وفي مقابل هذا الانسداد، يتابع المجتمع قصصًا مؤلمة تتكرر يوميًا في بيوت الباحثين عن عمل وأسر المسرّحين؛ قصصًا تمسّ لقمة العيش، والاستقرار النفسي، وقدرة الإنسان على مواجهة متطلبات الحياة.

3 عقود من الخدمة… هل تكفي؟

من منظور إداري وتنظيمي، تُعد مدة 30 عامًا زمنًا كافيًا لإتمام دورة العمل الوظيفي؛ فخلال هذه السنوات يصل الموظف عادة إلى ذروة خبرته، ويكون قد قدّم ما يكفي من العطاء، وحقق أعلى الترقيات الممكنة، واستفاد من تجارب طويلة في خدمة المؤسسة والدولة.

لكن استمرار بقائه لما بعد هذه المدة- رغم تقديرنا واعتزازنا بكل من خدم الوطن بإخلاص- يخلق حالة من الجمود الوظيفي؛ إذ تُغلق المناصب القيادية والمتوسطة، وتتراكم سنوات الانتظار أمام الشباب الذين يحملون مؤهلات وشهادات حديثة، ويملكون طاقة وقدرة على الابتكار والإنتاج السريع، ويبحثون عن فرصة واحدة فقط لفتح أبواب المستقبل.

ولم تعد البطالة أو التسريح أخبارًا اقتصادية تقرأ في صفحات الجرائد أو مواقع الإنترنت والمنصات؛ بل أصبحت واقعًا مؤلمًا في كثير من البيوت؛ فهناك أبٌ فقد وظيفته في لحظة، وشاب ينتظر منذ سنوات دون بارقة أمل، وأمٌ تحتضن أبناءها وهي قلقة من مستقبلهم، وشهادات جامعية تتراكم دون استخدام. لقد انتقلت الأزمة من كونها مسألة معيشية إلى قضية تمسّ الأمن الاجتماعي.

وحين يفقد الشاب مصدر دخله، أو يعجز عن بدء حياته المهنية، تتأثر الأسرة بأكملها: نفسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا. وفي مجتمع يقوم على التكافل مثل المجتمع العُماني، تصبح كل قصة من هذه القصص مسؤولية عامة تتطلب حلولًا عملية.

غياب الإحلال الوظيفي.. أصل المشكلة

الإحلال الوظيفي مبدأ إداري معمول به عالميًا، ويهدف إلى ضمان تدفق مستمر للخبرات الجديدة داخل المؤسسات. لكن غياب تطبيق هذا المبدأ بشكل فعال خلال السنوات الماضية جعل نظام الخدمة الحكومية أقل مرونة في استيعاب التحديات.

وليس من المنطقي أن تنتظر الدولة استيعاب الباحثين عن عمل بينما تستمر الوظائف مشغولة بنفس الكوادر منذ أكثر من ثلاثة عقود. الإحلال ليس انتقاصًا من قدر الموظف المخضرم، بل هو عملية تنظيمية تحفظ للمؤسسات ديناميكيتها، وتحمي السوق من الاختناق.

والتقاعد الإجباري بعد 30 عامًا لا يعني التخلي عن الموظف؛ بل إعادة توجيه دوره بطريقة تحفظ كرامته وتحقق منفعة وطنية. فمن يحصل على حقوقه القانونية الكاملة يمكنه: بدء مشروع صغير، أو العمل في الاستشارات والتدريب، أو استثمار خبرته في القطاع الخاص، أو الانخراط في مبادرات تنموية ومجتمعية.

وبهذا يتحوّل التقاعد من عبء إلى حلقة جديدة في سلسلة التنمية. في المقابل، فإن الإبقاء على العدد نفسه من الموظفين داخل المؤسسات الحكومية يرفع من تكاليف الرواتب، ويقلل فرص توظيف الشباب، ويؤثر مباشرة على حركة الاقتصاد المحلي.

من الناحية القانونية، يمكن تنظيم عملية التقاعد الإجباري من خلال:

1. تحديد حد أقصى للخدمة بـ30 عامًا عبر نص تشريعي واضح.

2. ضمان حقوق الموظف كاملة وفق قانون معاشات ما بعد الخدمة.

3. إقرار فترة انتقالية تدريجية لتطبيق النظام دون إرباك.

4. تطبيق القرار على جميع الجهات الحكومية بصورة شاملة منعًا لعدم العدالة.

5. ربط القرار ببرنامج وطني للإحلال وتوظيف الشباب وفق أولويات مدروسة.

بهذا الإطار يصبح التقاعد الإجباري ممارسة تنظيمية لا تمس حقوق الموظفين، وإنما تعيد تنظيم سوق العمل بما ينسجم مع التحديات الاقتصادية الراهنة.

إنَّ التحديات التي نراها اليوم في بيوت الباحثين عن عمل والمسرّحين ليست هامشية ولا قابلة للتأجيل. إنها أزمة تتطلب قرارًا شجاعًا يعيد التوازن لسوق العمل، ويحمي الأسر من مزيد من الضغوط، ويفتح أبواب الأمل للشباب الذين ينتظرون فرصتهم منذ سنوات.

التقاعد بعد 30 عامًا من الخدمة ليس إقصاءً لأحد؛ بل خطوة إنقاذ وطنية تعيد الحياة للدورة الوظيفية، وتُنعش الاقتصاد، وتضمن استدامة التنمية. فالوطن يسع الجميع، فقط حين تتحرك عجلة الفرص بعدالة واتزان.

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

وزير الاتصالات: ديجيتوبيا خطوة نحو بناء مصر الرقمية والشباب هم قادة المستقبل بعلمهم وعملهم

أكد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن مسابقة "ديجيتوبيا" ليست مجرد منافسة تقنية، بل هي خطوة استراتيجية نحو بناء مجتمع رقمي واعٍ ومبتكر. وأوضح أن اسم المسابقة المستوحى من دمج كلمتي "ديجيتال" (رقمي) و"يوتوبيا" (المدينة الفاضلة) يعكس رؤية الدولة لبناء "مصر الرقمية" كنموذج للمجتمع المتقدم الذي يعتمد على التكنولوجيا لتحقيق الرفاهية والعدالة.

جاء ذلك خلال كلمته في الحفل الختامي للمسابقة، حيث أشاد بمستوى المشروعات التي قدمها الشباب في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفنون الرقمية، معتبراً أن هذه المجالات الثلاثة تمثل ركائز أساسية للاقتصاد الرقمي الحديث.


واستعرض الوزير في كلمته أمثلة تاريخية ملهمة تؤكد أن كل إنجاز عظيم بدأ بحلم، مشيراً إلى "إمحوتب" الذي حلم ببناء الهرم، و"عباس بن فرناس" الذي حلم بالطيران، و"نيكولا تسلا" الذي تنبأ بالروبوتات. وقال موجهاً حديثه للشباب: "أنتم اليوم تحلمون، وغداً ستحققون هذه الأحلام بالعلم والعمل، تماماً كما فعل هؤلاء الرواد".
وشدد الدكتور عمرو طلعت على أن الفوز الحقيقي في "ديجيتوبيا" ليس الحصول على المراكز الأولى فحسب، بل يكمن في اكتساب ثقافة "التعلم المستمر" والقدرة على العمل الجماعي وتبادل الخبرات. 

وأضاف: "كل من شارك في هذه المسابقة هو فائز، لأنه اكتسب مهارات جديدة وصقل موهبته، وأصبح أكثر جاهزية لمواجهة تحديات سوق العمل المستقبلي".


وفي ختام كلمته، وجه وزير الاتصالات تحية خاصة لأولياء الأمور الذين آمنوا بمواهب أبنائهم وقدموا لهم الدعم اللازم للمشاركة في هذه الرحلة التعليمية، مؤكداً أن الأسرة هي الحاضنة الأولى للمبدعين. كما شكر فريق العمل والشركاء من القطاع الخاص على جهودهم في إنجاح هذه المبادرة الوطنية.

مقالات مشابهة

  • وزير الاتصالات: ديجيتوبيا خطوة نحو بناء مصر الرقمية والشباب هم قادة المستقبل بعلمهم وعملهم
  • بعد توثيق عقد الموظف السعودي هل يتم تسجيله آلياً كمشترك في التأمينات؟
  • التقاعد المصغّر.. ثورة شبابية لكسر روتين العمل المستمر
  • 60 يوما للفصل في تظلمات الموظفين بالجهاز الإداري وفقا للقانون
  • كيف يطعن الموظف على عقوبات العمل؟
  • قبل فوات الأوان.. هل يمنح كلوب ليفربول صفقتي الإنقاذ؟
  • وزير العمل بحث ملفات التقاعد والعمالة الأجنبية وأعلن تفعيل الخط الساخن
  • ماكرون يطلق خدمة عسكرية تطوعية للشباب الفرنسي.. ما تفاصيل البرنامج الجديد؟
  • الرئيس الفرنسي يعلن إطلاق الخدمة العسكرية التطوعية اعتبارا من 2026