العالم الافتراضي و"جيل ألفا"!
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
د. محمد بن عوض المشيخي **
يبدو العالم من خلال العالم الرقمي مختلفًا في الألفية الحالية، بما تحمله هذه الكلمة من معنى، فقد تغيَّرت نظرة جيل الشبكات الاجتماعية لمن حولهم في هذا الكوكب، ولعل إبداعات "جيل ألفا" (مواليد 2010 وحتى اليوم) من أهم التحولات التي شهدها المجتمع الدولي من أقصاه إلى أقصاه، لكونه تمكن من استخدام التقنيات الحديثة ووظفها في مجالات متعددة كالعمل والترابط مع العالم الخارجي، والأهم من ذلك كله استقلالية هذه الأجيال التي رأت النور في مطلع الألفية الثالثة والتي يُطلَق عليها "المواطن الرقمي"، الذي يؤمن بالعديد من القيم كاحترام الغير والمساواة وحبهم الشديد للبيئة والمحافظة عليها والرغبة في أن يتولوا مسؤوليات أنفسهم بعيدًا عن الأجيال الأخرى.
يتميز هذا الجيل كذلك بروح الريادة في مجال الأعمال التي تتميز بالإبداع وقدرتهم على التكيف ومواجهة التحديات بشجاعة والصمود بكل صبر. وهكذا تتعاقب الأجيال الرقمية في المنصات التي أصبحت المصدر الأساسي للمعلومات في هذا العصر وعلى وجه الخصوص جيل "ألفا" الذي تزامن وصوله إلى هذا العالم مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي مثل إنستجرام والأجهزة اللوحية التي سهّلت الولوج إلى هذه المنصات، مثل: الآي باد والهواتف الذكية بكل أنواعها. إنه جيل التكنولوجيا بلا منازع؛ لأنه يمضي ساعات طويلة مُنغمِسًا في الشاشات وعالم التقنية؛ إذ وصل به الأمر إلى الاندماج والارتباط الكامل في السلوك وفهمه لمن حوله وتفسيره للعوالم المختلفة من خلال مصدرين أساسيين لا ثالث لهما؛ هما: التوجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي والاطلاع على مضامينها عن قرب والتي يمكن أن ينظر إليها من عدة جوانب؛ فهناك الغث والسمين في ما يبث وينشر بين المتلقين عبر هذا الكوكب. بينما يتمثل المصدر الثاني في المكتبات الرقمية المُزوَّدة بالذكاء الصناعي والتي تُخزِّن المعلومات من مختلف المصادر الإعلامية.
تمتد سنوات جيل ألفا من 2010 إلى اليوم، ويطغى على هؤلاء الشباب ما يعرف بالجيل الرابع ثم الجيل الخامس والسادس، فهُم في عُمر الشباب من التكنولوجيا، وما ارتبط بها من خصائص وأسرار جعلت من هؤلاء يتميزون عن جيلي "واي Y" و"زد Z"؛ لكون جيل "واي Y" (الذي ولد تقريبًا بين عامي 1980 و1994) هم الذين يتولون زمام الأمور واتخاذ القرارات في معظم دول العالم في الوقت الحالي، ذلك لكونهم بدأوا تعرفهم على الإنترنت والبريد الإلكتروني والمدونات والتطبيقات الرقمية المتعددة التي يمكن استخدامها في عملية التعليم والتعلُّم في العقدين الأخرين من القرن العشرين، وكان استخدامهم للأجهزة الإلكترونية وشبكات الإنترنت على وجه الخصوص في العمل وليس في المنزل. بينما يتميز جيل زد (الذين ولدوا تقريبًا بين عامي 1997 و2012) عن غيره بأنه يرفض بشكل قاطع تصديق المعلومات التي تعرضها وسائل الإعلام، وكذلك المراجع التقليدية في المحيط الاجتماعي كالآباء والشيوخ والمدرسين. وهنا تكمن الخطورة؛ فحروب اليوم أصبحت ذات طابع رقمي تستهدف الشباب وتوجيههم حتى ضد أوطانهم في كثير من الأحيان. وهذا الجيل له توجهات عالمية وليس محلية؛ لكون العالم أصبح قرية صغيرة؛ بل ربما يمكن تشبيه بالمنزل الصغير؛ فالتغريدة أو المقطع الصوتي أو حتى الصورة تسافر وتعبر العالم المترامي الأطراف بلا رقيب.
صحيحٌ أن هناك تدفقًا غير مسبوق من مصادر المعلومات التي أغرقت هذه الأجيال الرقمية، وأصبحت التحديات الكبرى التي تواجه جيل "ألفا" بالتحديد، تتمثل في صعوبة التحليل والتفسير الدقيق لما يتم تداوله في المنصات الرقمية، ما يؤكد الحاجة إلى غربلة المعلومات واختيار المناسب منها، والتي باتت واحدة من أهم استراتيجيات هذه الأيام لكي لا نقع في المحظور.
لا شك أن العالم الرقمي وتداعياته قد ألقى بظلاله على المجتمع العُماني، وأصبح جزءًا مهمًا من حياة الاجيال الرقمية المتعاقبة في السلطنة؛ إذ كشفت إحدى الدراسات العلمية أن الوقت الذي يقضيه العُمانيون على وسائل التواصل الاجتماعي مرتفعًا للغاية؛ مما يدل على اندماج هذه المنصات بشكل عميق في الحياة اليومية لأفراد المجتمع وخاصة الشباب. وأشار استطلاع للرأي في عام 2019 إلى أن متوسط الاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي يبلغ 6 ساعات، وهذا يكشف لنا الخطر الذي كشفته نتيجة الاستطلاع، وهو أن هذا المتوسط يزيد بأكثر من الضعف عن المتوسط العالمي البالغ ساعتين و21 دقيقة في اليوم!
ويمكن فهم هذا الارتفاع في الساعات إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا مركزيًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعُمانيين مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
وفي الختام.. من الأمور الإيجابية التي تميَّز بها العُمانيون في هذا الفضاء الرقمي عن غيرهم، إدراكهم للأخبار المُضلِّلة، فهم يتميزون ويدركون مخاطر الأخبار المُضلِّلة، ويتميزون بنمط استهلاك إخباري انتقائي، وهذا ما يُفسِّر كيف يمكن أن يكون التفاعل مع الحسابات الحكومية مرتفعًا للغاية (92%)، بينما تكون الثقة العامة في الأخبار من المنصات منخفضة (36%)، على الرغم بأن معظم المسؤولين والوزراء في السلطنة قليلي استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في نشر أخبار وزارتهم وإنجازات السلطنة المختلفة.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العالم والاتصال الجماهيري
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
جمعية "مغرب المواطنة الرقمية" تنشر وثيقتها المرجعية مؤكدة استقلالها عن أي توجه سياسي
أعلنت جمعية « مغرب المواطنة الرقمية » التي يرأسها سليمان العمراني البرلماني السابق عن نشر وثيقتها المرجعية التي تؤكد على استقلاليتها ومنهج عملها. يأتي ذلك بعد مرور ستة أشهر على تأسيسها، الذي تم يوم 24 يناير 2026 بالرباط، مؤكدة أن هذه المحطة تمثل بداية لترسيخ مشروع مدني يهدف إلى مواكبة التحول الرقمي بالمغرب وتعزيز قيم المواطنة الرقمية.
وأوضحت الجمعية، في بلاغ أن تأسيسها جاء بعد مسار من الإعداد شاركت فيه عشرات الكفاءات والخبراء من أساتذة جامعيين ودكاترة باحثين ومهندسين ومحامين وأطباء وصيادلة وفاعلين إعلاميين وأطر إدارية وطلبة جامعيين، اجتمعوا حول رؤية مشتركة لتعزيز الثقافة الرقمية وخدمة الصالح العام.
وبحسب الوثيقة التأسيسية، ترتكز هوية الجمعية على عدد من المبادئ، في مقدمتها خدمة المصلحة العليا للوطن والمواطنين، والاستقلالية التامة عن أي توجيه سياسي أو نقابي، واعتماد العمل التطوعي ونكران الذات أساساً للانخراط والعمل داخلها.
وتحدد الورقة التأسيسية أربعة أهداف استراتيجية تؤطر عمل الجمعية، تتمثل في بناء الثقافة والمواطنة الرقمية وترسيخ الثقة الرقمية، والتأهيل والإدماج الرقميين لفائدة المواطنين، ودعم التحول الرقمي للمؤسسات، والانفتاح على التجارب الدولية المقارنة.
كما تشخص الوثيقة عدداً من التحديات التي تواجه مسار التحول الرقمي بالمغرب، من بينها ضعف التأهيل الرقمي للمجتمع، وعدم كفاية الجهد العمومي لتعبئة المواطنين للانخراط في التحول الرقمي، إضافة إلى محدودية جودة وتسويق الخدمات العمومية الرقمية وضعف استعمالها من قبل المواطنين، معتبرة أن نجاح السياسات الرقمية يظل رهيناً ببناء الثقة وتعزيز قابلية الاستعمال والتمكن من التكنولوجيا.
وخلال الأشهر الستة الماضية، انصب عمل المكتب التنفيذي على استكمال البناء المؤسساتي للجمعية، من خلال اعتماد القانون الأساسي والنظام الداخلي وميثاق المنخرطين، فضلاً عن إرساء الهوية البصرية والسياسة الإعلامية والنظام المعلوماتي للجمعية.
وعلى مستوى الأنشطة العمومية، نظمت الجمعية لقاءين افتراضيين تناول الأول موضوع « صمود الاتصالات » (Résilience Télécom)، فيما خصص الثاني لاستعراض التجربة الرقمية الإستونية باعتبارها إحدى التجارب الدولية الرائدة في مجال التحول الرقمي.
وتنص الوثيقة التأسيسية كذلك على اعتماد الجمعية خمس آليات رئيسية في عملها، تشمل التأطير الميداني، والتأطير الإعلامي، وإنتاج الدراسات والأبحاث، وإبرام الشراكات، والتسويق والتواصل، إلى جانب إنجاز دراسات لتقييم السياسات الرقمية، وتطوير مؤشرات وطنية لقياس جودة الخدمات الرقمية، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في مواكبة التحول الرقمي.
وأعلنت جمعية « مغرب المواطنة الرقمية » نشر وثيقتها التأسيسية بثلاث لغات، بهدف التعريف بمشروعها المجتمعي وتوسيع النقاش العمومي حول رهانات المواطنة الرقمية، معربة عن أملها في أن يسهم ذلك في الارتقاء بالفعل الجمعوي وتعزيز مسار التحول الرقمي بالمغرب.