جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:54:09 GMT

التراث وآفاق الاقتصاد

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

التراث وآفاق الاقتصاد

 

 

 

حمد الصبحي

في عُمان؛ حيث تتنفس الصحراء اتساعًا، وتتماوج كثبانها كأنها أبياتٌ من قصيدةٍ لا تنتهي، لا تكون الإبل مجرد إرثٍ يجيء من ماضي البادية؛ بل حضورًا حيًّا يُرافق الإنسان في يومه، ويُذكّره بجذوره الأولى. فالإبل ليست حيوانًا فحسب؛ إنها ذاكرة الصبر، ومقياس القوة، ومرآة الكرم، وجسرٌ يصل بين الإنسان العُماني وأرضه، ويُجسّد علاقته العميقة بالطبيعة التي صقلته ورفعت من صلابته.

واليوم، تعود الإبل لتحتل موقعًا جديدًا في مسار التنمية، موقعًا يجعلها تتجاوز رمزيتها التراثية لتصبح مجالًا اقتصاديًا متجددًا تتعامل معه الدولة بوصفه قطاعًا واعدًا ضمن رؤيتها لتنظيم الأنشطة التي تنمو خارج الإطار المؤسسي التقليدي.

ومن هذه الرؤية ينطلق ملتقى حوكمة التشغيل في القطاعات الأهلية بشمال الشرقية، (قطاع الإبل نموذجًا) الذي تنظمه وزارة العمل ممثلة بالمديرية العامة للعمل بمحافظة شمال الشرقية خلال الفترة من 1 إلى 3 ديسمبر 2025 بولاية بدية، تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور محاد بن سعيد باعوين وزير العمل. ويُترجم هذا الملتقى قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تنبع من الأرض نفسها؛ من الموروث الذي يُصان، ومن الخبرات التي تتجدد، ومن الأصالة التي تتحول إلى منصة إنتاج، لا إلى ذكرى.

ويفتح الملتقى بابًا واسعًا لفهم قطاع الإبل بوصفه قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا ظل لسنوات طويلة يُمارس نشاطه بعيدًا عن الأطر الرسمية رغم أثره الاجتماعي والاقتصادي. فالإبل اليوم تتجاوز صورتها التقليدية لتُصبح جزءًا من منظومة إنتاج ديناميكية تشمل سباقات الهجن، والمهرجانات التراثية، وأسواق، وصولًا إلى المسارات السياحية التي تستثمر حضور الإبل في البيئة العُمانية لتصنع تجربة ثقافية واقتصادية متفردة.

وبهذا المعنى، لا يعود تنظيم القطاعات التي تنمو خارج الإطار المؤسسي خيارًا تنمويًا ثانويًا؛ بل يتحول إلى ضرورة وطنية تُسهم في توسيع قاعدة الاقتصاد العُماني، وإدماج الخبرات التقليدية في الدورة الإنتاجية الحديثة. فاختيار قطاع الإبل كنموذج تطبيقي يعكس توجهًا استراتيجيًا يربط بين التراث والاقتصاد، ويُحوّل الذاكرة إلى قيمة مضافة، والمعرفة الشعبية إلى مهارة قابلة للقياس والتطوير.

ويناقش الملتقى بعمق تفاصيل الممارسة اليومية في قطاع الإبل؛ بدءًا من تنظيم المهن المرتبطة به، وتطوير معايير التشغيل، وبناء قاعدة بيانات شاملة تُسهم في قراءة الواقع بدقة وصياغة سياسات تشغيل أكثر فاعلية، مرورًا بتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين، ورفع كفاءة الإنتاج، وانتهاءً بتمكين المربين من دخول الأسواق الحديثة عبر التدريب، والتمويل، والتشريعات الداعمة. كما يُبرز الملتقى أهمية التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، بوصفه شرطًا أساسيًا لخلق بيئة استثمارية مُحفّزة في الصناعات المرتبطة بالإبل، ولتطوير سلاسل القيمة الاقتصادية لهذا القطاع.

ولا يكتفي الملتقى بدراسة واقع قطاع واحد؛ بل يتعامل معه بوصفه مدخلًا لفهم القطاعات التي كانت تعمل سابقًا خارج المنظومة المؤسسية، وكيف يمكن إدماجها في حركة الاقتصاد الوطني عبر التأهيل والحوكمة والتشريعات المرنة. إنه خطوة عملية في مسار تبنيه وزارة العمل لبناء سوق عملٍ منظم ومتوازن وعادل، سوقٍ يعترف بالخبرات الشعبية باعتبارها ثروة إنتاجية، ويُعيد توزيع الفرص بوعي، ويصون حقوق العاملين ويهيئ لهم بيئة تشغيل قادرة على مواكبة التحولات الحديثة في عالم العمل.

وتتجسد تجربة قطاع الإبل اليوم كنموذج تلتحم فيه الأصالة مع المستقبل؛ نموذج يجمع بين ذاكرة الإنسان العُماني الاقتصادية وبين روح الابتكار التي تفتح أبوابًا جديدة للاستثمار.

الصحراء هنا ليست مجرد امتدادٍ جغرافي؛ بل مهد هوية وفضاء إنتاج وثروة كامنة، والمؤسسة ليست إطارًا تنظيميًا فحسب؛ بل شريكًا في تحويل الحرفة إلى مشروع، والمهارة إلى قيمة، والإرث إلى صناعة.

وهكذا.. تنسج عُمان من خلال هذا التوجّه رؤيةً وطنية تعيد صياغة العلاقة بين التراث والتنمية، وتمنح القطاعات التقليدية طاقة جديدة تسمح لها بأن تكون جزءًا حيًا من المستقبل. إنها رؤية تُصغي إلى الصوت القديم، وتكتبه بلغة العصر، وتوحِّد بين الأصالة والتجديد في معزوفة واحدة لا تزال تتسع بالأمل والطموح والعمل.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • أنغام التراث وفنون ذوي الهمم تزين ختام احتفالات الثقافة بعيد الأضحى في السويس