لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا، فقد كنت على موعد مع تجربة طالما انتظرتها: زيارة المتحف المصرى الكبير، هذا الصرح المهيب الذى يحمل بين جدرانه عبق الحضارة المصرية وروعة التاريخ الإنسانى. ما إن اقتربت من بوابته الضخمة حتى شعرت بأننى على أعتاب عالم آخر، عالم يربط الماضى بالحاضر فى لوحة بصرية ومعرفية مذهلة.
بدأت رحلتى من الساحة الواسعة أمام المبنى، حيث يسيطر تمثال رمسيس الثانى على المشهد بوقاره وهيبته.
اتجهت أولًا نحو سلم الدَرّج العظيم (أو سلم الملوك كما أسميته فى مخيلتي) والذى يرتفع عبر ستة طوابق مهيبة، ويعمل كمعرض عمودى يربط بهو الدخول والقاعات العُليا. زخرفته رائعة: تتوزّع على جانبيه تماثيل ضخمة لملوك وملكات عبر العصور، بالإضافة إلى أعمدة ومعابد حجرية، فى أعماق عرضه، وتظهر تحف قبرية وسرادقات تعكس رحلة الحياة والموت فى مصر القديمة. من أعلى السلم، ينفتح مشهد مذهل على أهرامات الجيزة يربط الماضى العريق مباشرة بهندسة المكان الحديثة.
واصلت جولتى نحو قاعة الملك توت عنخ آمون، تلك القاعة التى تُعد قلب المتحف وأكثر أجنحته جذبًا للزوّار. لا يمكن وصف شعورى لحظة الوقوف أمام قناع الفرعون الذهبي؛ فقد بدا وكأنه يروى، بصمته الخاص، قصة شاب حكم مصر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. تتوزع مقتنيات المقبرة داخل القاعة بطريقة تسمح للزائر بفهم حياة الملك ومكانته، مستعينة بتقنيات عرض حديثة وشاشات تفاعلية تُثرى التجربة وتُقرّب المعلومات بطريقة ممتعة.
بعد ذلك، انتقلت إلى متحف مراكب الملك خوفو، حيث يُعرض مركب خوفو — أقدم وأضخم أثر خشبى عضوى محفوظ فى العالم، عرضه يُظهر تفاصيل مذهلة من خشب الأرز القديم، مجدّدة بعناية، تُجسد مهارة المصريين القدماء فى الحرف، وقد تم تصميم المكان خصيصًا ليستوعب حجم المركب الضخم، ما يمنح الزائر إحساسًا حيًّا بعظمة تاريخ مصر وعراقتها.
مع اقتراب الظهيرة، جلست فى إحدى الشرفات المطلة على أهرامات الجيزة، حيث اندمج التاريخ بجلاله مع الأفق المفتوح، فكانت لحظة تجمع بين الراحة والتأمل. ثم مررت بالمكتبة ومتاجر الهدايا التى تضم كتبًا ومجسمات فنية تعكس روح المتحف.
وفى النهاية؛ انتهى اليوم ولكنه ترك فى نفسى أثرًا لا يُنسى، ولم تكن تفاصيل الرحلة تكتمل إلا بالإشراف المميز للدكتورة شيماء لاشين التى حرصت على أن يعيش طلاب برنامج اللغة الفرنسية التخصصية بكلية الآداب جامعة المنصورة هذه الرحلة التاريخية العريقة فى إطار ربط مقررات البرنامج بالواقع العملى، والتنظيم الدقيق والسندوتشات اللذيذة للدكتورة داليا، وكان للإرشاد السياحى الذى قدمه الصديق دكتور محمد عبد المولى رونقه الخاص من خلال شرح مبسط مترابط لكل أجنحة المتحف وقطعه الأثرية، وكانت نظرات الفخر والإعجاب بحضارة امتدت لآلاف السنين، والتى ظهرت فى عيون مروان وأحمد وآية وداليا وميرنا وحنين وغيرهم من طلاب البرنامج، ما يثبت أن التاريخ لا يزال حيًا ينبض بالحكايات.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب–جامعة المنصورة
[email protected]
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: د أحمد عثمان رحلة عبر الزمن المتحف المصري الكبير
إقرأ أيضاً:
عام على ردع العدوان: سوريا تعانق الذكرى الأولى لبدء التاريخ الجديد
تحلّ اليوم الخميس الذكرى الأولى لمعركة “ردع العدوان”، التي انطلقت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي وانتهت بإسقاط نظام بشار الأسد خلال 11 يومًا فقط، بعد أن حكم البلاد 24 عامًا. بدأت العملية من محافظة حلب شمالًا قبل أن تتجه نحو دمشق، حيث دخلها المقاتلون فجر 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 معلنين نهاية حكم الأسد، الذي فرّ لاحقًا إلى موسكو. وقد شكلت فصائل سورية “إدارة العمليات المشتركة” لقيادة المعركة، وضمت “هيئة تحرير الشام” و“حركة أحرار الشام” و“الجبهة الوطنية للتحرير”، منهية بذلك 61 عامًا من حكم حزب البعث و53 عامًا من سيطرة عائلة الأسد.
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع مرسومًا يجعل يوم 8 ديسمبر عطلة رسمية وعيدًا وطنيًا، احتفاءً بإسقاط النظام. وقد مرت المعركة بمراحل سريعة ومتلاحقة، إذ سيطر المقاتلون خلال أيام قليلة على محافظات محورية، وسط انهيار واسع لقوات الأسد وحلفائه. انطلقت العمليات من ريف حلب الغربي في 27 نوفمبر، حيث تمكن المقاتلون من قطع الطريق الدولي بين حلب ودمشق لحرمان قوات الأسد من الإمدادات. وفي اليوم الأول استعادوا السيطرة على 18 قرية، ما عزز مواقعهم على الأرض.
في اليوم التالي، توسعت العمليات باتجاه محور سراقب في ريف إدلب لما يمثله من أهمية على الطريق الدولي، وتمكنت الفصائل من تحرير أكثر من 50 بلدة وقرية. وفي 30 نوفمبر أعلنت الفصائل السيطرة على مدينة سراقب بعد معارك عنيفة، بالتزامن مع اشتباكات حاسمة في أحياء مدينة حلب انتهت بانسحاب قوات الأسد وتسليم بعض المواقع لحزب العمال الكردستاني، في مشهد عكس التخبط المتزايد داخل معسكر النظام. وردت الطائرات التابعة للنظام وروسيا بشن ضربات مكثفة على المناطق المحررة دون تغيير مسار المعركة.
مطلع ديسمبر أُعلنت السيطرة الكاملة على مدينة حلب، ما شكل ضربة قاصمة للنظام الذي تراجع شمالًا نحو محافظة حماة. ودخل المقاتلون المدينة بشكل منظم، حافظوا خلاله على مؤسسات الدولة وطمأنوا المدنيين عبر انتشار واسع في الشوارع. ولم تكد حلب تتحرر حتى أعلن المقاتلون بدء معركتهم في حماة، والتي استغرقت نحو خمسة أيام. سيطروا خلالها على مدن وبلدات مهمة مثل صوران وطيبة الإمام، ثم خاضوا معركة جبل العابدين، الذي كان يُعد خط الدفاع الأخير عن حماة وحمص. وبعد معارك عنيفة انتهت الفصائل بالسيطرة عليه عبر عملية التفاف ناجحة، قبل أن تتقدم نحو قلعة المضيق ثم تدخل مدينة حماة في الخامس من ديسمبر.
فتح تحرير حماة الطريق نحو حمص، المدينة المفصلية التي لا تبعد سوى نحو 200 كيلومتر عن دمشق. وفي الجنوب، دخل مقاتلو درعا خط المعركة رغم عدم اتصال مناطقهم جغرافيًا مع الشمال، وسيطروا على المدينة خلال ساعات في 7 ديسمبر، لتنسحب قوات الأسد نحو إزرع ثم باتجاه العاصمة. وانتقلت موجة الانسحابات إلى السويداء، التي سيطر المقاتلون على مركزها خلال أقل من يوم واحد، قبل أن يتجهوا شمالًا للمشاركة في تطويق دمشق.
وفي الوقت نفسه، كانت الفصائل تضيق الخناق على حمص رغم الغارات الروسية التي استهدفت جسر الرستن لعرقلة تقدمها. ومع ذلك تمكن المقاتلون من العبور عبر الجسر المتضرر وطرق الأرياف، ما أدى إلى توسيع الطوق حول العاصمة التي باتت معزولة بالكامل، بينما تركزت الأنظار على القصر الجمهوري وسجن صيدنايا.
صباح 8 ديسمبر أُعلن رسميًا دخول المقاتلين إلى العاصمة وسقوط نظام بشار الأسد، قبل أن يُعلن مساء اليوم نفسه وصوله إلى موسكو بعد تقدمه بطلب “لجوء إنساني” تمت الموافقة عليه. وفي الوقت الذي عمت فيه الاحتفالات معظم المدن السورية، تكشفت مأساة سجن صيدنايا مع خروج آلاف المعتقلين بعد سنوات من الاحتجاز، بينما لم يظهر أثر لآلاف آخرين قضت عليهم قوات الأسد خلال فترة اعتقالهم.
© 2000 - 2025 البوابة (www.albawaba.com)
انضممت لأسرة البوابة عام 2023 حيث أعمل كمحرر مختص بتغطية الشؤون المحلية والإقليمية والدولية.
الأحدثترنداشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على تحديثات حصرية والمحتوى المحسن
اقرأ ايضاًاشترك الآن