عالم بلا عمل ولا مال.. هل أصبح إيلون ماسك شيوعيا؟
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
أطلق قطب التكنولوجيا والرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك واحدة من أكثر توقعاته جرأة حين قال إن العمل سيصبح "غير ضروري" و"غير ذي صلة" للبشر خلال ما بين 10 و20 عاما، مشيرا إلى أن العمل سيصبح "اختياريا" بفضل التطور المتسارع في قدرات الروبوتات الذكية التي ستنجز معظم المهام الإنتاجية والخدمية بكفاءة أعلى وبكلفة أقل.
وجاءت تصريحات ماسك -الذي يوصف بأنه أغنى رجل في العالم- خلال مشاركته في منتدى الاستثمار الأميركي السعودي، عندما سُئل عن المخاوف المحيطة بمستقبل الوظائف.
ماذا قال ماسك عن العمل والمال؟ قال ماسك إن العمل المستقبلي سيكون "أشبه بهواية مثل ممارسة الرياضة أو ألعاب الفيديو"، مضيفا أنه "بنفس الطريقة، يمكنك الذهاب إلى المتجر وشراء بعض الخضراوات، أو يمكنك زراعتها في حديقتك الخلفية.. هذا هو مستقبل العمل: اختياري". أكد أن الوصول إلى هذه النقطة يتطلب "الكثير من العمل"، لكنه يرى أن التقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات يجعل هذا التحول أكثر ترجيحا. يعتقد أن هذا التطور سيؤدي إلى تراجع أهمية المال وفقدانه جزءا من دوره، وقال "ستصبح العملة غير ذات أهمية"، موضحا أن العملات قد تفقد جزءا كبيرا من قيمتها مع تغيّر شكل الاقتصاد العالمي وارتفاع الإنتاجية الآلية. أشار ماسك إلى أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات "سيقضيان على الفقر"، مؤكدا أن الارتفاع الكبير في الإنتاجية سيُعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي جذريا.وتطرح تصريحات ماسك أسئلة كثيرة:
هل توقعاته واقعية وقابلة للتحقق؟ ما علاقة رؤيته بنظرية "اقتصاد ما بعد الندرة" و"مجتمع الوفرة" الاشتراكية؟ هل سنشهد تحرر الإنسان من "عبودية العمل" والحاجة للمال؟ هل أصبح ماسك شيوعيا أم يقدم شكلا جديدا مما يمكن وصفه بـ"اشتراكية عظماء التكنولوجيا"؟ الذكاء الاصطناعي ومستقبل سوق العمليرى المدقق المالي والخبير الاقتصادي علاء غنطوس أن ماسك "يحاول رسم ملامح سوق العمل المستقبلي في ظل التطور المتسارع لمنظومة الذكاء الاصطناعي التي ستتولى تنفيذ جزء كبير من الوظائف الإدارية والمكتبية".
إعلانلكنه أضاف، في حديث للجزيرة نت، أن هذا التأثير "قد لا يمتد بالقدر نفسه إلى الوظائف التي تعتمد على العمل اليدوي الفيزيائي"، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أجورها وتحقيق توزيع أكثر عدالة للدخل، وربما نقل مصانع ومنشآت إلى دول تمتلك وفرة في الأيدي العاملة.
من جهته يستبعد الخبير الاقتصادي المغربي المهدي لحلو أن يشهد العالم ترسخ فكرة "اقتصاد بلا عمل ولا مال".
ويقول للجزيرة نت إن "تصريحات إيلون ماسك غريبة وتعكس خصوصية شخصيته التي تتسم بالاستثناء في أبعادها السياسية والمالية".
ويضيف أن إيلون ماسك رجل أعمال ثري أحدث في القطاع الذي يعمل فيه ما لم يحدثه أي شخص قبله، وراكم ثروة افتراضية ضخمة لا يملكها أي أحد، لكن ذلك لن يسعفه حتما في تكريس "اقتصاد بلا عمل ولا مال"، بالاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي.
ويتابع لحلو: "ما يقوله ماسك لن يتحقق لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد، فالناس بحاجة دائما إلى العمل لإنتاج ما يحتاجونه، وبحاجة إلى سوق ليعرضوا فيه ما ينتجونه، وإلى وسيط مالي يمكّن من تبادل هذه الإنتاج".
مجتمع الوفرة الاشتراكيوتثير تصريحات ماسك سؤالا عما إذا كان أغنى رجل في العالم يدعو -بشكل غير مباشر- إلى تطبيق مقولة ماركس الشهيرة "من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته".
تحدث كارل ماركس عن مجتمع الوفرة الاشتراكي الذي يتحقق بعد الوصول إلى "مرحلة الشيوعية العليا"، حيث تختفي الندرة وتتحقق المساواة الكاملة.
وفي هذه المرحلة تُلبى احتياجات الجميع دون تمييز، ويُتاح للأفراد تنمية مواهبهم بحرية، ويصبح العمل جزءا من الطبيعة الإنسانية لا عبئا مفروضا، وبفضل الارتفاع الهائل في الإنتاجية، يمكن تلبية الحاجات دون الحاجة إلى أيام عمل مرهقة.
ولا يعتمد التعويض على الجهد، بل على حاجة الفرد للعيش والازدهار، ويتطلب ذلك تجاوز التصورات التقليدية عن قيمة المهن والفوارق بين العمل الذهني والبدني.
ويرى ماركس أن البشر سيتحملون مسؤولية اجتماعية كما يفعلون اليوم في الأعمال المنزلية والزراعة والبستنة والرعاية.
ويفترض ماركس أن العمل سيصبح رغبة داخلية عندما يتحرر من منطق الربح الرأسمالي، لأن الإنسان يحقق ذاته من خلال العمل الاجتماعي الهادف.
وعندما تُستخدم القدرات البشرية لتلبية حاجات الناس لا لتعظيم الأرباح، يتحول العمل إلى نشاط مُرضٍ ومُشبع للذات.
اقتصاد ما بعد الندرةوهنا يبرز السؤال: ألا يشبه هذا ما يقوله إيلون ماسك؟
الإجابة" نعم ولا.فالاختلاف الجوهري أن ماسك يتجاوز مبدأ "من كلٍّ حسب قدرته ولكل حسب حاجته"، لأنه في رؤيته لا حاجة لأن يبذل الفرد أي مجهود للحصول على احتياجاته الأساسية، إذ تتولى الأنظمة المؤتمتة إنتاج الوفرة نيابة عن البشر. وهذا يقرب رؤيته من مفهوم "اقتصاد ما بعد الندرة".
واقتصاد ما بعد الندرة نموذج اقتصادي مستقبلي يفترض أن التقدم في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد سيجعل معظم السلع والخدمات وفيرة جدا وبكلفة شبه صفرية، مما يؤدي إلى زوال الندرة التقليدية التي يقوم عليها الاقتصاد.
ويُعرَّف "مجتمع ما بعد الندرة" بأنه مجتمع تُلبّى فيه الاحتياجات الأساسية مجانا، بما فيها السكن والطعام والمرافق والرعاية الصحية والتعليم والمعرفة والنقل والإنترنت، دون اشتراط أي مقابل من المواطنين، كما يشير الباحث الإيطالي لورينزو بييري.
إعلانوكان جون ماينارد كينز قدم رؤية مقاربة في مقاله عام 1930 "الاحتمالات الاقتصادية لأحفادنا"، ثم جاء المفكر الأميركي جيريمي ريفكن ليقدم أول عرض شامل لفكرة ما بعد الندرة في كتابه "مجتمع التكلفة الهامشية الصفرية" عام 2014.
ماسك رأسمالي عتيدوهنا يظهر سؤال آخر: هل أصبح ماسك -التجلي الأكبر للرأسمالية- شيوعيا؟
الإجابة: لا، فهو رأسمالي عتيد.ويرى الخبير المغربي المهدي لحلو أن ماسك ملياردير يعتمد على ثروته لخلق ما يؤمن به، لكن تحقيق رؤيته سيظل بعيد المنال، ويشير إلى أن جزءا من مكانته يعود إلى "نسجه علاقات قوية مع مؤسسات النفوذ في واشنطن، خاصة البيت الأبيض والرئيس الأميركي دونالد ترامب"، معتبرا أن هذا يعكس "شخصية ماسك الساعية دائما إلى التفرد".
ويعتبر لحلو أن من يصف تصريحات إيلون ماسك بأنها تنهل من المدرسة الاشتراكية فهو مخطئ، لأن ماسك رجل ثري وليس منظرا اقتصاديا مثل كارل ماركس أو غيره، وقال "هذا شخص يعول على ثروته لينجز ما يعتقد به، لكن ذلك سيكون بعيد المنال".
أما علاء غنطوس فيقول "لا أعتقد أن دوافع ماسك هي الترويج للنظام الاشتراكي، فهو شخصية رأسمالية بامتياز".
ويعتقد غنطوس أن ماسك يحاول حث المستثمرين على تحويل استثماراتهم إلى قطاع الذكاء الاصطناعي بغية الاستفادة من هذا القطاع، "إنه يريد الترويج للذكاء الاصطناعي للاستفادة الذاتية لا غير".
وباختصار، يؤكد غنطوس أن أفكار ماسك لا تتقاطع مع الرؤية الاشتراكية، بل يحاول فقط قراءة التوجهات الاقتصادية المستقبلية واستغلالها اليوم لزيادة نفوذه الرأسمالي.
الرأسمالية الرقميةيمكن فهم رؤية ماسك بالعودة إلى أطروحات المفكر الأميركي جيريمي ريفكن، التي ترى أن الرأسمالية الرقمية قد تقود إلى إنتاج شبه مجاني، وأن "مجتمع ما بعد الندرة" هو نتيجة لتطور التكنولوجيا والسوق الحر، لا نتيجة تحول سياسي.
كما تُقدم دراسة موسعة للباحثين ستيفن أغيلار ميلان وآن فيني وإيمي أوبرغ وإليزابيث رود، بعنوان "عالم ما بعد الندرة 2050-2075″، تصورا لعالم تصبح فيه التكنولوجيا أساس الوفرة، والعمل البشري خيارا، والمال أقل أهمية، وتُتاح فيه الخدمات الأساسية للبشر تقريبا بلا كلفة.
وتتوقع الدراسة أن التطورات في الذكاء الاصطناعي والروبوتات الدقيقة والطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنيات النانو والطاقة المتجددة منخفضة الكلفة، ستقود إلى عصر تصبح فيه كلفة إنتاج معظم السلع والخدمات شبه معدومة، ومع هذا التحول، لن تتمكن الحكومات أو الشركات من احتكار الإنتاج، إذ سيغدو كل فرد قادرا على تصنيع ما يحتاجه.
ويؤكد الباحثون أن العمل لن يعود وسيلة للبقاء، بل نشاطا اختياريا مرتبطا بالهوية وتحقيق الذات. ومع وفرة السلع وانخفاض كلفتها، يبدأ المال بفقدان دوره كوسيلة للتبادل، وهو ما يتقاطع تماما مع تصريحات ماسك بشأن تراجع أهمية المال.
هكذا تكشف تصريحات إيلون ماسك عن رؤية مستقبلية جريئة لعالم قد تُعيد فيه التكنولوجيا رسم ملامح العمل والمال والإنتاج.
وبينما يرى البعض في هذه الطروحات محاولة لقراءة التحولات القادمة، يراها آخرون انعكاسا لطموح شخصي يسعى لاستثمار موجة الذكاء الاصطناعي لتعزيز النفوذ الاقتصادي.
ورغم اختلاف التفسيرات، يبقى الواقع الاقتصادي العالمي أكثر تعقيدا من أن يُختزل في وعودِ وفرة شاملة أو مستقبل بلا وظائف وبلا نقود.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز سؤال جوهري: هل سيتخلى إيلون ماسك عن ثروته المقدرة بتريليون دولار من أجل القضاء على الفقر في العالم؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الذکاء الاصطناعی تصریحات ماسک إیلون ماسک أن العمل أن ماسک
إقرأ أيضاً:
كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.
ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".
وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".
كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.
وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"
ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.
وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.
وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.
وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".
ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.
وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".