من بين دهاليز الصمت والخوف المجتمعي، تندلع فاجعة تمس براءة الطفولة في قلب إحدى المؤسسات التعليمية المرموقة. 

ما بدأ كهمسات خائفة بين أولياء الأمور، تحول إلى كابوس مؤكد بعد تقارير الطب الشرعي والتحقيقات الرسمية. 

ليست مجرد إشاعة أو اختلاف في الروايات كما حاول البعض الترويج لها، بل هي حقيقة مرعبة عن اعتداءات جنسية ممنهجة على أطفال في مرحلة الروضة، استغلت فراغًا إشرافيًا وثقافة صمت مريبه.

هذه القصة ليست "بوسة ووردة"، كما حاول الجناة التخفيف من فظاعتها، بل عن انتهاك خطير لبراءة صغار، ترك جروحًا جسدية ونفسية عميقة، وطرح أسئلة محرجة عن دور الرقابة والمسؤولية.

"الولاد متبهدلين".. شهادات الطب الشرعي تحول المخاوف إلى يقين قاسٍ

"الكلام مطلعش إشاعة ولا افتراء... ده طلع حقيقي". بهذه الجملة الموجعة، بدأت إحدى أمهات الضحايا سرد الحكاية، بعد أن تحولت شكوكها الأولية إلى يقين جارح. 

جاءت صدمة الواقع من تقرير الطب الشرعي الرسمي، الذي وثق الإصابات بالكلمات الباردة للتقارير الرسمية والصور المؤلمة. "الولد حاجة بسيطة: خدوش وجروح. في بنت متبهدلة"، تصف الأم الحالة بتلقائية تعكس حجم الصدمة. الفحص الطبي كشف بوضوح أن الأمر تجاوز أي حادث عارض؛ كان هناك اعتداء جنسي على الأطفال.

ولم يكن الأمر محصورًا في ضحية واحدة أو حادثة منعزلة. تؤكد شهادات أولياء الأمور المتعددة أن الاعتداءات كانت متكررة ومنهجية. "الموضوع ده مش مرة ولا مرتين ولا تلاتة... البنات متبهدلين. يعني واضح ان الموضوع ده كان بيحصل كذا مرة في فترة".

هذا التكرار يشير إلى منهجية في الاستغلال، واستغلال لثغرة أمنية وإشرافية واضحة داخل المدرسة. "كان بيحصل في فترة مكنش فيه إشراف"، كما تؤكد الأم، مما يضع علامة استفهام كبيرة على دور الإدارة والجهاز الإداري في حماية الأطفال.

 استغلال الفراغ.. كيف تحولت الحديقة الخلفية إلى فخ للبراءة؟

تكشف التحقيقات وشهادات الأطفال أن الجاني، وهو فراش بالمدرسة، كان يستغل وقتًا حرجًا ومحددًا كل صباح. كان يستهدف الأطفال الذين يصلون مبكرًا إلى المدرسة عبر الحافلة، قبل وصول المشرفات والمدرسين إلى الفصول والحديقة، وفي هذه الدقائق، في الحديقة الخلفية التي من المفترض أن تكون مكانًا للعب البريء، كان يتحول إلى جاني.

كان فراش المدرسة يستدرج الأطفال واحدًا تلو الآخر، تحت ذريعة اللعب أو المساعدة، ويعزلهم. إحدى الشهادات المروعة التي أدلى بها الأطفال وروتها أمهاتهم تصف العامل بأنه "جده الشرير".

وتفصيلاً، قالت إحدى الطفلات: "هو جه مسكني من إيدي وقال ليا: لو ممشيتيش من هنا هضربك بالجزمة على دماغك". هذه التهديدات العنيفة، بالإضافة إلى الألفاظ غير اللائقة التي كان يطلقها، حسب شهادات أخرى، خلقت جوًا من الرعب ليس فقط بين الضحايا المباشرين، بل حتى بين الأطفال الآخرين الذين كان يروعهم بأسلوبه. كان "بيغلس عليهم وياخد منهم الكورة ويزعق لهم ويبرق لهم".

الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه القصة لم تكن جديدة حيث كشفت إحدى ألامهات أن ابنها اشتكى من فراش المدرسة منذ حوالي عامين، عندما اشتكى لها أن الفراش "ماسكه هو وأصحابه في حصة الألعاب وبيقول لهم العبوا ضُغط". وقتها، توجهت الأم إلى إدارة المدرسة، التي ردت بتطمين مخفف: "لا صح، المفروض ان هو ما يتعاملش معاهم". كان الرد أشبه بتبرير سلوك خاطئ بدلاً من كونها إجراءً رادعًا أو تحقيقيًا جادًا. هذا التفاعل المتراخي من الإدارة ربما أعطى الجاني إحساسًا بالإفلات، مفسحًا المجال لتصعيد الاعتداءات لاحقًا.

 صدمة التعرف والأصابع المتهمة... إلى أين تتجه التحقيقات؟

عندما بدأت التحقيقات الرسمية، كانت لحظة تعرف الأطفال على المشتبه فيهم محورية ومؤثرة نفسيًا. تقول وليّة أمر: "الأولاد تعرفوا عليه وجت لهم نوبة من الخوف والذعر الرهيب". ردة الفعل الجسدية والنفسية العنيفة للأطفال عند رؤية الجاني كانت دليلاً صارخًا على الصدمة التي عانوا منها وعلى معرفتهم به كسبب لها. "ده أثبت طبعًا أنهم عارفينه، وأن ده حاجة طبيعية جدًا بتحصل من أي حد معتاد عليه لما يتعرف على الجاني نفسه".

حتى الآن، قدم أربعة من أولياء الأمور شكاوى رسمية لدى النيابة، يمثلون ضحايا الواقعة ولد وثلاث بنات. ومع ذلك، هناك إشارات إلى وجود ضحايا آخرين. "في ناس مش راضية تقول وتجيب سيرة.. متخوفة طبعًا ومش عايزين يتكلموا في الموضوع ليفتحوا على عيالهم فتوحات". هذه الظاهرة، "صمت الضحايا" خوفًا من الوصمة أو من التعقيدات، تمثل تحدياً كبيراً في قضايا الاعتداء على الأطفال، وقد تحرم الجهات القضائية من معلومات كاملة.

أمام النيابة، حاول الجاني التخفيف من أفعاله بردود متهاودة. "بيقول: أنا كنت بحضنه زي ولادي وخلاص... مش هعمل كده تاني"، بحسب رواية أحد أولياء الأمور. إلا أن هذا التبرير يتناقض تناقضاً صارخاً مع حالة الأطفال النفسية والجسدية، وتقارير الطب الشرعي التي تشير إلى إصابات بالغة. "لكن لا، البنات متبهدلة"، تضيف الأم مؤكدة فداحة ما حدث.

الإدارة في قفص الاتهام.. بين التقصير والتعتيم

اتجهت سهام الاتهام بشكل حاد نحو إدارة المدرسة، ليس فقط لتقصيرها في الإشراف الذي سمح بهذه الأحداث المتكررة، ولكن أيضًا لطريقة تعاملها مع الأزمة بعد الكشف عنها. وفقًا لأولياء الأمور، لم تقدم الإدارة أي اعتذار رسمي أو توضيح شفاف. الإجراء الوحيد الذي اتخذته على ما يبدو كان فصل العامل.

لكن الأسرة تثير شكوكًا أعمق. يتساءلون: أين لقطات كاميرات المراقبة التي من المفترض أن تغطي الحديقة ومناطق التجمع؟ هناك اتهامات غير مباشرة من بعض الأهالي مفادها أن الإدارة قد تكون حاولت التلاعب بالدليل. "اتهم بعضهم الإدارة بمحاولة تغيير أماكن التصوير ليلاً"، وهي تهمة خطيرة إذا ثبتت، تشير إلى محاولة للتعتيم بدلاً من البحث عن الحقيقة.

هذا الموقف الدفاعي من الإدارة يزيد من جراح الأهالي ويغذي غضبهم. فهم يرون أن المدرسة، كمؤسسة موكلة برعاية أطفالهم، قد تخلت عن واجبها الأساسي في الحماية، ثم فشلت في تحمل المسؤولية عند اكتشاف الخرق. السؤال الذي يطرح نفسه .. كم من الوقت كان هذا يحدث؟ وكم طفلاً آخر تأثر ولم يجروأ أهله على الكلام؟

براءة مجروحة ومسؤولية مجتمعية

القضية الآن بين أيدي النيابة العامة، التي تحقق مع المتهم بعد حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق. الأطفال الضحايا يخضعون للفحوصات المتخصصة في الطب الشرعي لتقييم كامل حجم الاعتداءات الجسدية والنفسية. ولكن وراء الأوراق القانونية والمحاضر، تبقى أرواح صغيرة مجروحة تحتاج إلى دعم نفسي طويل الأمد، وعائلات تعيش في صدمة وغضب عارم.

هذه الحادثة ليست شأناً خاصاً لأربع عائلات فقط؛ إنها جرس إنذار مدوٍّ للمجتمع بأسره، وللمؤسسات التعليمية خاصة. إنها تذكرنا بأن السلامة الجسدية والنفسية للأطفال هي الخط الأحمر الأول الذي لا يمكن التفريط فيه. تتطلب الحوادث من هذا النوع تحقيقات شفافة وحازمة من الجهات الرقابية في التعليم، ومراجعة صارمة لبروتوكولات التوظيف والإشراف في جميع المدارس، وخاصة فيما يتعلق بالعاملين غير التربويين الذين يتعاملون مع الأطفال.

كما تفرض علينا كمجتمع تحدياً لخلق ثقافة يجري فيها الابلاغ عن الشكوك حمايةً للطفل، ودعماً للأسر التي تتصدى لمثل هذه الجرائم، بدلاً من ثقافة الصمت خوفاً من الفضيحة. البراءة التي انتهكت في تلك الحديقة الخلفية تستحق أكثر من محاكمة للجاني؛ تستحق نظاماً يحمي كل طفل، ومساءلة تليق بجسامة ما حدث، وشفاءً يكون ممكناً لمنح تلك الأرواح الصغيرة فرصة لأن تلملم جراحها وتعود إلى براءتها، ما ان أمكن.

طباعة شارك القصة أطفال التحقيقات أولياء الأمور الروايات

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: القصة أطفال التحقيقات أولياء الأمور الروايات أولیاء الأمور الطب الشرعی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • أعلى شهادات ادخار في بنك مصر يونيو 2026
  • قلق الامتحانات ووعي الأسرة
  • شارع الإسكان.. متنفس أهالي أربيل الأول للهروب من لهيب الصيف (صور)
  • محافظ بورسعيد يقرر تحويل مدرسة محمد السيد وحسن البدراوي الرسمية للغات إلى مدرسة رسمية لغات متميزة
  • مدرسة العراقي الخاصة تحتفي بتخريج فوج جديد
  • الصفعة الحجرية
  • أبو عبيدة: الاغتيالات لن تكسر المقاومة وفاتورة الحساب مع الاحتلال مفتوحة
  • “الجهاد الإسلامي” تدين اعتداء مستوطنين على أهالي قرية في رام الله
  • بعد تثبيت الفائدة.. بنك مصر يطرح شهادات بعائد يصل إلى 22%
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش