كتبت - أسماء بنت خلفان الغدانية -

تحتفظ العمارة العُمانية التقليدية بملامح التاريخ وتقدم سردًا أصيلًا لتجربة الإنسان العُماني في التكيف مع تنوع بيئته وتضاريسه، وتتميز بخصوصية فريدة تعكس احترام المكان وقدرة العُمانيين على مواجهة تحديات الطبيعة المتنوعة، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من العمارة الإسلامية، ويتجلى هذا التنوع في تصاميم المباني من حيث الطابع الديني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، حيث تختلف كل منها في هيئتها وجمالياتها المعمارية.

تاريخ وحضارة

تُعبّر العمارة العُمانية التقليدية عن علاقة وثيقة بين الإنسان العُماني ومكانه الذي يعيش فيه، حيث تعكس الاحترام للطبيعة والموارد المتاحة لضمان الاستقرار والمعيشة الكريمة، ويعد الماء العنصر الأساسي في تحديد مواقع الاستيطان، حيث تؤثر وفرة المياه على مساحة البناء والزراعة، وتتحدد الأنماط المعمارية بناء على طبيعة الموقع والموارد المحيطة، وتتميز العمارة العُمانية بتنوعها، إذ نشأت منذ العصور القديمة، مما يُظهر عبقرية العُمانيين في التكيف مع بيئتهم.

وقالت الدكتورة نعيمة بنت أحمد بن قاري أستاذ مساعد في قسم الهندسة المدنية والمعمارية في كلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس: «تمتد عمارة سلطنة عُمان المحلية إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كشفت الحفريات في رأس الحد إلى مستوطنات تذهب عمارتها وتقسيماتها إلى حد بعيد لمباني الحارات العُمانية التي نجدها اليوم». موضحة أن المقابر مخروطية الشكل التي تعد من أقدم الآثار العُمانية المسجلة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، وتعد أحد أنماط العمارة العُمانية القديمة أيضًا كما يُعتقد أن المؤثر الديني كان من أكبر المؤثرات على العمارة العُمانية التي ما زالت نشهدها اليوم، فعمارة عُمان المحلية نجدها متشبعة بمقومات العمارة الإسلامية التي تم تحويرها حسب الاحتياجات المحلية، فنتج عن ذلك طابع إسلامي محلي عُماني بذاته يتميز ببساطة مفرداته ووضوح لغته الفنية، والاقتصاد في المواد، والمساحات المخصصة للأنشطة واستعمال المواد المحلية من الطين والحجر والصاروج والخشب وسعف النخيل وغيرها من المواد التي ساهمت في نحت شكل العمارة العُمانية».

ملامح العمارة التقليدية

تتنوع العمارة العُمانية بين الأنماط المدنية والدفاعية والدينية، ويتمثل طرازها في القلاع والحصون، ويشمل الأبراج والأسوار، إضافة إلى الجوامع بمختلف عناصرها من قباب ومنابر ومحراب، ويُبرز الشكل الدفاعي المتمثل في الحصون والقلاع دور الموقع الاستراتيجي لعُمان، وتُعرف المساجد بتصاميمها البسيطة التقليدية بينما تتميز الحديثة بتأثيرات من العمارة الإسلامية الفاطمية والعباسية، وتعد المقابر الأثرية في منطقة بات بولاية عبري من أقدم الآثار، فضلًا عن المستوطنات في الجبل الأخضر ونزوى وبهلا، كما أن البيوت العُمانية القديمة المُصنعة من الخشب تحمل كل نافذة وباب فيها قصة تُعبر عن الهُوية الثقافية، وتمثل حارات مثل العقر في نزوى نماذج حية للعمارة التقليدية، أما النقوش والرسومات على الصخور والمباني فهي تُضاف كفن معماري يعكس براعة الإنسان العُماني، مما يعزز من قيمة التراث المعماري العُماني وكينونته.

الفن المعماري

يقول الدكتور ناصر بن صالح الإسماعيلي باحث في التاريخ وناشر لأبحاث تربوية وتاريخية: «لطالما كانت البيئة المحيطة هي مصدر الإلهام للفن المعماري العُماني، إذ تميزت العمارة العُمانية باستخدام مواد بناء محلية مستمدة من البيئة الطبيعية المحيطة، مثل الحجر، والطين، والجص، وسعف النخيل، والخشب، وقد ساهم هذا التوجه في إيجاد عمارة متكيفة بيئيًا، ومعبّرة عن موارد المكان وتنوعه الجغرافي والمناخي، إذ تعتبر الحجارة من أبرز مواد البناء وقد كانت تُستخرج من الجبال المجاورة، ومن الأودية القريبة لما تتمتع به من صلابة ومقاومة للعوامل المناخية مثل الحرارة والأمطار والرياح، كما يمنح المباني مظهرًا مهيبًا ومتينًا، وتم استخدام الطين في البناء في الكثير من الولايات، حيث يتم خلطه بالقش أو التبن لزيادة تماسكه، ثم يُشكّل على هيئة قوالب تُجفف تحت أشعة الشمس، وقد استُخدم الطين في بناء البيوت والأسوار والحصون كونه يتميز بالوفرة وكذا العزل الحراري، فيحافظ على برودة المنازل في الصيف ودفئها في الشتاء، ما يجعله مثاليًا للبيئة الحارة والجافة في سلطنة عُمان».

وأضاف الإسماعيلي: «أما عن مادة الجص والمعروف أيضا بالصاروج، فكانت تستخدم أساسًا في تغطية الجدران سواء الداخلية أو الخارجية وبالتالي يزيد من عمرها الافتراضي ويضيف لها منظرا جميلاً متماشياً مع البيئة المحيطة، وكذلك استخدم الجص العُماني في النقوش والزخارف على الجدران والأقواس، وقد تفنن العُمانيون في تشكيل الجص بأنماط هندسية ونباتية دقيقة تعكس مهارة الحرفيين المحليين وعنايتهم بالقيم الجمالية، أما بالنسبة لسعف النخيل وجذوعها والخشب كانت إحدى المواد البيئية التي استخدمت في بناء الأسقف، كما استخدم الخشب أيضا للأبواب والنوافذ، وتميزت الأبواب بالزخارف والنقوش الهندسية والنباتية التي توضح دقة الصنعة والعناية بالمنظر الجمالي». موضحا أنه تم جلب بعض الأخشاب المستخدمة في صناعة الأبواب والنوافذ من الدول المجاورة كنوع من الانفتاح الحضاري مع الآخر على سبيل المثال الباب الرئيسي لحصن الشباك بعلاية إبراء الذي تم جلبه من سرت بالهند قبل ما يزيد على ثلاثة قرون وهو بحد ذاته لوحة فنية جميلة ويعرض حاليا في المتحف الوطني.

وأشار في حديثه إلى أن بعض الصحون الخزفية كان لها دور في العمارة العُمانية التقليدية، إذ تميزت بعض الحصون باستعمال الخزف لتزيين أسقفها وجدرانها وقد تم جلب هذا الخزف من بلاد فارس ليشكل لمسة جمالية للحصون كحال إحدى غرف حصن الشباك بعلاية إبراء، والتي ألصقت في سقفها جملة من القطع الخزفية لتضيف منظرا جميلاً ورمزاً للتواصل بين الحضارات، مؤكدا أن جميع المواد المستخدمة وكيفية البناء تشرح براعة وابتكار الإنسان العُماني القديم، فمهارته لم تكن مجرد بناء وعمران، بل استغلال للبيئة وتكييفها لصالحه.

جهود ملموسة

وقال الدكتور ناصر: «تظل سلطنة عُمان تبذل جهودًا ملموسة للحفاظ على تراثها المعماري، إدراكًا منها لأهمية العمارة التقليدية في تعزيز الهُوية الوطنية ودعم السياحة الثقافية، رغم ذلك، لا تزال تلك الجهود محدودة أمام كثرة المواقع التاريخية، لكنها تشمل مشاريع ترميم وصيانة العديد من المباني التاريخية، كالحصون والقلاع والأسواق القديمة، ومن أبرز هذه الجهود مبادرة إحياء العمارة، التي نظمها مكتب صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد، والتي تهدف إلى تعريف الزوار بقيمة العمارة وابتكاراتها من خلال متحف عُمان عبر الزمان بولاية منح. تسعى هذه المبادرة إلى تعزيز الوعي بأهمية العمارة كمكون رئيسي من مكونات الهُوية الوطنية وتحفيز المجتمع على استكشاف تأثيرها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. كما تهدف إلى إشراك فئات المجتمع المختلفة في حوارات حول العمارة، وخلق بيئة داعمة للإبداع والريادة، وتعزيز فرص الكادر المعماري في سوق العمل العُماني، بالإضافة إلى ذلك، يمثل مشروع التجديد الحضري للحارات القديمة في محافظة شمال الشرقية خطوة مهمة نحو الحفاظ على العمارة العُمانية التقليدية، وتقوم الجهات المعنية، بصفة خاصة وزارة التراث والسياحة، بتنفيذ مشاريع التطوير والترميم والصيانة، ولم تقتصر هذه الجهود على الهيئات الحكومية، بل ساهمت المبادرات المجتمعية أيضًا، حيث عمل الأهالي على ترميم المنازل القديمة وتحويلها إلى متاحف وبيوت ضيافة تراثية، مما ساهم في إنعاش السياحة والحفاظ على الطابع العمراني التقليدي».

من جانبه قال محمد بن أحمد البرواني أحد الشغوفين بالعمارة العُمانية: «عند الحديث عن العمارة العُمانية التقليدية، نبدأ بتعريف المواد المستخدمة، إذ تعد هذه العمارة تجسيدًا فريدًا للفنون المعمارية التي انتشرت عبر العصور، مُستندة على مواد محلية طبيعية كالتربة والحجر والجص، ويعود تاريخها إلى عصور طويلة وتتميز بأساليب بناء متوارثة تعكس الخصائص البيئية والاجتماعية والثقافية للمجتمع العُماني، وتعتبر القرية العُمانية نموذجًا متقنًا في العمران، حيث صُممت بتفانٍ لتكون حصينة ضد أي اعتداءات، سواء كانت بشرية أو حيوانية، مما منحها شعورًا بالاستقرار والأمان، وتمتاز القرية بمعمارها الفريد وحصونها المحيطة، إضافةً إلى الأفلاج التي تعبر عبرها، مما يضفي لمسة من الابتكار والطابع التقليدي، هذا التزاوج بين التحصين وعمارة الحدائق الغناء يُظهر عمق أصالة تصميمها ودقة تنفيذها، مما أسهم في تشكيل حضارة أخرجت المبدعين والمفكرين الذين عُرفوا بإنجازاتهم، وتجولوا في الهند وأفريقيا، وقطعوا البحار شرقًا وغربًا، مُرَسِّخين إرثهم العُماني الغني».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الإنسان الع مانی ع مانی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • ساديو ماني يقود أسود التيرانغا في مونديال 2026
  • بعثة الحج العُمانية تعود إلى البلاد
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
  • الثروة الحيوانية رافد للأمن الغذائي .. وخطط لرفع الإنتاج وتعزيز الاستدامةالتقلبات العالمية أثرت على أسعار الأعلاف وجهود متواصلة لتوسيع الإنتاج
  • إطلاق مبادرة "ساس للتميز" لتعزيز تنافسية الشركات التقنية العُمانية عالميًا
  • المسلماني يهنئ إذاعة "دراما إف إم" بمناسبة مرور عام على انطلاقها
  • ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟