"لقد طورت جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928، شبكة عابرة للحدود ذات فروع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه. وفي هذا السياق تنخرط فروعها في لبنان والأردن ومصر في أعمال عنف أو تسهلها وتدعم حملات لزعزعة الاستقرار تضر بمناطقها نفسها، تضر بمواطني ومصالح الولايات المتحدة. فبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 في إسرائيل على سبيل المثال، انضم الجناح العسكري لفرع الإخوان المسلمين في لبنان إلى حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية لإطلاق عدة هجمات صاروخية ضد أهداف مدنية وعسكرية داخل إسرائيل" (جزء من القرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان تنظيمات إرهابية أجنبية).
قبل وصوله إلى البيت الأبيض في المرة الأولى في 2016، أحاط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بمجموعة من المتطرفين المسيحيين البيض وأعلن عداءه الواضح والصريح لبقية أطياف المجتمع الأمريكي وتياراته الدينية المختلفة. وبات ذلك واضحا من عدة مواقف؛ لعل أبرزها موقفه المتردد من إدانة جماعة "كوكلوكس كلان" المعروفة اختصارا بـ"kkk" بعد ارتكابها جريمة قتل امرأة وإصابة العشرات في صدام مشهور اهتز له المجتمع الأمريكي وقتها.
الرئيس الأمريكي محاط بمجموعة من المستشارين المسيحيين بعضهم من أصول عربية من مصر ولبنان والعراق، وله علاقة نسب مع بعض العرب مثل مسعد بولس، زوج ابنته الثانية وهو لبناني مسيحي أرثوذكسي يحمل جنسية أربع دول (نيجيريا وفرنسا وأمريكا إضافة إلى جنسيته اللبنانية)، وهو مبعوث ترامب إلى أفريقيا الذي أرسله ليتفاوض في الشأن السوداني بعد مجازر الفاشر، فكانت أول محطة له هي الإمارات التي يعلم القاصي والداني قصة تورطها في دعم مليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي. وكما توقعنا، فإن أول تصريحاته كانت ضرورة إبعاد الإخوان المسلمين عن الجيش السوداني وكأن القضية هي الإخوان المسلمين. هذا نموذج من بين عدة نماذج للمتطرفين المحيطين بترامب والمؤثرين في صناعة قراراته.
ترامب ومن قبل أن يصل إلى كرسي الحكم في البيت الأبيض في 2016 كان محملا بكراهية الإسلام والمسلمين عموما، فقد قال في لقاء تلفزيوني مع شبكة سي إن إن في 11 آذار/ مارس 2016: "أعتقد أن الإسلام يكرهنا"، ودعا الأمريكيين إلى اليقظة والحذر و"عدم السماح للذين يحملون هذه الكراهية بالقدوم إلى أمريكا". وردا على سؤال حول ما إذا كان صراع الغرب مع الإسلام عامة، أم الإسلام المتشدد قال: "الصراع مع الإسلام المتشدد، لكنه يصعب التعرف عليهما (المتشدد والمعتدل) والتمييز بينهما".
وفور وصوله للسلطة وتحت عنوان "حماية الأمة من دخول إرهابيين أجانب إلى الولايات المتحدة الأمريكية"، نفذ وعده الانتخابي وأصدر قراره التنفيذي بحظر دخول مواطني بعض الجنسيات، معظمها عربية ومن بينها سوريا وإيران والعراق وليبيا والصومال والسودان واليمن، مع منح الأولوية للمسيحيين، وهو الأمر الذي اعتبره بعض الخبراء الأمريكيين المعنيين بشئون الهجرة أمرا غير دستوري.
لم يجد ترامب سوى مايكل فلين ليكون مستشارا للأمن القومي في أول حكومة شكلها، وعلى الرغم من أن فلين قد طُرد من الخدمة العسكرية بسبب الكذب، إلا أن ترامب اختاره لميزة أخرى وهي كراهيته للإسلام والمسلمين. ويذكر فلين في مقال له نشر في نيويورك تايمز أن سبب فصله وعلى حد تعبيره؛ "فصلني الجيش لأنني دعوت أعداءنا باسم الجهاديين المتشددين"، في الوقت الذي رفض فيه الرئيس أوباما وقتئذ تسمية الإرهابيين بالمتطرفين الإسلاميين. وبالمناسبة، فهذه التسمية التي فُصل بسببها فلين من الخدمة قد استخدمها الجنرال السيسي وبوضوح في لقاء له مع سي إن إن، رغم تنبيه المذيعة إيرين برنيت له، ولا ندري من الذي علّم من ولا من اقتبس ممن، فكلهم جنرالات.
لم يتوقف فلين عند هذا الحد، بل إنه قال في لقاء صحفي مع صحيفة لوموند الفرنسية: "لدينا مشكلة كبرى لا يرغب أحد في الاعتراف بها، لأن ذلك ليس مقبول سياسيا: إنها الإسلام! ذلك الدين يمثل مشكلة. لا أتحدث عن العالم الإسلامي ولكن عن الإسلام نفسه. إن على العالم العربي أن يصفي الأيديولوجية السياسية التي تسمى الإسلام". وأضاف مستدركا: نعم أقصد الإسلاموية (الإسلام السياسي) لندرس محمد! وعندها سنفهم كيف بدأ هذا كله خلال عصرنا هذا، ينبغي أن نخرج من هذا كله، ذلك يستغرق وقتا ربما عشرات السنين، وإذا لم نفعل فستظل هنالك حروب لا تتوقف".
وقد تسألني عزيز القارئ المحترم وما علاقة ذلك بقرار ترامب بتصنيف الإخوان في مصر والأردن ولبنان كجماعة إرهابية أجنبية في هذا التوقيت بالذات؟
والإجابة موجودة في الأمثلة التي ذكرتها أعلاه على لسان مسعد بولس، صهر ترامب ورسوله لأفريقيا، ومايكل فلين، مستشار الأمن القومي الأسبق، وعلى لسان الرئيس ترامب نفسه. فما جرى خلال فترة إعداد ترامب لدخول المعترك السياسي الأمريكي هو عملية تعبئة (حشو) دماغ رجل أعمال فارغ سياسيا لكي يصبح رئيسا لأكبر دولة في العالم، مثله مثل بوش الابن الذي صرح بأن ما جرى من غزو أمريكي للعراق هو حملة صليبية، رغم قول مساعديه إنه كان خطأ غير مقصود، حتى جاء وزير الحرب الحالي هيجسيث ليكتب كتابا بعنوان "الحملة الصليبية الأمريكية.. نضالنا من أجل البقاء أحرارا"، ويطالب ويدعو الأمريكيين إلى "استجماع الشجاعة نفسها ضد الإسلاميين اليوم، فإلى جانب الشيوعيين الصينيين وطموحاتهم العالمية، تعد الإسلاموية (الإسلام السياسي) أخطر تهديد للحرية في العالم، لا يمكن التفاوض معها أو التعايش معها بل يجب تهميشها وسحقها".
لعلك أدركت بعض الأسباب الكامنة وراء صدور قرار ترامب التنفيذي بخصوص الإخوان، ومع ذلك فهنا أسباب أخرى متعلقة بالتوقيت والظروف أو ما يعرف بالسياق الزمني للقرار، وهو بالطبع حرب الإبادة التي لا تزال دولة الكيان، مدعومة من أمريكا وأوروبا وبعض الحكومات العربية، تشنها على غزة والضفة الغربية. فقد التقت إرادة أمريكا مع حكام العرب على ضرورة وقف الدعم العالمي المتزايد للقضية الفلسطينية، وإنقاذ دولة الكيان من مأزقها السياسي والأخلاقي بعد إدانة المجرم نتنياهو ووزير دفاعه بارتكاب جرائم حرب، وبعد أن أصبحت سمعة الكيان في الحضيض، وعدم قدرة جيش الاحتلال على حسم المعركة وادعاء الانتصار الكامل. وقد كان لهم ما أرادوا من خلال مؤامرة مؤتمر شرم الشيخ للسلام، والذي استطاعت دولة الاحتلال من خلاله امتصاص جزء معقول من التعاطف مع القضية الفلسطينية، وجاءت المرحلة الثانية وهي معاقبة القوى الاسلامية والشعبية المحركة للغضب العربي والداعمة للمقاومة حول العالم.
تحركت دولة الكيان وضغطت من أجل تجريم الإخوان في تلك الدول، وكأنها تقدم واجب الشكر للنظام المصري على دوره وانحيازه التام وغير المشروط لها في حربها، وكذلك بالنسبة للنظامين المصري والأردني اللذين قاما بكل ما في وسعهما لمقاومة الإخوان ووقف جهودهم طوال العقود الماضية لدعم القضية الفلسطينية، ولا يزال الإخوان يمثلون عقدة سياسية ونفسية للنظامين في مصر والأردن. ورغم تجريم النظامين لهم، ولكنهما كانا في حاجة إلى رسالة طمأنة من البيت الأبيض بأنه سوف لن ينحاز للإخوان ولن يدعمهم إن تغيرت الظروف، وحدث تغيير غير معد له سلفا في سدة الحكم، خصوصا مع تقدم العمر والإصابة بالأمراض الخطيرة وتردد الحكام على الخارج للعلاج.
قرار ترامب التنفيذي لا يحمل في رأيي جديدا؛ اللهم إلا أنه رسالة طمأنة للنظام المصري تحديدا بأن ترامب طوال فترة حكمه لن يميل ناحية الاخوان ولوقامت ثورة أو حدث انقلاب أبيض على مؤسسة الحكم.
في فهمي المتواضع وبدون تضخيم أو تهويل فإن الحرب على الإخوان هي جزء من الحرب على الإسلام كدين وعقيدة وسلوك وأخلاق وشريعة، وكل المؤسسات التي تدافع عن الإسلام كشريعة ودولة معرضة للحرب عليها. والحرب لم تبدأ من يوم إصدار القرار التنفيذي ولن تنتهي حتى بزواله مع قدوم رئيس أمريكي جديد؛ قد لا يتفق مع ما ذهب إليه ترامب وحواريوه ومساعدوه من المسيحيين المتعصبين والصهاينة الممولين.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ترامب إرهابية الاسلامية الاخوان امريكا إرهاب اسلام اخوان ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإخوان المسلمین فی مصر
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..