لجريدة عمان:
2026-06-03@02:54:10 GMT

عندما تتحدى المنصات الرقمية سلطة الدول

تاريخ النشر: 2nd, December 2025 GMT

لا يحتاج الأمر إلى كثير من الجدل لكي نؤكد أن العالم يعيش عصرًا غير مسبوق في تاريخ علاقة الدولة بالمجتمع وبالفضاء الإعلامي.

يكفي أن ننظر اليوم إلى النفوذ الهائل الذي تمارسه شركات التكنولوجيا العملاقة ومنصاتها الرقمية، لندرك أننا أمام لحظة تحوّل جذري تهدد مفهوم السيادة الوطنية كما عرفته الدولة الحديثة طوال القرون الماضية.

ما الذي تملكه تلك المنصات، ويجعلها قادرة على فرض سيادتها على الدول والانتقاص من استقلالها؟ الجواب باختصار: كل شيء!!

لقد أصبح بإمكان شركة أو منصة واحدة، لا يتجاوز عمرها عشرين عامًا، أن تغيّر صورة دولة بكاملها على الإنترنت خلال ساعات قليلة. ويستطيع تطبيق صغير على الهاتف الذكي أن يعرف عنك أكثر مما تعرفه الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية. ويمكن أن تحول خوارزمية، لا نراها ولا نعرف من صنعها، حدثًا أو قضية محلية إلى أزمة عالمية، أو تخفي حدثًا أو أحداثًا فيبدو للعالم كله أنها لم تقع.

هذه ليست مبالغات، وإنما قصص تحدث أمامنا كل يوم، في المنطقة العربية والعالم.

الصراع بين الحكومات الوطنية وبين شركات التكنولوجيا العملاقة لم يعد قضية بحثية ونظرية تُناقش في المؤتمرات العلمية فقط، وأصبح مواجهة علنية تتعلق بسيادة الدول. ويأخذ هذا الصراع أشكالا عديدة؛ على سبيل المثال وفي أواخر أكتوبر الماضي، أعلنت المفوضية الأوروبية أن منصات شركة «ميتا» ومنصة «تيك توك» انتهكت قوانين الشفافية الرقمية الأوروبية بعد رفضها منح باحثين مستقلين حق الوصول إلى البيانات العامة التي تُشكّل أساس النقاش العام في القارة.

وبعد أيام فقط، كشف تقرير رسمي أن «ميتا» لا توفر للمستخدمين آليات واضحة للطعن أو الإبلاغ عن المحتوى الضار، ولم تقدّم «آلية سهلة ومباشرة».

ولم تقف الأزمة عند حدود أوروبا. ففي واشنطن، عاد الكونغرس ليمنح «تيك توك» مهلة نهائية للبيع أو مواجهة الحظر الكامل، ولم يحدث من قبل أن تتحدى شركةٌ دولةً بحجم الولايات المتحدة بهذه القوة، ولا أن تُظهر هذا القدر من الثقة في قدرتها على تجاوز القرارات السيادية لواحدة من أقوى الحكومات في العالم. وفي شرق آسيا، اتهمت الحكومة الماليزية شركة «ميتا» ومنصاتها بالتلاعب في الانتخابات المحلية عبر السماح بحملات تضليل مدفوعة، فتحوّل السؤال عن حدود «تنظيم المحتوى» إلى سؤال أخطر عن قدرة المنصّات على تغيير نتائج الانتخابات؟ وجاءت الضربة الأحدث في نوفمبر 2025، حين وصفت ميتا مطالب الاتحاد الأوروبي لمكافحة الاحتكار بأنها -شاذة وغير منطقية- . لم يكن ذلك مجرد خلاف تنظيمي، بل إعلانًا مباشرًا بأن الشركة وليس الاتحاد الأوروبي هي التي تحدد شروط العلاقة، وأنها ترى نفسها كيانًا فوق التشريع.

هذه الأحداث، الممتدة عبر ثلاث قارات، تُظهر بوضوح أن المنصّات لم تعد مجرد خدمات رقمية، بل قوى سياسية واقتصادية تتصرف وكأنها كيانات سيادية تستطيع أن تقول «لا» لحكومات دول، وأن تُعطل تنفيذ قوانين صادرة عن برلمانات منتخبة، وأن تضع حدودًا جديدة لسلطة الدولة في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بالمعلومة والرأي والوعي.

وسط هذا المشهد، يبرز سؤال لا مفر منه، هو إذا كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وماليزيا تعجز عن فرض سيادتها الرقمية، فماذا عن الدول الأصغر حجمًا والأقل نموا؟ وكيف يمكن لمجتمعات مثل المجتمعات العربية حماية فضائها العام من طغيان المنصات الرقمية؟

حين نتأمل هذه التحولات، نجد أن المسألة أكبر كثيرًا من هيمنة اقتصادية أو انتشار واسع لمنصة ما. نحن أمام تحوّل جوهري في موازين القوى العالمية؛ فالشركات لم تعد مجرد مقدمي خدمات، بل أصبحت تمسك بأعصاب المجال العام العالمي، وتتحكم في تدفق المعلومات، وتملك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي، بل والتأثير في المزاج السياسي والاتجاهات الانتخابية.

ما الذي يدفع دولًا بأكملها إلى التحرك بقلق، وأحيانًا بعصبية، لوضع قوانين تحمي سيادتها الرقمية؟ ولماذا تبدو بعض الحكومات وهي تتفاوض مع شركات التقنية كما لو كانت تتفاوض مع دول عظمى؟ السبب الأول في تقديري هو الكم الهائل من البيانات الذي تملكه تلك الشركات. لم تعد الثروات الطبيعية هي الأغلى، وحلت محلها أو كادت البيانات والمعلومات، فمن يملكها يملك القوة، ومن يسيطر عليها يتحكم في كل شيء من التجارة إلى الانتخابات، ومن السوق إلى الإعلام. وتملك شركات التكنولوجيا العملاقة من البيانات ما تعجز أية دولة في العالم من تجميعها طوال تاريخها.

السبب الثاني أن هذه الشركات أصبحت تتحكم في المجال العام. لم تعد الصحف والقنوات التلفزيونية المصدر الأول للأخبار، وأصبحت المنصات هي التي تصنع الأخبار وتوزعها وتمنحها وزنا، وهو ما يمنحها سلطة سياسية لم يسبق للقطاع الإعلامي أن امتلك مثلها.

ويتمثل السبب الثالث، في القوة المالية الهائلة، إذ تعادل القيمة السوقية لشركة واحدة مثل آبل أو مايكروسوفت ميزانيات دول بأكملها. فكيف يمكن لأي دولة أن تفرض إرادتها على كيانات عالمية تمتلك قوة اقتصادية تفوقها بعشرات المرات؟

وسط هذه الصورة المعقدة، يبقى السؤال الذي يشغلني دائمًا: هل لا تزال الدول قادرة على حماية سيادتها الرقمية؟ أم أننا نتجه نحو عالم تصبح فيه الشركات الكبرى قوة تتجاوز سلطة الحكومات؟

إذا نظرنا إلى تجارب الدول الأخرى سوف نجد أن الاتحاد الأوروبي يحاول الوصول إلى قدر من التوازن بين الدول وبين المنصات، وذلك من خلال إقرار قوانين مشددة تضمن حق الدولة والمواطن في فضاء رقمي رشيد، ومحاكمات، وغرامات مليونية. في المقابل اختارت دول أخرى مثل الصين والهند طريقًا مختلفًا، يعتمد على السيطرة المباشرة ومنع خروج بيانات مواطنيها خارج الحدود.

وتبدو الدول العربية في منتصف الطريق بعد أن توافر لدى البعض منها، مثل سلطنة عُمان قوانين جديدة، وتجارب تنظيمية متقدمة، ورغبة واضحة في بناء بيئة رقمية تحترم السيادة الوطنية، وكلها تمثل في تقديري خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها بالطبع ليست نهاية الطريق.

فالسيادة الرقمية للدولة لا تُبنى بنصوص القانون وحدها، بل بمنظومة كاملة تشمل أمن البيانات، وإدارة المحتوى، والتعاون الإقليمي، والقدرة على تطوير خدمات محلية تجعل الاعتماد على شركات التقنية العالمية أقل خطرًا.

إننا نواجه اليوم سيلا من الأسئلة لم تكن تطرح حتى وقت قريب في المنطقة العربية، مثل، من يشكل ومن ثم يمتلك الذاكرة الوطنية الجديدة؟ ومن يحدد صورة الدولة؟ ومن يقدم روايتها على الإنترنت؟ إذا كانت الإجابة، حتى الآن، تقول إنها شركات التقنية العملاقة، فنحن إذن أمام تحدٍ أخلاقي وسياسي واستراتيجي لا بد من التعامل معه بسرعة وحكمة.

السيادة في عالم اليوم لم تعد تقاس بعلم يرفرف فوق مبنى حكومي، أو نشيد وطني يعزف في المناسبات، رغم أهمية هذه الرموز بالفعل، بل بقدرة الدولة على التحكم في بيانات مواطنيها، وفي صورتها الرقمية، وفي سرديتها الوطنية. إذا لم نُدرك حجم التحول الذي نعيشه، ونتصرف بما يليق به، فقد نجد أنفسنا في عالم تُكتب فيه قصص الدول بأيدي شركات لا يعترف صانعو خوارزمياتها بحدود، ولا بقوانين، ولا بمصالح وطنية. هذه بالطبع ليست دعوة إلى الصراع مع التكنولوجيا، وليست دعوة لمنع المنصات الرقمية، وهذا أمر مستحيل في عالم اليوم، وإنما هي دعوة لإدارة العلاقة معها من موقع الندية لا التبعية. إن مستقبل السيادة الوطنية في العصر الرقمي لا تصنعه التشريعات فقط، وإنما يصنع بناء قوة رقمية وطنية قادرة على حماية المجال العام من التلاعب والاختراق والهيمنة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبی لم تعد

إقرأ أيضاً:

محافظ سوهاج يعقد اللقاء الجماهيري الأسبوعي لبحث مطالب المواطنين وحل مشكلاتهم

عقد اللواء طارق راشد محافظ سوهاج، اليوم، اللقاء الجماهيري الدوري الذي يعقد يوم الثلاثاء من كل أسبوع بمقر ديوان عام المحافظة، بحضور كمال سليمان نائب المحافظ، واللواء أركان حرب أحمد السايس السكرتير العام، والدكتور محمد حلمي السكرتير العام المساعد، إلى جانب عدد من وكلاء الوزارات ورؤساء الجهات التنفيذية بالمحافظة، وذلك في إطار الحرص على تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم .


 

واستمع محافظ الإقليم خلال اللقاء الذي شهد حضورًا كبيرًا من المواطنين من مختلف مراكز المحافظة، إلى عدد من الشكاوى والطلبات المتنوعة، والتي شملت توفير فرص العمل بالقطاع الخاص، وطلبات العلاج على نفقة الدولة، والحصول على المساعدات الاجتماعية ومعاشات "تكافل وكرامة"، بالإضافة إلى طلبات ترخيص الأكشاك، ودعم الأشخاص من ذوي الإعاقة، وتيسير إجراءات التصالح في مخالفات البناء.


 

وأكد " راشد " حرص المحافظة على الاستجابة السريعة لطلبات المواطنين، موضحا أن هذه اللقاءات تعكس التزام المحافظة بتحقيق التنمية المستدامة، والارتقاء بمستوى المعيشة، مؤكداً أن العمل الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين يمثلان أحد الركائز الأساسية في تحقيق التنمية والاستجابة الفورية لمطالب أبناء المحافظة.


 

وفي سياق آخر استعرض اللواء طارق راشد، محافظ سوهاج، الموقف التنفيذي لملف تقنين أوضاع اليد على أملاك الدولة الخاصة، للوقوف على نسب الإنجاز، وعدد العقود المحررة، وحجم قطع الأراضى المستردة بالمنظومة على مستوى المحافظة.


 

جاء ذلك خلال اجتماع موسع بحضور كمال سليمان نائب المحافظ، واللواء أركان حرب أحمد السايس السكرتير العام، ورؤساء الوحدات المحلية للمراكز والمدن، والمسؤولين عن ملف التقنين بالمحافظة.


 

ناقش المحافظ خطة استغلال الأراضى المستردة التابعة لولاية المحافظة، مشيراً إلى إمكانية توجيهها لتنفيذ مشروعات المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، أو إقامة مشروعات تنموية وخدمية، أو طرحها للإسكان الاجتماعي والاستثمار الخاص، بهدف تعظيم موارد المحافظة، ودفع عجلة التنمية، ومنع التعدي عليها مجدداً.


 

وخلال اللقاء وجه المحافظ رؤساء الوحدات المحلية بضرورة التواصل مع المواطنين بشتى الوسائل المتاحة لسرعة التقدم وتقنين أوضاعهم على المنصة الوطنية لتقنين أراضي الدولة، مؤكداً أن آخر موعد للتقديم هو يوم 19 من الشهر الجاري.


 

ومن جانبه، شدد كمال سليمان، نائب محافظ سوهاج ، على أهمية المتابعة الميدانية اليومية لملف التقنين، موجهاً رؤساء المراكز والمدن بتذليل كافة العقبات أمام المواطنين الجادين لإنهاء إجراءاتهم، ومؤكداً أن المحافظة لن تتهاون في استرداد حق الشعب وفرض هيبة الدولة على الأراضي المتعدى عليها.


 

وفي السياق ذاته، عرض السكرتير العام للمحافظة اللواء أركان حرب أحمد السايس الموقف العام للمنظومة، مشدداً على رؤساء المدن ومسؤولي الملف بضرورة رفع صور العقود المحررة على المنظومة الإلكترونية خلال 48 ساعة، والتعاون الكامل لسرعة استكمال حصر الأصول لإدراجها على الخريطة التفاعلية بإدارة المساحة العسكرية.

مقالات مشابهة

  • %34.3 نمو الأصول الأجنبية للبنوك الوطنية خلال عام
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • محافظ سوهاج يعقد اللقاء الجماهيري الأسبوعي لبحث مطالب المواطنين وحل مشكلاتهم
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟