وأد فتنة ديسمبر.. ميلاد عصر القوة الإقليمية وسيّد البحار
تاريخ النشر: 3rd, December 2025 GMT
تقف الكَياناتُ الأممية مشدوهة ومبهوتة أمام البأس والصمود اليماني المستحكم، هذا الصمود الأُسطوري الذي تأصّل وتجذّر في تربة العزة والكرامة، ونما كشجرة باسقة في وجه أعتى عدوان كوني غاشم شهده التاريخ الحديث.
إنه ليس مُجَـرّد ثبات راكز على الأرض، بل هو منعطف استراتيجي فارق في مسار الأُمَّــة، حَيثُ أضحى اليمن الشامخ قبلة الأحرار الصادقين ومعيارًا للفعل الرادع الصارم.
وفي خضم هذه الملحمة الكبرى ذات الفصول الدامية، ظهرت مكائدُ خبيثة ومحاولات خسيسة لنسف السد المنيع للجبهة الداخلية، في ما بدا أنه الرمق الأخير والفصل المبتذل من مسرحية العدوان الكوني البغيض.
حين استنفذ تحالف العدوان الغاشم على اليمن كُـلّ ترسانة الوغى المُحكمة وأدوات القصف الجهنمي، لم يبق لديهم سوى خنجر الغدر المسموم المستل من ضلوع الداخل المنهك.
لقد كانت محاولة تقويض الصرح الداخلي اليمني في 2 ديسمبر عام 2017 هي النفَس الأخير للتحالف المتداعي والمتهالك، فبعد أن أذعنت أمريكا وأبناؤها الصهاينة لحقيقة عقم عدوانهم المستطير، وإدراكهم أن جزءًا من الشعب اليمني قد تغلغل فيه روح الصمود الأبدي؛ لم يجدوا سبيلًا سوى تفجير بؤرة الفتنة المتربصة في عمق الشراكة الوطنية.
عندما أدركت الولايات المتحدة الأمريكية المتغطرسة والمُستكبرة، والكيان الصهيوني الغاصب المستأثر، وتحالف العدوان المتخاذل والمُخفق، أن اليمن عصي على الانكسار من خارج حدوده، وأن صواريخه ومسيراته قد تجاوزت خطوط الاحتواء المرسومة، وأن إرادَة شعبه المتوثبة فوق كُـلّ سلطة وإغراء؛ لم يبق لديهم سوى تفجير البركان الهامد من الداخل.
وكانت فتنة الخائن علي عبد الله صالح (عفاش) هي الضربة القاصمة التي ظنوا أنها ستُحقّق المستحيل الذي عجزت عنه أكثر من نصف المليون من الغارات وحصار ثلاث عجاف من السنين.
لم تكن هذه الانتفاضة الخيانية عملًا ارتجاليًّا عابرًا، بل جاءت في سياق تواطؤ مفضوح ومُخزٍ ينافي أي مبدأ من مبادئ الوطنية الصادقة، حَيثُ تَرَبّع سعر العملة في سوق الخيانة الرائجة عاليًا، حين بث عفاش قبل الانتفاضة المشؤومة تصريحاته المجدولة بحبال الارتهان، مُديرًا وجهه صوب تل أبيب والكيان الصهيوني قائلًا: «تعالوا يا (إسرائيل) نطبِّع معاكم».
هذه التصريحات المُدوية والماجنة لم تكن سوى إشارة البدء لتحالف الشر لتوفير الغطاء والدعم اللوجستي لتنفيذ المخطّط الهدام المدسوس، مُعلنًا بها عن تحول جذري من الشراكة الوطنية العفيفة إلى الغرق في مستنقع العمالة المُنتن.
لكن الإرادَة الإلهية الكلية كانت أقوى، ويقظة القيادة الحكيمة ووعي الشعب المتأجج بالبصيرة كانا لهما بالمرصاد، وتم وأد هذه الفتنة في مهدها البكر، وانتهت بمصرع زعيمها الأثيم، لـيُطوى بذلك سجل طويل من المكائد الدنيئة وتُطوى آخر صفحة من محاولات التقويض الداخلي المُمنهج.
إن هذا الانتصار ليس مُجَـرّد حدث أمني عابر، بل هو نعمة عظمى أنعم الله بها على اليمن وأهله، جزاءً لصبرهم الجميل وتضحياتهم وصمودهم المثالي المشهود.
ولو نجح هذا المخطّط الخبيث لا قدر الله، لكانت اليمن قد انشطرت إلى دويلات متناحرة، وتحولت إلى ساحة حرب أهلية متناهية الأطراف والويلات، ولما كان اليمن اليوم قوة إقليمية ضاربة ذات ثِقَل في حسابات المنطقة.
لقد كانت الثمرة اليانعة لوأد الفتنة هي التفرغ الكلي لخوض المعركة المحورية مع الكيان المحتلّ وداعميه.
ففي ساعة العسرة الغزّية، لم يتردّد اليمن المُتحرّر من الأغلال في تلبية نداء الضمير الحي والواجب الديني والقومي، حَيثُ أصبحت اليمن اليوم السند المتين والركيزة القوية لغزة والمقاومة الفلسطينية، مُدكّةً العمق الصهيوني بصواريخ البأس اليماني العاتية، ولم يتوانَ في إغلاق المضيق على الملاحة الآثمة المرتبطة بالكيان، ومنع التجارة الصهيونية في البحر الأحمر والعربي، محوّلًا إياهما إلى بحيرة للردع اليمني المُفاجئ.
والأهم من ذلك كله، هو مواجهة أمريكا وتحالفها المسموم «حارس الازدهار» لفترة واحد وخمسين يومًا من الاشتباك المباشر، والتي نجحت فيها القوات المسلحة اليمنية في إخراج أمريكا عن المعادلة برمتها، جاعلةً إياها تترك الكيان الصهيوني يواجه مصيره المحتوم أمام بأس الصواريخ والمسيرات اليمنية التي لا تُخطئ هدفها.
إن وأدَ فتنة عفاش هو قصةُ النجاة العظمى لليمن، والبُوصلة التي حدّدت مسار اليمن الجديد، ليتحول من بلد يقاوم الاحتلال والعدوان الخارجي الدنيء إلى قوة إقليمية مُحرّرة تعيد توزيع موازين القوة الراسخة في المنطقة، وتقف كصخرة صلدة صماء تتكسر عليها أحلام الهيمنة والتطبيع والانصياع.
فالشكرُ والثناء لله وحدَه الذي منّ وتكرَّم على هذا الشعب بنعمة البصيرة الصافية والانتصار المؤزَّر، والذي جعل من تلك اللحظة المهيبة نقطة تحول لانبثاق اليمن الجديد، اليمن العظيم في صموده الأُسطوري، المؤثر في قراره السيادي، والمستقل في سيادته المُطلقة.
وفي مسك الختام، يظل الشعب اليمني الأبيّ، ذو الجَلَدِ الموشى بالإيمان والصبر المستعذَب، مثالًا ساطعًا للصمود الأُسطوري، هذا الشعب الذي خاض غمار أعتى الخطوب وأشرس الملاحم على الثغور الداخلية والخارجية، وبرهن على تفوقه المَهيب في إجهاض ودحر كُـلّ المؤامرات المحاكة والمكائد المُدبرة.
لقد كان وأدُ هذه الفتنة بمثابة الاصطفاء الربّاني والتمكين الإلهي المبارك الذي أعتق موقفه، ليصبح اليومَ موقفًا شريفًا ماجدًا، يتبوَّأ صدارة العزة، ويغدو قاهر كيد المتآمرين، وسيدًا مهابًا على أمواج البحار، يسيّر دفّة النصرة وإغاثة المستضعفين والمنكوبين، معيدًا للأُمَّـة قيمة الشجاعة ونبل المبدأ.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.