هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟
تاريخ النشر: 5th, December 2025 GMT
تكشف تقارير بحثية وإخبارية عن تحول متسارع قد يعيد تشكيل خارطة التوازنات الاقتصادية العالمية، مع تحذيرات واضحة من أن الذكاء الاصطناعي -ورغم وعوده الإنتاجية- قد يصبح عاملًا رئيسيًا في تعميق الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وربما يعيد إحياء ما يشبه "الانقسام الكبير" الذي رافق الثورة الصناعية، وفق تعبير أسوشيتد برس.
وتُجمع مصادر متعددة على أن مكاسب التنمية التي تحققت في العقود الأخيرة أصبحت "معرضة للتآكل"، ما لم تُتخذ سياسات جادة تضمن توزيعًا أكثر عدالة لفوائد التكنولوجيا.
فجوة قدرات تتسعيقدم مركز التنمية العالمية (Center for Global Development) قراءة دقيقة للفوارق الهيكلية التي تسبق دخول الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق، موضحًا أن الدول مرتفعة الدخل تمتلك بنية رقمية متقدمة، واستثمارات ضخمة، ونظم بيانات معقدة، تمنحها قدرة شبه احتكارية على تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير المركز إلى أن الولايات المتحدة وحدها جذبت 67.2 مليار دولار من استثمارات الذكاء الاصطناعي الخاصة في 2023 -أي 8.7 مرات أكثر مما جذبته الصين، وفقًا لبياناته- في حين أنتجت واشنطن 61 نموذج ذكاء اصطناعي بارز في العام نفسه.
ويضيف المركز أن اتصال الإنترنت في الدول منخفضة الدخل لا يتجاوز 27% من السكان، مقارنة بـ 93% في الدول الغنية. كما تشكّل كلفة الإنترنت الثابت 31% من الدخل القومي الشهري للفرد في الدول الفقيرة، مقابل 1% فقط في البلدان الغنية، وهو تفاوت يُنظر إليه كعامل بنيوي يعمّق فجوة الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
وتشير تحليلات المركز إلى أن هذه الفوارق ليست تقنية فقط، بل تتحول إلى فجوات في فرص النمو، إذ تعزز الدول الغنية حضورها في القطاعات عالية القيمة مثل التمويل والتصنيع المتقدم وصناعات الدواء والدفاع، بينما تتراجع قدرة الدول الفقيرة على المنافسة حتى في القطاعات التقليدية القائمة على العمالة منخفضة التكلفة، بسبب تسارع الأتمتة في التصنيع والخدمات.
صدمات غير متكافئةمن جهتها تنقل رويترز عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحذيره من نشوء "تباين كبير" بين الدول، نتيجة اختلاف مستويات الاستعداد للتعامل مع التحولات القادمة.
إعلانويقول فيليب شيلكينز، كبير الاقتصاديين في مكتب البرنامج لآسيا والمحيط الهادئ: "نعتقد أن الذكاء الاصطناعي يبشر بعصر جديد من التفاوت المتزايد بين الدول، بعد سنوات من التقارب في السنوات الخمسين الماضية".
وتضيف رويترز أن الدول الغنية، رغم تعرضها لمخاطر فقدان الوظائف نتيجة أتمتة الوظائف عالية المهارة، تمتلك شبكات حماية اجتماعية قوية، وسياسات نشطة لإعادة تأهيل العمال، كما في ألمانيا.
وتواجه الدول منخفضة الدخل واقعًا أكثر هشاشة، مع محدودية الموارد، وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، وارتفاع معدلات العمالة غير الرسمية، ما يجعل أي صدمة ناتجة عن الذكاء الاصطناعي مؤهلة للتحول إلى زيادة الفقر وتعطّل الأسواق.
ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن عدم امتلاك الدول الفقيرة المرونة المالية اللازمة للاستثمار في إعادة المهارات أو تحديث البنية التحتية الرقمية، سيجعلها الأكثر عرضة للاضطراب، في وقت يتحول فيه الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في إدارة الخدمات العامة والاقتصاد.
نماذج التنمية التقليدية تحت الضغطيرصد مركز التنمية العالمية تحولًا مقلقًا في قدرة الدول النامية على الاستفادة من الأنماط التنموية التي قادتها خلال العقود الماضية، خاصة قطاع التصنيع كثيف العمالة.
فمع توسع استخدام الروبوتات وتقنيات الأتمتة في التصنيع، يتراجع الدور التاريخي لهذا القطاع في استيعاب العمالة ونقلها من الأنشطة الريفية إلى الصناعية، وهو ما كان عنصرًا جوهريًا في نجاح نماذج النمو في آسيا.
ويضرب المركز مثالًا ببنغلاديش، حيث تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 60% من وظائف قطاع الملابس قد تختفي بحلول 2030، بسبب دخول الأتمتة والذكاء الاصطناعي في مراحل الإنتاج المختلفة، من التفتيش إلى القص والخياطة.
ولا تبدو البدائل أوضح حالًا؛ إذ أصبحت الخدمات الموجّهة للتصدير -خصوصًا مراكز الاتصال وخدمات تكنولوجيا المعلومات- عرضة للتراجع مع توسع قدرة الذكاء الاصطناعي على تأدية المهام نفسها بكفاءة أعلى وكلفة أقل، ما قد يحدّ من الدور الاقتصادي الذي لعبته دول مثل الفلبين والهند خلال العقود الماضية.
الإنسان قبل التقنيةتنقل أسوشيتد برس في تقريرها عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن المخاطر ليست فقط في الاقتصاد، بل بواقع الإنسان نفسه، محذّرة من أن الفئات الأكثر تهميشًا -من كبار السن، إلى المجتمعات الريفية، والمتضررين من النزاعات وتغيّر المناخ -قد تصبح "غير مرئية في البيانات"، وبالتالي خارج نطاق سياسات الدعم والخدمات.
ويقول مايكل موثوكريشنا، المؤلف الرئيسي للتقرير، في تصريحات نقلتها الوكالة: "نحن نبالغ في تقدير دور التكنولوجيا… ويجب أن نضمن أن يكون الإنسان أولًا، لا التقنية أولًا".
ويضيف التقرير أن ربع سكان آسيا والمحيط الهادئ لا يزالون خارج الإنترنت، ما يعني أنهم قد يُستبعدون من فرص التعليم الرقمي، والوظائف الجديدة، وأنظمة الدفع، والهويات الرقمية، والخدمات الأساسية.
كما يحذّر من مخاطر الهجمات السيبرانية المؤتمتة، والتزييف العميق، وانتهاكات الخصوصية، مؤكدًا ضرورة وضع أطر تنظيمية صارمة تضمن استخدامًا أكثر عدالة وشفافية للذكاء الاصطناعي.
المستقبل لم يُكتب بعدوتتفق أسوشيتد برس ورويترز ومركز التنمية العالمي على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد عدم المساواة داخل الدول وبينها، لكن الصورة ليست قدَرية؛ إذ يمكن للسياسات الصحيحة -من التعليم إلى البنية الرقمية، ومن الحماية الاجتماعية إلى التعاون الدولي -أن تضمن أن تتحول التقنية إلى رافعة للتنمية لا أداة لإعادة إنتاج التفاوت العالمي.
إعلانويوصي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ختام تقريره أن يكون الهدف المركزي هو: "ديمقراطية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، بحيث تستفيد منه كل دولة وكل مجتمع، مع حماية الفئات الأكثر عرضة للصدمات".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الذکاء الاصطناعی الدول الفقیرة الأمم المتحدة الدول الغنیة إلى أن
إقرأ أيضاً:
وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع طفيف، بعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الأسابيع الماضية، بينما عززت التطورات الإيجابية في قطاع الذكاء الاصطناعي ثقة المستثمرين بأسهم التكنولوجيا، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
وتراجع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنحو 166 نقطة، ما يعادل 0.33 بالمئة، ليصل إلى 50,912 نقطة، بينما انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.06 بالمئة إلى 7,595 نقطة، وتراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بنسبة 0.21 بالمئة إلى 27,030 نقطة.
ورغم الأداء السلبي للمؤشرات، تلقى قطاع الذكاء الاصطناعي دفعة قوية بعد إعلان شركة "هيوليت باكارد إنتربرايز" نتائج مالية فاقت توقعات الأسواق، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقفز سهم الشركة بنسبة تراوحت بين 25 و29 بالمئة، بعدما رفعت توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026 إلى ما بين 29 و33 بالمئة، كما أعلنت تقديم أهدافها المالية المقررة لعام 2028 إلى العام الجاري، مستفيدة من الطلب المتنامي على تقنيات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وتوسعات مراكز البيانات.
كما كشفت الشركة عن إطلاق خوادم جديدة تعتمد على معالجات "فيرا" من شركة إنفيديا، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
في المقابل، أعلنت شركة "ألفابت"، المالكة لمحرك البحث "غوغل"، خطة لجمع 80 مليار دولار بهدف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها، بحسب تقارير اقتصادية أمريكية.
وتشمل الخطة استثمارا خاصا بقيمة 10 مليارات دولار من شركة "بيركشاير هاثاواي" التابعة للملياردير الأمريكي الشهير وارن بافيت، فيما تسعى ألفابت إلى رفع إنفاقها الرأسمالي خلال عام 2026 إلى ما بين 180 و190 مليار دولار.
ورغم ضخامة المشروع، تراجع سهم "ألفابت" بنحو 2.3 بالمئة، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الطرح الجديد للأسهم على قيمة حصصهم الحالية.
وامتدت موجة التفاؤل إلى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سوبر ميكرو كمبيوتر" بنسبة 5.6 بالمئة، بينما صعد سهم "ديل" بنحو 3 بالمئة.
كما واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها، إذ ارتفع سهم "إنفيديا" بنسبة 2.6 بالمئة، في حين قفز سهم "برودكوم" بنسبة 4.5 بالمئة، في ظل استمرار الرهانات على النمو السريع لسوق الذكاء الاصطناعي عالميا.
ويرى محللون أن الأداء القوي للشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعكس تحولا متزايدا في توجهات المستثمرين نحو القطاعات التكنولوجية القادرة على الاستفادة من الطفرة الحالية، رغم الضغوط التي تواجه الأسواق نتيجة ارتفاع التقييمات وجني الأرباح بعد المكاسب القياسية الأخيرة.