صالح البحار (سريلانكا)

في مشهدٍ تختلط فيه قسوةُ الطبيعة بصلابة الإرادة الإنسانية، واصلت عناصر فريق البحث والإنقاذ الإماراتي عملها في عمق جبال كاندي السريلانكية، حيث وقع أحد أعنف الانهيارات الأرضية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مُخلِّفاً دماراً واسعاً وقرى مفقودة تحت الركام. فمنذ ساعات الصباح الأولى، تحرك فريق الإمارات التابع لهيئة أبوظبي للدفاع المدني نحو منطقة أنكومبورا التي أصبحت اليوم عنواناً لمأساة إنسانية تتكشف تفاصيلها لحظةً بعد أخرى.

لم يكن الوصول إلى موقع الكارثة مهمةً عاديةً، بل أشبه برحلة في قلب التضاريس الجبلية الأكثر خطورة في البلاد. فالطرق المؤدية إلى المنطقة انهارت أجزاء كبيرة منها، وتحولت مساراتها إلى ممرات زلقة تتهاوى حوافّها عند كل خطوة. الانحدارات الحادة التي تقطع سفوح الجبال فرضت على الفريق تقدماً حذراً ودقيقاً، في وقتٍ كانت فيه الانهيارات الجزئية تتواصل في الموقع، مما جعل المهمة اختباراً مضاعفاً للشجاعة والخبرة. 
ورغم هذه التحديات، تمكن فريق الإمارات من دخول المنطقة المنعزلة والوصول إلى النقطة التي جرف فيها الانهيار الأرضي ستة عشر منزلاً دفعة واحدة، في مشهدٍ حوّل الوادي إلى كتلة هائلة من الطين والصخور والأشجار المقتَلعة.
بوصوله إلى الموقع قبل أي فريق إنقاذ آخر، فتح فريق الإمارات الطريق أمام عمليات البحث التي كانت متوقفة بسبب صعوبة الدخول إلى المنطقة.

وشكّل هذا السبق نقطة تحول في سير العمليات، إذ بدأ الفريق فوراً في تحديد النقاط الأكثر احتمالاً لوجود ناجين أو ضحايا، معتمداً على خبرات ميدانية واسعة في التعامل مع الكوارث الطبيعية المعقدة.
خلال ساعات العمل الأولى لليوم الثاني، تمكنت فرق البحث من انتشال عشر جثث من تحت الركام ومن مجرى الوادي، في عملية استغرقت جهداً كبيراً بسبب الكثافة البالغة للترسبات التي دفنت المنازل بالكامل. وتستخدم الفرق معدات متخصصة في الحفر الدقيق، إلى جانب كلاب وحدة K9، للبحث عن أي مؤشرات على وجود مفقودين. 
ورغم الانهيارات المتكررة التي تهدد بإغلاق الممرات التي فُتحت بشق الأنفس، يواصل أفراد الفريق تمشيط المنطقة متراً بعد متر، وسط درجات رطوبة عالية وتربة غير مستقرة تزيد من صعوبة العمل. 
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أكد العميد مظفر محمد العامري، قائد فريق الإمارات للبحث والإنقاذ، التابع لهيئة أبوظبي للدفاع المدني، أن ما نشهده هنا في منطقة كاندي بسريلانكا هو واحدة من أكثر الكوارث تعقيداً التي تعاملنا معها في السنوات الأخيرة.

أخبار ذات صلة الإمارات: رفض محاولات تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية».. دعم أهل غزة أولوية رئيسية

وأضاف أن الوصول إلى الموقع كان تحدياً كبيراً نتيجة الانحدارات الحادة وعدم استقرار التربة، ومع ذلك تمكّن فريقنا من دخول المنطقة المنعزلة ليكون أول فريق إنقاذ يصل إلى موقع الكارثة منذ وقوعها.
وأضاف: «إن مشاركتنا هنا تعكس التزام دولة الإمارات بدعم الشعوب المتضررة حول العالم، وتأكيد دورنا في الاستجابة للكوارث الطبيعية أينما وُجدت. رسالتنا واضحة: التعاون الدولي في مثل هذه الظروف ليس خياراً، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح وتقليل آثار الكارثة على المجتمعات المحلية».
وتابع: «سنواصل عملنا بلا توقف، حتى نكمل مهمتنا الإنسانية بالشكل الذي يليق بثقة الدولة وبحجم المعاناة التي نراها على الأرض».
وأوضح العامري، على أطراف موقع الكارثة، يقف عشرات من سكان المنطقة، بعضهم فقد منزله، وبعضهم ينتظر خبراً عن فردٍ من عائلته. ورغم حجم الفاجعة، يظل الأمل بينهم حاضراً، يتشبثون به مع كل حركة يقوم بها أفراد الفريق، ومع كل توقف لكلاب البحث، ومع كل أداة تُرفع من فوق الركام. مشاهد الانتظار تختلط بالدموع والدعاء، في لحظة إنسانية تختزل كل ما يمكن أن تفعله الطبيعة حين تنقلب، وكل ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يواجهها.

وأكد العامري أن فريق الإمارات يعمل بشكل وثيق مع الجهات السريلانكية المختصة، ضمن غرفة عمليات مشتركة تتابع آخر المستجدات وتحدد الأولويات وفقاً لطبيعة الموقع وصعوبة تضاريسه. 
وتأتي مشاركة الإمارات امتداداً لنهجها الدائم في الاستجابة للكوارث الإنسانية حول العالم، ووقوفها إلى جانب الدول الصديقة في اللحظات الحرجة، عبر تقديم الدعم العاجل لعمليات الإنقاذ والإغاثة.

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: سريلانكا الإمارات فيضانات سريلانكا هيئة أبوظبي للدفاع المدني فرق البحث والإنقاذ فريق الإمارات للبحث والإنقاذ فریق الإمارات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • فريق من الخبراء الصينيين يصل إلى الكونغو الديمقراطية للسيطرة على فيروس "إيبولا"
  • مصرع شاب وجارٍ البحث عن آخر إثر سقوط دراجتين ناريتين في ترعة الرمادي بإسنا جنوب الأقصر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الأغذية العالمي: المساعدات الحالية للبنان لا تكفي لمواجهة الكارثة الإنسانية
  • "الأغذية العالمي": المساعدات الحالية للبنان لا تكفي في مواجهة الكارثة الإنسانية
  • اتفاق أوروبي مؤقت يمهد لدراسة إنشاء مراكز لترحيل المهاجرين خارج الاتحاد
  • لخويا توقع إطار تعاون لاستضافة وتنظيم التمرين العالمي للبحث والإنقاذ 2026
  • اتفاق مؤقت بين البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي يمهد لإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى