ديبلوماسية الفاتيكان الصامتة تمنح الغطاء لحصرية السلاح
تاريخ النشر: 6th, December 2025 GMT
كتبت " اللواء": يقف لبنان أمام مفترق حقيقي: فبين ديبلوماسية تحاول بناء شبكة أمان دولية، وخصم يلوّح بالحرب، تتقلّص خيارات الدولة إلى حدّ شبه معدوم. لا قدرة له على فرض إيقاعه، ولا ضمانات بأنّ المجتمع الدولي قادر على كبح اندفاعة تل أبيب، التي ترى في الظرف الإقليمي فرصة لتعديل التوازنات مع حزب لله وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.
وسط هذا المشهد، يظهر العامل الروحي عبر زيارة البابا كرسالة دعم للاستقرار تماماً كمبادرة سياسية حوارية تتعلّق بالسلاح. وفتحت الزيارة الباب أمام مقاربة فاتيكانية جديدة تؤسّس لمتابعة دقيقة للملف اللبناني بتفاصيله السياسية والاقتصادية والكنسية.
ما يميّز الحركة الفاتيكانية الأخيرة ليس الجانب الرمزي فحسب، بل تبنّي مقاربة مختلفة تتعامل مع لبنان بوصفه ملفاً يحتاج إلى متابعة يومية لا إلى مواقف ظرفية. فالكرسي الرسولي، الذي كان يكتفي سابقاً بالتعبير عن قلقه على الوجود المسيحي ودور الدولة، انتقل إلى موقع أكثر تقدّمية، واضعاً الإصلاح وحصرية السلاح في صلب أولوياته.
البابا أشار بوضوح إلى ضرورة الخروج من منطق السلاح والعنف في إتجاه مساحات حوارية قادرة على نقل البلد من ضفّة إلى أخرى، مع تأمين الغطاء الروحي لهذا الانتقال.
وظهر أن الفاتيكان بات أكثر مباشرة في مقاربته للمشهد المسيحي في لبنان. فالتشرذم داخل القوى المسيحية، وتضارب المصالح، والتعثّر في صوغ رؤية مشتركة لدورهم داخل الدولة، كلها عوامل جعلت البابا يشير بوضوح إلى مسؤولية «السياسيين المسيحيين المعنيين بحياة اللبنانيين». هذه الرسالة توحي بنفاد صبر دولي من عدم قدرة هذه القوى على الخروج من الانقسامات التي ساهمت في تعطيل المؤسسات وعرقلة كل مسار إصلاحي.
أما اقتصادياً، فيظهر تركيز البابا على أن تكون الإصلاحات «لا تؤذي شباب لبنان» كإشارة إلى أن الفاتيكان يرفض مقاربات تقشفية قد تدفع بالمزيد من اللبنانيين إلى الهجرة. وسيضغط الكرسي الرسولي في اتجاه حلول توازن بين متطلبات التعافي المالي والحفاظ على الخدمات الأساسية، مما يجعل الإصلاح مساراً واقعياً لا عبئاً إضافياً.
كما أبدى البابا نية واضحة بوجوب إعادة ترتيب البيت الكنسي نفسه، عبر رفع مستوى المساءلة وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات الرعوية والاجتماعية. تحمل هذه الخطوة دلالتين: الأولى أنّ الفاتيكان يرى أنّ ترميم المؤسسات الكنسية ضرورة للتماسك الاجتماعي، خصوصاً في ظل انهيار معظم شبكات الدعم الرسمية، والثانية أنّ الإصلاح يبدأ من الداخل قبل مطالبة القوى السياسية بالاقتداء.
مع هذه المقاربة الجديدة، يعود الفاتيكان لاعباً مؤثّراً في المشهد اللبناني، ليس من موقع الوصاية، بل من موقع الضغط الهادئ الذي يسعى إلى منع انهيار ما تبقّى من ركائز الدولة والمجتمع. فهل يستطيع لبنان تحويل الرجاء إلى سياسة، أم أنّ الواقع الإقليمي سيبقى أقوى من أي مسعى للحل؟.
وكتبت ليليان خوري في" النهار":زيارات البابا الأخرى جديرة بالتقدير والتنويه للناحية الإنسانية والمجتمعية خصوصاً لمستشفى راهبات الصليب فهناك من أتى ليقول: لستم وحدكم بعد اليوم خصوصاً مع تلكؤ السلطة في مساعدة المؤسسات الإنسانية.
تأكيد البابا على الوحدة بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين شهادة صلبة في وجه إسرائيل التي تعمل على كسر هذه الصورة الجامعة للبنان الرسالة.
إعلان قداسته أنه سيحمل لبنان قضية في المحافل العالمية وفي كل اتصالاته الدولية رسالة مهمة إلى الفكر التوسعي الإلغائي الذي يرغب في كتابة شرق أوسط جديد يقوم على انقاض أوطان تجذرّت في الأرض شلوشاً وحلّقت في السماء شموخاً، وفاحت من ترابها القداسة.
أوطانٌ مهما صغرت مساحتها ستبقى صامدة لن تقوى على اقتلاعها أي قوة، طبعاً إذا أحسنّا قراءة رسائل البابا للسلام، وتأكيده وتحديثه للإرشاد الرسولي الذي طبعه البابا لاوون الرابع عشر في زيارته لبنان.
فهل من يتعظ ويتلقّف؟ مواضيع ذات صلة الرئاسة اللبنانية: الوفد الأممي أبدى دعمه للاستقرار عبر تطبيق القرارات الدولية ودعم الجيش وتطبيق حصرية السلاح Lebanon 24 الرئاسة اللبنانية: الوفد الأممي أبدى دعمه للاستقرار عبر تطبيق القرارات الدولية ودعم الجيش وتطبيق حصرية السلاح
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: البابا لاوون الرابع عشر فی حصریة السلاح رسالة دعم Lebanon 24 م
إقرأ أيضاً:
"لولاي لكنت في السجن".. هل رفع ترامب "الغطاء الأخير" عن عناد نتنياهو؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قراءة في الشروخ العميقة بين "سيد البيت الأبيض" وحليفه الصعب.. كيف تحولت الشراكة الاستراتيجية إلى توبيخ مهين؟ ولماذا أنقذت واشنطن بيروت من كارثة محققة؟
لم تكن الكلمات المفتتة التي سربها موقع "أكسيوس" الأمريكي حول المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هي بمثابة "زلزال سياسي" كشف عن شروخ غائرة في جدار التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب. عبارة ترامب الفجة والصادمة: "أنت مجنون تماما. لولا أنا لكنت في السجن"، لم تكن مجرد تعبير عن غضب لحظي، بل تعكس تحولا جذريا في طريقة إدارة واشنطن لحليفها الأكثر "تمردا" في الشرق الأوسط.
من يقرأ ما وراء سطور هذا التسريب المدوي، يدرك أن الصبر الأمريكي تجاه الاستراتيجية التي يتبعها نتنياهو قد نفد بالفعل. لطالما اعتبر نتنياهو نفسه "الابن المدلل" للتيار اليميني الأمريكي، مستندا إلى شبكة أمان سياسية وعسكرية وفرتها له الإدارات الأمريكية المتعاقبة. لكن حين يأتي التوبيخ من ترامب شخصيًا وبمثل هذه القسوة، فإن القراءة الاستراتيجية للمشهد تفرض علينا التوقف أمام دلالات بالغة الخطورة والتأثير.
لأول مرة في تاريخ العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، يربط رئيس أمريكي بين استمرار الدعم الدبلوماسي لبلد حليف، وبين المصير الجنائي والشخصي لرئيس وزرائه ترامب عندما قال لنتنياهو "أنا أنقذك"، كان يذكره بوضوح بالملفات القضائية والسياسية الداخيلة التي تلاحق "بيبي" في الداخل الإسرائيلي، وهي إشارة واضحة إلى أن الغطاء الأمريكي الذي يحمي نتنياهو من السقوط والمساءلة ليس شيكا على بياض، وأن واشنطن قادرة على سحبه في أي لحظة إذا ما هددت تصرفات تل أبيب المصالح العليا للولايات المتحدة.
كواليس المكالمة تكشف أن العاصمة اللبنانية بيروت كانت على مسافة خطوة واحدة من سيناريو كارثي يشبه تدمير قطاع غزة اعتراض ترامب الحاد على الضربات التي تسبب خسائر جسيمة بأهداف محدودة يعكس وعيا أمريكيا بأن توسيع رقعة الحرب إلى العاصمة اللبنانية لن يؤدي إلى تركيع حزب الله، بل سيفجر حزاما من النار يلتهم الإقليم بأكمله. التراجع الإسرائيلي الفوري عن ضرب بيروت -كما أكدت المصادر العبرية- يثبت أن القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل لا تزال تخشى العزلة الدولية الشاملة، وأنها لا تملك القدرة على خوض حرب إقليمية واسعة دون لوجستيات الدعم الأمريكي.
مفاوضات إيران
يتضح من التحليل الدبلوماسي للمكالمة أن ترامب، الذي يعتز دائما بعقليته كصانع صفقات يرى في تصعيد نتنياهو "لغما موقوتًا يفخخ مساعيه الدبلوماسية مع طهران. واشنطن تدير حاليا خطوط تفاوض خلفية ومعلنة مع إيران لترتيب أوراق المنطقة وإيجاد صيغة تهدئة شاملة، وكان التهور الإسرائيلي في لبنان سيعصف بهذه المفاوضات بعدما لوحت طهران بالانسحاب.
ترامب وجد نفسه أمام حليف محلي يغامر بـ"الاستراتيجية الكبرى" للولايات المتحدة من أجل حسابات بقائه السياسي الشخصي، ومن هنا كان الغضب العارم.
تراجع تكتيكي أم عناد مستمر؟
رغم رضوخ نتنياهو للتحذير الأمريكي بشأن بيروت، إلا أن إصراره في بيانه اللاحق على مواصلة العمليات في جنوب لبنان يشير إلى أنه يحاول المناورة في المساحة الضيقة المتبقية له. هو يعلم أن إنهاء الحرب دون "صورة نصر" واضحة يعني نهايته السياسية، لذلك يحاول الحفاظ على وتيرة القتال في الجنوب كخط رجعة، مستغلا إقرار ترامب بحق إسرائيل في "الرد".