د. محمد بن خلفان العاصمي

التعليم ليس مجرد عملية معرفية مجردة، إنما هو استثمار وطني يُترجم إلى قوى بشرية فاعلة ومنتجة، وسوق عمل فعّال، واقتصاد مستدام نامٍ، وكلما كانت العلاقة بين التعليم وسوق العمل مترابطة، كانت التنمية أسرع وأكثر استدامة.

هذه المقدمة هي جوهر هذا المقال، والفكرة التي أحاولُ أن أناقشها ببساطة تتمثل في العلاقة بين العناصر الثلاثة، وأهمية هذه العلاقة في بناء اقتصاد قوي ومستدام، ويمكن القول بأن هذه العناصر تشكل طرف المعادلة الاول المساوي للاقتصاد المتين، وهي تتناسب طرديًا مع بعضها البعض بلغة المعادلات الرياضية.

التعليم:

يبرز التعليم كأهم عنصر من هذه العناصر، كونه الركيزة التي تبنى عليها بقية العناصر، فالتعليم مناط به اعداد راس المال البشري، والتعليم هو حجر الزاوية بالنسبة للتنمية في كل مجتمع يسعى للنمو والتطور، ويجب أن يكون التعليم في مستوى عال من الجودة والكفاءة، حيث أن هذا القطاع المتجدد يشهد في كل يوم نقلة جديدة ويتغير باستمرار وفي كل يوم تبرز توجهات عالمية جديدة فيه، وخلال الإعلان الأممي عن أهداف التنمية المستدامة 2030 وضع التعليم الجيد في المرتبة الرابعة من بين الأهداف الاستراتيجية الـ17 التي تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة لدى شعوب العالم، والتعليم الجيد يعني إكساب المتعلمين المهارات والمعارف اللازمة لتحقيق التنمية، هذه المهارات التي عرفت بمهارات القرن الواحد والعشرين.

ينبغي أن نخضع تعليمنا بشكل مستمر للتقييم الدقيق ومتابعة مدى توافقه مع التوجهات العالمية الحديثة في هذا المجال، ومدى تحقيقه للأهداف الوطنية التي بكل تأكيد هي متواكبة مع الاهداف العالمية، والنظر في مواطن الخلل والتحديات التي يواجهها، وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر لا يتحقق بدون صراحة ومكاشفة، ولن يتطور تعليمنا إذا كنا نتجاهل المؤشرات التي لا تتوافق مع رغباتنا، ونضخم تلك التي تتسق مع ما نرغبه، ولابد من الاعتراف بأن هناك تحديات كثيرة تواجه هذا القطاع وتحتاج لمعالجة حتى يقوم بدوره في تحقيق الرؤى المستقبلية، ولكي لا يستمر في المساهمة بتضخم التحديات الحالية التي هو أحد أسبابها.

سوق العمل:

يرتبط سوق العمل بشكل وثيق بالتعليم من خلال التكامل المفترض بين القطاعين، فسوق العمل يلعب دورًا كبيرًا في تحديد أولويات التعليم وصياغة منظومته بشكل كامل، حيث تعتبر احتياجات سوق العمل أحد أهداف التعليم الرئيسية، لذلك تستثمر الشركات الكبرى في الدول المتقدمة في التعليم وتساهم في تمويله بشكل كبير للحصول على الكوادر البشرية المؤهلة بالمعارف والمهارات التي تحتاجها والتي تساهم لديها في تحقيق معدلات عالية من الإنتاجية والنمو والتطور.

وفي العالَم المُتقدِّم تخصص موازنات ضخمة لتمويل التعليم من قبل القطاع الخاص وخاصة في مجال الابتكار والبحث العلمي والتكنولوجيا، هذا الاستثمار الضخم تدرك من خلاله هذه المؤسسات الاقتصادية أن المردود المتحقق سوف يكون عاليًا، وأنها سوف تستعيد هذا الإنفاق العالي من خلال استثمار النتائج، وهنا تبرز أهمية الربط بين القطاعيين فالتعليم من أجل تلبية احتياجات سوق العمل يساهم في رفع كفاءة قطاع الأعمال الذي سوف يحصل على مخرجات بكفاءة عالية، كما أن ذلك سوف يساهم في توجيه التعليم من أجل التنمية ويضمن حصول كل فرد على فرصة وظيفية أو فرصة عمل مناسبة من خلال المهارات التي اكتسبها من التعليم المتقن.

التنمية المستدامة:

ونجاح التعليم في تلبية احتياجات سوق العمل من خلال المخرجات التي تتمتع بالكفاءة العالية والجودة يساهم كل ذلك في تحقيق التنمية في جميع القطاعات، ولذلك أشرنا إلى العلاقة الطردية بين العناصر الثلاثة في بداية المقال، فالتنمية في أي مجتمع تعتمد بشكل أساسي على عنصرين هامين هما الموارد البشرية ورأس المال، وهذه ضمانات أساسية لتحقيق تنمية حقيقية، ولابد من وجود العنصرين معًا وفق كفاءة عالية؛ حيث تؤدي الموارد البشرية المؤهلة بالمهارات والمعارف اللازمة دورًا محوريًا في تحقيق أهداف التنمية ولا بُد من التركيز على قضية التأهيل الجيد والتي تتحقق من خلال التعليم والتدريب الجيدين، كما إن الموارد المالية هامة جدًا في التنمية ووجود اقتصاد قوي يضمن الاستفادة من الموارد البشرية وتوجيهها نحو سوق العمل للمساهمة في زيادة الدخل واستدامة النمو الاقتصادي والذي ينعكس بكل تأكيد على بقية القطاعات.

وهذه العناصر تعد سلسلة متكاملة مترابطة وهكذا ينبغي أن تكون، وتخفق المجتمعات التي تفصل هذه العناصر عن بعضها البعض، وقد نستغرب كثيرًا عندما نسمع عن عدم قدرة دولة ما في مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، ثم نتساءل عن شكل التنمية التي تسعى لها إذا كانت لم تدرك العلاقة الوثيقة والتكاملية بين القطاعين، ومن أجل ذلك لا بُد من وجود جهة منظمة وفاعلة وذات قرار نافذ للإشراف على هذا التكامل في أي بلد يسعى للنمو والتطور والتقدم، وبطبيعة الحال هذا الأمر يعد أحد الأدوار الرئيسية للوحدات التي تقود التخطيط الاستراتيجي للدول، وتلك المؤسسات التي تشرف على الرؤى المستقبلية والاستراتيجيات التنموية، والتي غالبا ما تضع الأهداف وتقيمها وفقًا لسياق واضح وعناصر تقييم محددة.

إنَّ التنمية المستدامة لن تتحقق إلّا من خلال تعليمٍ جيدٍ يُلبي حاجة سوق العمل من المخرجات الماهرة، كما إن سوق العمل لا بُد أن يُساهم في تحديد أولويات التعليم وحاجته من مخرجات ذات مهارات ومعارف تناسبه ومن خلال دعمه للتعليم وتبني سياسات واضحة نحو البحث العلمي والابتكار الذي يرفع من إنتاجيته ويحقق معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة، وكل ذلك يجب أن يكون مُخططًا له بشكل كامل.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • محافظ المنوفية: الأداء الميداني معيار التقييم.. والتلاحم الوطني يدعم مسيرة التنمية
  • في الاحتفال بيوم البيئة العالمي.. جهود وطنية لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية المستدامة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • «عبد الغفار»: الاستثمار في الصحة ركيزة للنمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة
  • مؤسسة وجود وأصحاب المصلحة المعنيين والمتعددين تختتم ورشة العمل حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية
  • برلمانية: العلمين الجديدة نموذج عالمي للمدن الذكية ومركز واعد للاستثمار والتنمية المستدامة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • وزير الخارجية يستعرض المقاربة المصرية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة