بقلم: الدكتور عبد الله الفكي البشير
[email protected]

ختمت البروفيسور آمال قرامي تقديمها للطبعة الثانية التي ستصدر قريباً من كتاب: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، قائلة:
“يصدر المُؤلَف في فترة حرجة من تاريخ السودان استشرى فيها العنف وتفتت فيه النسيج الاجتماعي، وكثرت فيها الخيبات والمآسي وبرزت فيها علامات التراجع عن أهداف الثورة السودانية.

فهل يكون هذا المُؤلَف ملاذ الحائرين/ات والباحثين عن فهم أسباب ما يجري؟”
البروفيسور آمال قرامي
أستاذة الفكر الإسلامي والدراسات الجندرية بالجامعة التونسية، تونس

رئيس مجلس السيادة، إسماعيل الأزهري وإعلان الجهل

نتابع الحديث عن خطاب السيد إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة في السودان. لقد عبَّر السيد الأزهري عن موقفه من القضاء الشرعي، في الخطاب العام الذي ألقاه يوم الاثنين 23 ديسمبر 1968، ونشرته الصحف تحت عنوان: “نص خطاب الرئيس أزهري: ستكون الكلمة العليا للقضاة الشرعيين في هذا البلد”.
لقد غذى خطاب الأزهري مناخ الإرهاب وتخويف المعارضين للقضاء الشرعي وللقضاة الشرعيين ولرجال الدين وللدستور الإسلامي. فقد أورد محمود محمد طه حديث محمد صالح عمر عن خطاب الأزهري، وأعتبر في حديثه تخويف وإرهاب للمعارضين. قال محمد صالح عمر: “إن كلام السيد إسماعيل الأزهري كلام صحيح في جوهره، ونحن نؤيده، ونرجو صادقين أن يتحقق، وأنه الإسلام لا يعرف محاكم مدنية ولا همجية أو شرعية، وأخرى غير شرعية. ونحن نتعجب هل هي حملة ضد رئيس مجلس السيادة، أم أنها جزء من الحملات المسعورة ضد الإسلام”. علَّق محمود محمد طه، قائلاً هذا هو الإرهاب والتخويف، فعبارة “جزء من الحملات المسعورة ضد الإسلام” تخيف المعارضين والأذكياء من المثقفين. فكأن مهاجمة القضاء الشرعي، والقضاة الشرعيين تعني مهاجمة الإسلام، وكأن القضاة الشرعيين والإسلام شىء واحد، “إن هاجمت القضاة الشرعيين، هاجمت الإسلام”. وأضاف محمود محمد طه، قائلاً: هذا هو الإرهاب الذي يجوز على كثير من المثقفين، وكثير من الأذكياء. لكن، يجب التمييز بين رجال الدين والدين، والأمر الصحيح هو أن “القضاة الشرعيين ضد الإسلام، وأن من يسمون برجال الدين، عاشوا على الدين طول المدى، لم يعيشوا له ولم ينصروه في أي وقت بل شوهوه في أذهان الناس.
أثناء حديثه عن مناخ الإرهاب والتخويف، أشار محمود محمد طه لمواقف المثقفين الأذكياء من خطاب الأزهري، وقال بأنهم “علقوا وخافوا”. فاستشهد بمواقف اثنين من المثقفين، قائلاً: “أنا شديد الإحترام لرجلين من [ناسنا]، بابكر عوض الله وعبدالخالق [محجوب]” ، لكن بابكر عوض الله، مثلاً، قال: “قد جاء حديث الرئيس أزهري أبعد ما يكون من الذكاء والفطنة وبعد النظر. ولم يحالفه التوفيق قط فيما قال”. لكنه عندما جاء لمواجهة الدستور الإسلامي والدعوة للإسلام، فإن هجومه، كما يقول محمود محمد طه لم يستمر، بل “ماع”، فقد قال بابكر عوض الله: “ونحن نعتبر ما قاله حركة انصرافية لشغل الناس عن مشاكل البلاد الأساسية”. رفض محمود محمد طه قول بابكر عوض الله بأن مسألة الأزهري مسألة انصرافية، وقال إذا أخذنا المسألة انصرافية، كما قال بابكر عوض الله، فكأنه يجب علينا أن نهملها، لكن المسألة في الحقيقة أساسية، فهي تأتي بالجهالة باسم الدستور الإسلامي، ولذلك فإن خطورتها كبيرة. ثم أضاف، قائلاً: بنفس قدر تورط عبدالخالق محجوب حينما اعتبر مسألة الدعوة للدستور الإسلامي عند الأزهري، مسألة انصرافية. خلص محمود محمد طه، قائلاً: “أنا أفتكر أن الإرهاب وعدم المعرفة بالإسلام، هو الذي ساق هذين الرجلين المثقفين الشجعان، إلى تمييع هجمومهم على موقف السيد إسماعيل الأزهري”.
أيضاً، لم يكن الرئيس الأزهري بعيداً عن مؤامرات القضاة الشرعية ورجال الدين من أجل محكمة الردة، إلى جانب موقفه من محاضرة محمود محمد طه، وسعيه لجعل الكلمة العليا في البلاد للقضاء الشرعيين، كان الأزهري قد تلقى نداء الأمين داود، آنف الذكر، ونسخة من كتابه: نقض مفتريات محمود محمد طه. وقد تلقى الأمين داود رداً من مكتب رئيس مجلس السيادة، جاء في نص الرد:

القصر الجمهوري: الخرطوم
في 9 ديسمبر سنة 1968
فضيلة الأستاذ الأمين داود
جامعة أم درمان الإسلامية
تحية طيبة واحتراماً
بتوجيه من السيد الرئيس إسماعيل الأزهري أنقل إلى سيادتكم شكر فخامة السيد الرئيس على هديتكم القيمة وهي عبارة عن نسخة من مؤلفكم (نقض مفتريات محمود محمد طه).
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
عبد الرحمن أحمد المهدي
مدير مكتب السيد: رئيس مجلس السيادة

موقف عضو مجلس السيادة، الفاضل البشرى المهدي

تلقى السيد الفاضل البشرى المهدي، عضو مجلس السيادة نسخة من نداء الأمين داود آنف الذكر “إلى ولاة الأمر في السودان”، ونسخة من كتابه: نقض مفتريات محمود محمد طه. وقد رد السيد الفاضل البشرى المهدي برسالة كانت بتاريخ 3 نوفمبر 1968، قبل انعقاد المحكمة باسبوعين. جاء رد الفاضل البشرى المهدي متحاملاً ولا يليق بعضو في مجلس السيادة، رأس الدولة، وهو أعلى سلطة في الدولة. وقد تفوه السيد عضو مجلس السيادة في خطابه بكلمات تعكس المستوى الخفيض لقادة السودان. كما يكشف رده عن السند والدعم الذي قدمه أعضاء مجلس السيادة إلى القضاة الشرعيين وإلى محكمة الردة، بل إن الأمين داود وجد الموافقة من أعلى سلطة في البلاد، الأمر الذي يؤكد بأن السيد الفاضل البشرى المهدي بهذا الرد كان جزءاً من مؤامرة محكمة الردة، بل طالب السيد الفاضل في خطابه باتخاذ الإجراء الرادع، قائلاً: “أرجو أن يتخذ الاجراء الرادع ضده”. أدناه نص رد السيد الفاضل البشرى المهدى:

القصر الجمهوري: الخرطوم
في 3 نوفمبر سنة 1968
صاحب الفضيلة الأستاذ السيد الأمين داود
تحية طيبة وبعد:
فقد وصلتني هديتكم القيمة المفيدة، وقد تصفحتها وسررت بما قمتم به فيها من دفاعكم عن الحق بدحضكم لمفتريات الماجن المارق من الدين محمود محمد طه لعنه الله. وأرجو أن يتخذ ضده الإجراء الرادع. هذا وأرجو أن يجزيكم الله خير الجزاء على عملكم هذا مع احترامي وسلامي.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
الفاضل البشرى المهدي: عضو مجلس السيادة

موقف عضو مجلس السيادة، السيد خضر حمد

كشف السيد خضر حمد، عضو مجلس السيادة عن موقفه من مؤامرة محكمة الردة من خلال رسالة بعث بها إلى محمد خير البدوي (1926- 2016) رداً على سؤاله عن محكمة الردة. كتب محمد خير البدوي في مذكراته قائلاً: “وقد أحزنتني الفتوى التي صدرت في عهد الحكم الديمقراطي بتكفير محمود محمد طه، ورأيت فيها شططاً كبيراً واعتداءً على حرية الفكر والعقيدة. وكتبت رسالة في هذا الشأن إلى الحاج خضر حمد، عضو مجلس السيادة، فرد عليّ برسالة مطولة بتاريخ 28/4/1969″. وأضاف محمد خير البدوي بأن اقتطف من رسالة خضر حمد، فكتب قائلاً إن محمود محمد طه ادعى أنه سيدنا عيسى عليه السلام. ومحمود ما زال يحاول أن يكون نبياً يشارك محمد الرسالة، فذاك الإسلام الأول ومحمود نبي الإسلام الثاني الذي يصلح للقرن العشرين. وقد استفتينا علماء السودان ومصر ومشائخ الطرق وأصحاب السبح والدراويش والعلماء في الجامعة الإسلامية وجامعة الخرطوم وجامعة القاهرة وكلهم كفَّره وخطَّأه. هل يترك ليعير أم يُسلَّم لكوبر؟”.
من الواضح أن السيد خضر حمد، عضو مجلس السيادة، كان داعماً للقضاة الشرعيين ومسانداً لمحكمة الردة، ويتفق في ذلك مع موقف السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة، ويتفق كذلك مع موقف السيد الفاضل البشرى المهدي، عضو مجلس السيادة، الذي كان أكثر تطرفاً في موقفه كما عبر عن ذلك في خطابه إلى الأمين داود.
نلتقي في الحلقة الخامسة.

الوسومعبد الله الفكي البشير

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: عبد الله الفكي البشير رئیس مجلس السیادة عضو مجلس السیادة محمود محمد طه

إقرأ أيضاً:

الرئيس اليمني يجري تعديلًا وزاريًا محدودًا ويعين ثلاثة وزراء جدد

يمن مونيتور/ قسم الأخبار

صدر، اليوم، قرار جمهوري بإجراء “تعديل وزاري محدود” في حكومة رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني، قضى بتعيين ثلاثة وزراء في حقائب التخطيط والخارجية والإدارة المحلية.

ونص القرار على تعيين المهندس بدر محمد مبارك باسلمة وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي، والدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين، والدكتورة عهد محمد سالم جعسوس وزيرًا للإدارة المحلية.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وإعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وقانون مجلس الوزراء، والقرار الجمهوري الخاص بتشكيل الحكومة وتسمية أعضائها، وذلك بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء وموافقة مجلس القيادة الرئاسي.

وأكدت المادة الثانية من القرار العمل به من تاريخ صدوره، على أن يُنشر في الجريدة الرسمية.

مقالات مشابهة

  • بعثة بيراميدز تصل تركيا استعدادا لمعسكر الموسم الجديد
  • بعد فض دور الانعقاد الأول.. كيف تنظم لائحة مجلس النواب عقد الجلسات خلال أدوار الانعقاد؟
  • الرئيس اليمني يجري تعديلًا وزاريًا محدودًا ويعين ثلاثة وزراء جدد
  • متى يجب على الفتاة ارتداء الحجاب؟.. أمين الفتوى يجيب
  • بعد أزمة منشور محمد صلاح .. استقالة أحمد تشاغلار عضو مجلس إدارة بشكتاش التركي
  • استعدادًا للموسم الجديد.. بعثة بيراميدز تغادر القاهرة متوجهة إلى مدينة أرضروم التركية
  • طريقة عمل الكبدة بالردة على الطريقة المصرية الأصلية
  • المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية
  • “الخفيفي” يبحث مع القنصل التشادي تسريع ترحيل المهاجرين غير الشرعيين وتعزيز التنسيق المشترك
  • محمد القضاة رئيسا لجامعة المملكة للعلوم الطبية