حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

 

تُعد الضرائب لدى الكثير من دول العالم بندًا رئيسيًا في الموازنات المالية السنوية من أجل تمويل الخدمات العامة؛ كالتعليم والصحة وتحسين البنية الأساسية وتوفير الأمن ودفع رواتب الموظفين، إضافة إلى دعم العائلات الفقيرة وتوفير احتياجات الأسر ذات الدخل المحدود.

وفي عالمنا اليوم، لا يُمكن لكثير من الدول أن تعيش بدون فرض الضرائب على المؤسسات والشركات والأفراد؛ ففي بعض الدول قد تمثّل الضرائب نسبة ما بين 60 إلى 90% من إيرادات تلك الدول، لكن هناك دول قليلة تستطيع الاستغناء عن الضرائب بسبب امتلاكها لمصادر أخرى للدخل كالنفط الغاز والمعادن، أو الدول التي لديها صناديق سيادية هائلة، أو الدول التي تعتمد على الرسوم والجمارك والسياحة بشكل كبير. لكن في جميع الحالات حتى تلك الدول غالبًا ما تفرض أنواعًا من الضرائب أو الرسوم غير المباشرة مثل الضرائب على الشركات، وضريبة القيمة المضافة أو ضريبة الجمارك والعقار والطرق وغيرها من الضرائب الأخرى للاستمرار في سياساتها المالية والاقتصادية.

هذا ما دفع حكومتنا لتشريع ضريبة على دخل الأفراد من أصحاب الدخول الكبيرة؛ اعتبارًا من بداية عام 2028، بعد أن طُرح الموضوع من قبل الجهات المعنية، ومرّ على أعضاء مجلسي الشورى والدولة مشفوعًا بآرائهم بعد دراسة كل بند من بنود هذا الموضوع المُهم؛ حيث بات فرض ضريبة دخل على الأفراد (مواطنين ومقيمين) من أصحاب الدخول الشهرية العالية، أمرًا ضروريًا لمواكبة تطلعات المواطنين وتوفير مزيد من الخدمات والأعمال لهم في مختلف المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

وفي حال توقُّف الناس عن دفع الضرائب بشكل واسع، فقد تحدث صعوبات للحكومات؛ سواء على مستوى المؤسسات أو الأفراد، بحيث يكون هناك نقص كبير في الإيرادات، وتدهور في الخدمات العامة، ناهيك على حصول عجز في الميزانيات العامة للدول، وارتفاع الدين العام، الأمر الذي يسهم في احتمال انهيار بعض مؤسسات الدولة أو تقليص عملها.

ومنذ عدة سنوات مضت، تفرض الحكومة ضريبة دخل على الشركات بمعدل 15% من أرباحها السنوية، إلّا أنه صدر في العام الجاري قانون جديد وفق المرسوم السلطاني رقم (56/ 2025) بتطبيق ضريبة دخل على الأفراد؛ بدءًا من الأول من يناير عام 2028، وذلك على الذين يتجاوز دخلهم السنوي 42 ألف ريال عُماني (أي 109000 دولار أمريكي) تقريبًا وسيكونون خاضعين للضريبة بمعدل 5% على الدخل الخاضع للضريبة. وسوف يأخذ نظام الضريبة في الاعتبار خصومات وإعفاءات لبعض البنود مثل تكاليف السكن، والقروض السكنية، والصحة والتعليم، والتأمينات، وما يتم دفعه من أجل الزكاة، بجانب التبرعات، ومصاريف لبعض أنواع المصروفات الأخرى. ووفق كثير من التحليلات، فإن هذا التغيير سوف يستهدف نسبة صغيرة من أفراد المجتمع العُماني ربما تصل إلى 1% من مجموع السكان، فيما حوالي 99% منهم لن يتأثروا بالضريبة على دخل الأفراد.

وهناك عدد من العوامل التي تدفع الحكومة بتطبيق هذا القانون وفرض ضريبة على دخل الافراد؛ منها: العمل على تنويع مصادر الإيرادات العامة، وتقليل الاعتماد على عائدات النفط، ضمن رؤية "عُمان 2040" لتنمية الاقتصاد. وكما هو معلوم فإن هذا التغيير يأتي نتيجة للتغييرات الحاصلة في سوق النفط والغاز العالمي؛ باعتبارهما المصدر الرئيسي للإيرادات؛ حيث أصبحا أقل استقرارًا من الماضي نتيجة للأسعار المتقلبة لتلك المصادر. وهذه الضريبة القادمة سوف تُؤسّس في البلاد نظامًا ضريبيًا أكثر شمولًا واستدامة مالية.

وعمومًا سيكون للضريبة على دخل الافراد بعض الأثر السلبي، لكنه ليس بالضرورة أن يؤدي إلى نفور الاستثمار الأجنبي، وذلك لعدة أسباب واعتبارات؛ منها: أن هذه الضريبة سوف تُفرض على الأفراد من أصحاب الدخول الكبيرة؛ سواء من المواطنين أو المقيمين، وباعتبار أن المستثمر الأجنبي غالبًا ما يهتم بقوانين ضرائب الشركات التي تدفع في حدود 15%، في الوقت الذي ما تزال عُمان تقدم حوافز لجذب الاستثمار الأجنبي، وتمنح ملكية للمستثمر الأجنبي بنسبة 100% في كثير من القطاعات بجانب التسهيلات التي تقدمها للاستثمار الأجنبي، وكذلك منح إعفاءات جمركية لبعض المعدات والآلات، والاستمرار في إعطاء حرية تحويل الأرباح، وتقديم ضمانات للاستثمار.

وأخيرًا.. نقول إنَّ الضريبة على دخل الأفراد تستهدف شريحة صغيرة من ذوي الدخول العالية، في حين أن غالبية القوى العاملة من الموظفين في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص بمن فيهم الأجانب العاملون، هم من ذوي الرواتب المتوسطة، ولن يتأثروا كثيرًا. والأمر يحتاج إلى مزيد من التوعية في هذه الجوانب بحيث لا يتسبب في إزعاج بعض المستثمرين الذين قد ينظرون إلى هذا التغيُّر بصورة غير واقعية. وهذا ما يجب على الجهات المعنية بالضرائب النظر إليه، خاصة الجوانب التنظيمية والإجرائية من أجل القضاء على أية أعباء إدارية، والعمل بمعايير الحوكمة والشفافية والرقمنة والسرعة المطلوبة لتسهيل الخدمات الرقمية على جميع المستثمرين في الداخل والخارج.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

صناديق نظافة بكل محافظة.. كيف وفر القانون مصادر تمويل مستدامة للمخلفات؟

يقدم موقع “صدى البلد” معلومات قانونية حول أبرز أحكام قانون تنظيم إدارة المخلفات الصادر بالقانون رقم 202 لسنة 2020، والذي وضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا لإنشاء صناديق للنظافة في المحافظات وأجهزة المجتمعات العمرانية الجديدة، بهدف دعم منظومة الإدارة المتكاملة للمخلفات وضمان توفير مصادر تمويل مستدامة لتحسين الخدمات البيئية.

وحدد القانون مجموعة متنوعة من الموارد المالية التي تؤول إلى هذه الصناديق، تشمل حصيلة الرسوم المقررة على خدمات جمع ونقل ومعالجة المخلفات من الوحدات السكنية والأراضي الفضاء، سواء تم تحصيلها مباشرة أو عبر جهات متعاقدة، بما يضمن استمرارية التمويل.

السياحة تطلق تحذيرا عاجلا للشركات المنفذة العمرة .. والعقوبة في انتظار المخالفينتموين بني سويف: تحرير 70 مخالفة وضبط سلع مجهولة و1000 لتر وقودمصادر تمويل جديدة لصناديق النظافة بالمحافظات

كما تشمل الموارد عوائد التعاقدات الخاصة بخدمات إدارة المخلفات لبعض المنشآت، ومدفوعات شركات الكهرباء مقابل الطاقة المولدة من المخلفات، إلى جانب حصيلة عمليات الإدارة التي تنفذها المحافظات، والغرامات ومقابل التصالح الناتج عن مخالفات عدم سداد الرسوم.

ونص القانون كذلك على تخصيص نسب مالية لصالح صناديق النظافة، حيث تؤول 25% من الحصة المخصصة للمحافظة من الضريبة العقارية، إضافة إلى 15% من فائض صندوق الخدمات والتنمية المحلية بنهاية كل سنة مالية، بما يعزز قدرة المحافظات على تحسين كفاءة منظومة النظافة.

وفي حال وجود عجز في تمويل منظومة إدارة المخلفات، ألزم القانون وزارة التنمية المحلية بالتنسيق مع وزارة المالية لتوفير التمويل اللازم من الموازنة العامة للدولة، وفق الضوابط المحددة باللائحة التنفيذية.

طباعة شارك تنظيم إدارة المخلفات صناديق للنظافة في المحافظات أجهزة المجتمعات

مقالات مشابهة

  • صناديق نظافة بكل محافظة.. كيف وفر القانون مصادر تمويل مستدامة للمخلفات؟
  • مستشار مصلحة الضرائب: ضريبة الجدول على الغاز الطبيعي لا تُحمّل للمستهلك النهائي
  • وزير البترول يشارك باجتماع طاقة D-8 ويؤكد أهمية التكامل الإقليمي
  • الرئيس السيسي يتابع ملفات التنمية مع قيادات القوات المسلحة ويؤكد أهمية رفع كفاءة الخدمات العامة
  • مشروع قانون لاستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بدمغة نسبية | تفاصيل
  • مرور القاهرة يعلن غلق منزل كوبري باغوص 15 ليلة | تفاصيل
  • رئيس مصلحة الضرائب: تعديلات ضريبة الغاز الطبيعي لا تمس أسعار المنازل ولا تفرض أعباءً جديدة على المواطنين
  • وزير البترول يؤكد أهمية التكامل الإقليمي لتحقيق أمن الطاقة
  • صيانة شاملة لمنظومة الإنارة بعدد من مناطق سفاجا لرفع كفاءة الخدمات
  • ديون الأفراد في تركيا تتجاوز 6.6 تريليون ليرة