كيف قادت سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة الحكومة اليمنية لمغادرة عدن؟
تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT
أدت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن على محافظتي حضرموت والمهرة إلى إشعال خلاف حاد مع الحكومة المعترف بها دولياً التي حذرت من أن هذه التطورات تقوّض سلطتها وتهدد وحدة القرار الأمني والعسكري.
وتمكن المجلس الانتقالي خلال الأيام القليلة الماضية من السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة اللتين تشكلان نحو نصف مساحة الجغرافية اليمنية، وذلك بعد أن دفع بقوات كبيرة من محافظات أخرى مثل عدن وشبوة.
واللافت أن سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة تمت في الغالب دون أي مواجهات، ما أثار تساؤلات حول هذه التطورات اللافتة في محافظتين كانتا بعيدتين عن مواجهات واضطرابات بدأت قبل نحو 10 أعوام.
مغادرة أعضاء الحكومة
وأثار استمرار سيطرة المجلس الانتقالي على المحافظتين غضب الحكومة اليمنية التي غادرت اليوم الاثنين العاصمة المؤقتة عدن متوجهة إلى السعودية.
وقال مصدر حكومي مقيم في عدن -في تصريح للجزيرة نت- إن الحكومة غادرت إلى السعودية، احتجاجا على التوسع العسكري للمجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة.
وأضاف أن ترك عدن من قِبل الحكومة، جاء بعد 3 أيام من مغادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة المؤقتة، أعقبها سيطرة قوات المجلس الانتقالي على القصر.
واختتم المصدر بالقول "الوضع أصبح معقدا سياسيا وعسكريا، ولا ندري إلى أين تتجه الأمور".
وفي السياق، توقفت رحلات طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن، ما أدى إلى إحداث حالة إرباك كبيرة في صفوف المسافرين.
وفي بيان صحفي، قالت وزارة النقل -المحسوبة على المجلس الانتقالي- إن توقف رحلات الطيران في مطار عدن جاء لأسباب فنية خارجة عن الإرادة.
وأضاف البيان أن قيادة الوزارة وهيئة الطيران والخطوط الجوية اليمنية بذلت جهودا كبيرة أدت لاستئناف الرحلات، وإقلاع طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية إلى الأردن، مساء الاثنين.
لم يغادر الجميعفي المقابل، قال المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي إن عددا من أعضاء الحكومة التوافقية غادر العاصمة عدن، وبقي آخرون يمارسون مهامهم المعتادة بينهم وزراء الدفاع والداخلية والنقل وآخرون.
إعلانوأضاف -في حديث للجزيرة نت- أن معظم المغادرين من الشمال ومن بقي معظمهم من الجنوب، مشيرا إلى أن المجلس الانتقالي لم يُبلّغ بأسباب المغادرة.
وتابع "نتمنى أن تكون المغادرة لأسباب شخصية أو لمتابعة مهام حكومية تتطلب السفر للخارج".
واعتبر أن "المجلس الانتقالي حريص على توفير البيئة السياسية والأمنية المناسبة لقيام الحكومة بمهامها، خاصة أنها منذ تأسيسها وضعت على عاتقها التركيز على الجانب الخدمي والاقتصادي، وهذا بالضبط ما يسعى إليه الانتقالي في هذه المرحلة".
وأشار التميمي إلى أن المواطنين تابعوا بارتياح بالغ في الأشهر الماضية التناغم الواضح بين توجهات رئيس الحكومة سالم بن بريك نحو التعافي الاقتصادي، وتوجهات المجلس الانتقالي الذي وفّر الظروف الأمنية المناسبة لإنجاح برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي أثمر تحسنا في قيمة العملة وتحسنا محدودا في القدرة الشرائية للمواطن.
وشدد المتحدث على أن "المجلس الانتقالي حريص على التئام الحكومة بكل أعضائها، وحريص ومساند للبرنامج الاصلاحي للسيد سالم بن بريك، وما زلنا على هذا الموقف".
وتعليقا على هذه التطورات، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن "الإجراءات الأحادية التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي تمثل خرقا صريحا لمرجعيات المرحلة الانتقالية، وتهديدا مباشرا لوحدة القرار الأمني والعسكري، وتقويضا لسلطة الحكومة الشرعية، وتهديدا خطيرا للاستقرار، ومستقبل العملية السياسية برمتها".
وجاء حديث العليمي أثناء لقائه اليوم الاثنين في العاصمة السعودية الرياض مع سفراء الدول الراعية للتسوية السياسية في اليمن، أبرزها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وحذر العليمي -بحسب وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)- من التداعيات الاقتصادية والمعيشية الخطيرة لأي اضطراب خصوصا في محافظتي حضرموت والمهرة، معتبرا أن ذلك قد يعني تعثر دفع مرتبات الموظفين، ونقص الوقود لمحطات الكهرباء، وتفاقم الأزمة الإنسانية، ونسف كل ما تحقق من إصلاحات اقتصادية، وإضعاف ثقة المانحين بالحكومة الشرعية.
كما خاطب العليمي السفراء بأن سقوط منطق الدولة في اليمن لن يترك استقرارا يمكن الاستثمار فيه، لا في الجنوب ولا في الشمال، داعيا إلى تحمل المسؤولية الجماعية، لمنع انزلاق البلاد إلى مزيد من التفكك والفوضى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات حريات المجلس الانتقالی حضرموت والمهرة الانتقالی على فی الیمن
إقرأ أيضاً:
عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
في الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام، تتجدد في اليمن واحدة من أبرز المناسبات الدينية والإيمانية التي ارتبطت بوجدان المجتمع اليمني عبر قرون طويلة، حيث يحيي اليمنيون ذكرى عيد الغدير، يوم الولاية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في مشهد جماهيري واسع يعكس عمق الارتباط برسالة الإسلام وقيمها الأصيلة، ويجسد حضور الولاية كجزء راسخ من الهوية الإيمانية والثقافية للشعب اليمني، ولا يقتصر إحياء هذه المناسبة على كونها فعالية دينية أو احتفالاً شعبياً عابراً، بل تمثل محطة سنوية لتجديد العهد مع المبادئ التي يجسدها الإمام علي عليه السلام في الوعي الإسلامي؛ باعتباره نموذجاً للعدالة والشجاعة والحكمة والقيادة الربانية، وهي القيم التي ترى فيها القبيلة اليمنية امتداداً لموروثها الإيماني والتاريخي.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير والوجدان اليمني .. امتداد تاريخي للولاء
يكتسب عيد الغدير في اليمن خصوصية استثنائية نابعة من العلاقة التاريخية التي جمعت اليمنيين بأهل بيت النبوة عليهم السلام منذ فجر الإسلام. فقد كان اليمنيون من أوائل الشعوب التي استجابت لدعوة الإسلام، ومن أكثرها ارتباطاً بالإمام علي عليه السلام الذي بعثه الرسول محمد صلى الله عليه وآله إلى اليمن داعياً وقاضياً ومعلماً، فوجد فيه اليمنيون النموذج الأمثل للقائد العادل والمربي الحكيم، ومنذ ذلك التاريخ، ظل حب الإمام علي ومكانته الروحية والأخلاقية حاضرين في الثقافة اليمنية، وانتقل هذا الارتباط من جيل إلى آخر حتى أصبح جزءاً من البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع، وركناً أساسياً من مكونات الهوية الإيمانية اليمنية، وفي هذا السياق، يأتي عيد الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار الحدث التاريخي الذي أعلن فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ولاية الإمام علي على الأمة في غدير خم، وتجديداً للالتزام بالقيم التي مثلها هذا الإعلان في الوعي الإسلامي.
القبيلة اليمنية.. حاضنة تاريخية لقيم الولاية
تمثل القبيلة اليمنية أحد أهم الحوامل الاجتماعية والثقافية للهوية الإيمانية في اليمن، وقد حافظت عبر مختلف المراحل التاريخية على منظومة من القيم المستمدة من الدين الإسلامي ومن التراث اليمني الأصيل، وفي مقدمتها الوفاء والكرامة ونصرة المظلوم والشجاعة والالتزام بالعهود، وتجد هذه القيم تجلياتها بصورة واضحة في إحياء عيد الغدير، حيث تنظر القبائل اليمنية إلى المناسبة باعتبارها تجديداً للعهد مع نهج الإمام علي عليه السلام الذي يجسد تلك المبادئ في أسمى صورها،
ومن هنا، فإن حضور الغدير في الوعي القبلي اليمني لا ينفصل عن مفهوم الانتماء للحق والالتزام بالموقف المبدئي، وهو ما يفسر استمرار الاحتفاء بهذه المناسبة رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر العقود الماضية.
احتفال يتجاوز الطابع الديني إلى البعد المجتمعي
تتحول ذكرى الغدير في اليمن إلى مناسبة جامعة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والثقافية والاجتماعية، حيث تشهد المدن والأرياف والقبائل فعاليات واسعة تعكس حجم الحضور الشعبي لهذه المناسبة، وتتنوع مظاهر الاحتفاء بين المسيرات الجماهيرية والأمسيات الثقافية والقرآنية والندوات الفكرية والخطب الدينية التي تتناول معاني الولاية وأبعادها الإيمانية، إضافة إلى الفعاليات الاجتماعية التي تعزز أواصر التراحم والتكافل بين أبناء المجتمع،
كما تحضر الفنون الشعبية اليمنية في هذه المناسبة بصورة لافتة من خلال عروض البرع والأهازيج والزوامل الشعبية التي تعبّر عن الفرح والاعتزاز بالانتماء الإيماني، إلى جانب انتشار مظاهر الزينة والإنارة في المنازل والمساجد والساحات العامة، ويعكس هذا التفاعل الشعبي الواسع حقيقة أن الغدير لم يعد مجرد ذكرى تاريخية في الوعي اليمني، بل أصبح مناسبة مجتمعية شاملة تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ القيم المشتركة بين أبناء المجتمع.
الولاية كمنظومة قيم
من أبرز الدلالات التي يبرزها إحياء عيد الغدير في اليمن أن مفهوم الولاية يُقدَّم بوصفه منظومة أخلاقية وإيمانية متكاملة تقوم على الهداية والعدالة والالتزام بالحق، وليس مجرد عنوان سياسي أو تاريخي، فالخطاب الثقافي والاجتماعي المصاحب للمناسبة يركز على استلهام شخصية الإمام علي عليه السلام كنموذج للقيادة القائمة على العلم والعدل والرحمة والزهد والمسؤولية، بما يجعل الغدير مناسبة لاستحضار هذه القيم في واقع الأمة المعاصر.
ولهذا السبب، ينظر كثير من اليمنيين إلى إحياء الغدير باعتباره تجديداً للالتزام بالمبادئ التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها، وتعزز قدرتها على مواجهة التحديات والانحرافات الفكرية والثقافية والسياسية.
الغدير والهوية الوطنية الجامعة
رغم الطابع الديني للمناسبة، فإن عيد الغدير في اليمن يحمل أبعاداً وطنية واضحة تتمثل في دوره في تعزيز الهوية الجامعة القائمة على القيم الإيمانية المشتركة، ففي ظل التحديات التي تواجه المنطقة، يبرز الغدير كعامل من عوامل تعزيز الانتماء الوطني والثقافي، حيث يلتقي اليمنيون في هذه المناسبة حول مجموعة من القيم والمبادئ التي تشكل قاسماً مشتركاً بينهم، وفي مقدمتها العدل والكرامة والحرية والاستقلال، وتشير العديد من القراءات الاجتماعية إلى أن المناسبات الدينية ذات الحضور الشعبي الواسع، ومنها عيد الغدير، تسهم في إعادة إنتاج الوعي الجمعي وتعزيز حالة التماسك المجتمعي، وهو ما يمنحها بعداً يتجاوز حدود الاحتفال التقليدي إلى دور ثقافي وحضاري أوسع.
تجليات الغدير في الموقف اليمني المعاصر
يربط كثير من المثقفين والوجهاء والقيادات الاجتماعية في اليمن بين القيم التي يجسدها عيد الغدير وبين المواقف الوطنية والقومية التي يتبناها اليمن في المرحلة الراهنة، فمن منظورهم، فإن جوهر الغدير يتمثل في الانحياز للحق ومواجهة الظلم والدفاع عن المستضعفين، وهي المعاني التي يرون أنها تتجسد في المواقف اليمنية الداعمة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع الهيمنة والتبعية، ويُنظر إلى هذه المواقف باعتبارها امتداداً عملياً للقيم التي يمثلها الإمام علي عليه السلام، والتي تقوم على نصرة المظلوم والثبات على المبدأ مهما كانت التحديات.
الغدير.. ذاكرة متجددة ومستقبل ممتد
في اليمن، لا يُنظر إلى عيد الغدير بوصفه استدعاءً لحدث تاريخي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً فحسب، بل باعتباره مناسبة متجددة تعيد ربط الحاضر بجذوره الإيمانية وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على القيم التي شكلت وجدان الأمة عبر التاريخ.
وتكمن أهمية هذه المناسبة في قدرتها على الجمع بين البعد الروحي والبعد الثقافي والبعد الاجتماعي، بما يجعلها واحدة من أبرز المحطات التي تتجلى فيها الهوية اليمنية في صورتها الإيمانية الأصيلة، وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة وصراعات فكرية وثقافية، يظل عيد الغدير بالنسبة لليمنيين مناسبة لتأكيد الثبات على المبادئ، وتجديد الارتباط بالرسالة المحمدية، واستحضار النموذج العلوي في العدالة والشجاعة والحكمة، بما يعزز حضور الولاية كقيمة إيمانية وثقافية متجذرة في وجدان القبيلة اليمنية والمجتمع اليمني عموماً.
ختاما ..
يجسد عيد الغدير في اليمن صورة حية لتلاقي التاريخ بالعقيدة، والهوية بالموقف، والتراث بالواقع المعاصر، فبينما تتجدد مظاهر الفرح والاحتفاء في المدن والقرى والقبائل، تتجدد معها معاني الولاء والالتزام بالقيم التي يمثلها الإمام علي عليه السلام. ولذلك يبقى الغدير أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه تعبير متجدد عن هوية إيمانية راسخة، وذاكرة حضارية حية، ومنظومة قيم ترى فيها القبيلة اليمنية والشعب اليمني عموماً أساساً للثبات والوعي والكرامة في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.