العراق: انفجار التناقضات بين ثراء النخب وواقع البطالة والفقر
تاريخ النشر: 9th, December 2025 GMT
9 دجنبر، 2025
بغداد/المسلة: ينظر مراقبون الى المفارقة العراقية الثقيلة، حين تتدفق الإيرادات النفطية بمليارات الدولارات سنويًا بينما تبقى الخزائن شبه خاوية، في مشهد يختصر اختلال المعادلة بين وفرة المورد وضياع الجدوى.
ومن جانب آخر يواصل الفقر والبطالة توسع دوائرهما في مدن الجنوب والوسط، حيث تتراكم طوابير الباحثين عن عمل أمام الدوائر الحكومية، وتتعالى في مواقع التواصل تدوينات تعبّر عن اليأس من غياب الفرص رغم ما يصفه ناشطون بأنه اقتصاد ريعي هو الأكبر في المنطقة.
ويشير مراقبون إلى أن الامتيازات الفلكية التي يحصل عليها السياسيون تمثل أحد أكثر مظاهر الاحتقان الشعبي تداولًا، إذ تتناقل منصات التواصل أرقامًا عن رواتب ومخصصات تستفز الرأي العام، وتضع الفجوة بين الدولة والمجتمع في إطار أكثر حدة.
وبالانتقال إلى البنية السياسية يبرز توصيف المنصب بوصفه صفقة تجارية، حيث تتحول المواقع التشريعية والتنفيذية إلى مغنمٍ يتقاسمه الفاعلون السياسيون وفق توازنات نفوذ لا وفق معايير الكفاءة، فيما يهيمن منطق توزيع الغنائم على مفاصل صنع القرار.
وتتعمق الأزمة حين يتحول الانتماء السياسي إلى سلعة، كما يردد مدونون ساخرون من مشهد تبدل الولاءات بحسب العروض، في ظاهرة تُضعف العقد الاجتماعي وتضرب ثقة المواطن بالمؤسسات.
ومن جانب ثالث يتسع نطاق الفساد المالي والسياسي عبر شبكات تداخلت فيها المصالح الحزبية مع الموارد الحكومية، بينما يتصرف بعض النواب والوزراء كما لو أن الثراء السريع هدف معلن، في غياب منظومة رقابية قادرة على ردع هذا السلوك.
وتُظهر مقارنات دولية أن الدول المتحضرة التي يندر فيها الفساد تستند إلى قوانين شفافة ورأي عام فاعل يحاسب ويراقب، إضافة إلى نظم صارمة تجعل التجاوز السياسي أو الإداري مغامرة خاسرة.
ومن جهة أخرى تكشف خبرات تلك الدول أن قوة القانون واستقلال القضاء وشفافية المؤسسات هي الركائز التي تحصّن الدولة من الانهيار الأخلاقي والمالي، وتخلق بيئة سياسية تنافسية تقوم على الخدمة لا على تقاسم النفوذ.
ويخلص محللون إلى أن السياسة في العراق انزلقت خلال العقدين الماضيين نحو مسار أقرب إلى التجارة، حيث تُقاس قيمة المواقع بقدرتها على توليد النفوذ والثروة، بينما ينتظر الشارع إصلاحًا يعيد الاعتبار لوظيفة الدولة بوصفها مؤسسة عامة لا بوابة امتياز خاص.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
تتجاوز ذكرى يوم الولاية حدود المناسبة التاريخية والدينية لتلامس جوهر الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، واقعاً مثقلاً بالأزمات والتحديات والانكسارات، ومشحوناً بأسئلة المصير والقيادة والهوية، وفي كل عام تعود هذه المناسبة لتستحضر واحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، حين وقف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم بعد حجة الوداع، ليعلن أمام عشرات الآلاف من المسلمين قوله المشهور، “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه”، وقد شكّلت هذه الحادثة، التي حظيت بحضور واسع في المصادر الإسلامية المختلفة، محطة مفصلية في مسار الأمة، لما حملته من دلالات عميقة تتصل بمفهوم القيادة والولاية ومسؤولية إدارة شؤون الأمة بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية.. مشروع هداية وقيادة
لا ينظر المؤمنون بمبدأ الولاية إلى حادثة الغدير باعتبارها حدثاً تاريخياً معزولاً عن الواقع، بل باعتبارها إعلاناً لمشروع إلهي متكامل يهدف إلى صيانة الأمة من الانحراف والاختلاف والضياع. فالولاية في مفهومها القرآني ليست مجرد سلطة سياسية أو نفوذاً إدارياً، وإنما هي امتداد لمسار الهداية الإلهية، وتجسيد عملي للقيادة القائمة على العلم والتقوى والحكمة والشجاعة والعدل،
ومن هذا المنطلق، فإن إحياء ذكرى الولاية يمثل استدعاءً دائماً لمعايير القيادة الحقيقية التي تحفظ للأمة وحدتها وكرامتها واستقلال قرارها، وتمنع وقوعها تحت هيمنة المصالح الشخصية أو الحسابات الضيقة أو الإملاءات الخارجية.
أزمة الأمة.. أزمة قيادة قبل أن تكون أزمة إمكانات
وعند النظر إلى واقع الأمة الإسلامية المعاصر، تتجلى مفارقة كبيرة بين الإمكانات الهائلة التي تمتلكها وبين حجم التراجع الذي تعانيه على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، فالأمة الإسلامية تمتلك الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي الاستراتيجي والطاقات البشرية الكبيرة، لكنها ما تزال عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى عناصر قوة حقيقية، ويرى كثير من المفكرين أن جوهر هذه الأزمة لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في طبيعة القيادة التي تدير شؤون الأمة وتحدد اتجاهاتها، فحين تغيب معايير الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والشجاعة عن مواقع القرار، تصبح الأمة عرضة للتبعية والارتهان، ويتحول القرار السياسي إلى انعكاس لمصالح القوى الخارجية أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة الشعوب واحتياجاتها.
غزة .. اختبار الولاية والمسؤولية
ويبرز العدوان المستمر على غزة بوصفه أحد أكثر المشاهد تعبيراً عن حجم المأزق الذي تعيشه الأمة اليوم، فالمجازر التي تُرتكب بحق المدنيين، والدمار الواسع الذي يطال البنية التحتية، والمعاناة الإنسانية المتفاقمة، وضعت الأنظمة والمؤسسات الرسمية أمام اختبار أخلاقي وتاريخي بالغ الحساسية، وفي الوقت الذي كانت الشعوب الإسلامية تعبّر عن تضامنها الواسع مع القضية الفلسطينية، ظلّ الأداء الرسمي في كثير من الأحيان دون مستوى التحدي، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة القيادة، ومدى قدرتها على تمثيل تطلعات الأمة والدفاع عن قضاياها المصيرية،
ومن هنا يربط كثيرون بين دلالات يوم الولاية وبين الحاجة إلى نماذج قيادية تمتلك الشجاعة والاستقلالية والالتزام بالقيم والمبادئ، وتكون قادرة على اتخاذ المواقف التي تنسجم مع مسؤولياتها الدينية والوطنية والإنسانية.
الغدير .. رؤية للقيادة لا مجرد ذكرى تاريخية
إن استحضار الغدير في الوعي الإسلامي المعاصر لا يهدف إلى إعادة إنتاج الجدل القديم، بقدر ما يهدف إلى استلهام الدروس والعبر المتعلقة بمفهوم القيادة الصالحة، فالقيمة الكبرى التي يمكن استخلاصها من هذه المناسبة تتمثل في ضرورة أن تتولى شؤون الأمة شخصيات تمتلك المؤهلات العلمية والأخلاقية والروحية والإنسانية التي تؤهلها لتحمل مسؤولية القيادة، بعيداً عن منطق المصالح والنفوذ والارتهان، وفي هذا السياق، تتحول ذكرى الولاية إلى مناسبة للتفكير العميق في أسباب التراجع الحضاري الذي أصاب الأمة، والبحث عن الأسس التي يمكن أن تعيد بناء مشروعها الحضاري على قاعدة العدل والكرامة والاستقلال.
الولاية والنهضة الحضارية
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالإمكانات المادية وحدها، بل تحتاج قبل ذلك إلى قيادة واعية تمتلك رؤية واضحة، وتستطيع توجيه الطاقات نحو الأهداف الكبرى. ومن هنا تكتسب الولاية بعداً حضارياً يتجاوز حدود الجدل السياسي، ليصبح عنواناً لمشروع إصلاحي شامل يعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والأمانة والكفاءة والعدالة، فالقيادة التي تنطلق من القيم الإلهية والإنسانية قادرة على صناعة أمة قوية ومتماسكة، بينما تؤدي القيادة القائمة على التبعية والمصالح الضيقة إلى مزيد من التراجع والانقسام والضعف.
ختاما ..
في ذكرى يوم الولاية تتجدد الأسئلة الكبرى أمام الأمة الإسلامية، كيف يمكن استعادة دورها الحضاري؟ وما المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار القيادات التي تتولى شؤونها؟ وكيف يمكن بناء مشروع نهضوي يعيد للأمة مكانتها بين الأمم؟ إن هذه المناسبة لا تقتصر على استذكار حدث تاريخي عظيم، بل تمثل دعوة متجددة لمراجعة مسار الأمة، والبحث عن أسباب القوة والنهضة، واستلهام القيم التي تجعل من القيادة مسؤولية وأمانة لا امتيازاً أو مكسباً شخصياً، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وصراعات وتحديات غير مسبوقة، تبقى ذكرى الولاية فرصة للتأمل في معنى القيادة الحقيقية، والعودة إلى المبادئ التي تصنع الأمم القوية القادرة على مواجهة التحديات وصون الكرامة وتحقيق العزة والاستقلال.