تحولت لمخيم إيواء.. الجامعة الإسلامية بغزة تستأنف التعليم بين النازحين
تاريخ النشر: 9th, December 2025 GMT
غزة- كل ركن في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، تحوّل إلى شيء آخر يخدم بقاء النازحين، حيث الخيام المتكدسة في ساحاتها، والممرّات التي تحولت إلى أسواق صغيرة على هيئة بسطات من الخضار والمعلبات.
وفي الجامعة الأكبر بقطاع غزة، عُلقت أحبال الغسيل على واجهات حجرية متفحّمة، وانتشر أطفال يلهون بين دمار الأبنية ويصنعون من الحطام لعبة أو أرجوحة، في تشوّه صادم لوجه المكان الذي كان يوما من أرقى المؤسسات التعليمية في فلسطين عامة.
هكذا، صارت مباني الجامعة الإسلامية المتداعية، بفعل القصف، مخيّما كبيرا للنازحين، يعلو فوق ذاكرة سُحقت، في مشهد يشبه رقعة من نكبة آتية من الزمن الرمادي، تمتدّ من بوابتها حتى آخر ركن في حرمها.
في ثوب المكان المتشح بالسواد، ثمة رُقع بيض تتجسد في قاعات جديدة تم ترميمها ولم يجفّ دهانها بعد، فيها مقاعدُ مصفوفة، وسبّورات على مقاس الحائط الكبير، وتجهيزات متواضعة تمكّن الطلبة من حضور المحاضرات وجاهيا.
5 قاعات فقط يتناوب عليها أكثر من 3500 طالب وطالبة، يخطون العتبة الأولى من حياتهم الجامعية لأول مرة بعد حرمان من التعليم امتدّ عامين، حيث تبدأ الجامعة الإسلامية التعليم الوجاهي لطلبة السنة الأولى في بعض التخصصات العلمية.
تلمعُ أعين الطلبة المنتشرين في أروقة "المخيم"، كمن وجد نافذة أخيرة للحياة ليلتقط أنفاسه منها، ويحتضنون كتبهم كأن الورق سيرمّم ما تمزّق فيهم خلال عامين من الإبادة.
يمسك والدُ الطالبة بسمة خالد بيدها كما لو أنه يعيد توجيه طفلة فقدت الطريق، تمشي الفتاة بخطوات مترددة، تشبه بهيئتها المرتبكة من تدخل يومها الأول في المدرسة، لكنها هنا تدخل أوّل يوم في حياة جديدة بلا أمّها وشقيقتيها اللواتي فقدتهم في قصف على جباليا (شمال القطاع) خلال الحرب.
إعلانتفضح عينا والد بسمة خوفه عليها كأنها النجاة الوحيدة المتبقية له، فيما تلتفت إليه كل بضع خطوات كأنها تخشى أن يفلت منها ثانية كما أفلتت منها عائلتها.
قدمت بسمة إلى الجامعة، الواقعة غربي مدينة غزة، من منطقة جباليا في شمالها، واستغرق الطريق معها أكثر من ساعة ونصف، سارت مسافات طويلة لتصل إلى المفترق لتجد عنده وسيلة لتقلّها.
ترى بسمة أن بدء مشوارها الجامعي قد يكون باب الشفاء الوحيد المفتوح أمامها، وتقول للجزيرة نت "ربما أنجو من الفراغ القاتل، ومن التفكير الذي لا يتوقف ومن الكوابيس التي لا تزال تلاحقني". واختارت الفتاة تخصّص التمريض، وهي رغبة والدتها الشهيدة التي كانت ترى فيها قلبا مهيَّأً لمداواة الناس.
أمّا الطالب أحمد الجدبة، الذي اختار تخصص التمريض أيضا، فيحمل دافعا مختلفا تماما، أقنعته الحرب بأن يكون ممرضا، فمشاهد الممرضين وهم يركضون نحو المصابين، كانت درسا كاملا في معنى الإنسانية، ويقول للجزيرة نت "إنه تخصّص الرحمة".
كان مشهد الدمار في الجامعة صادما بالنسبة لأحمد، حيث تخيّلها كما كان يراها على الإنترنت وفي صور أقاربه، حيث المباني الشاهقة، والقاعات الواسعة، والحرم الجامعي الأضخم والمساحات الخضراء، وأناقة المكان الذي يذكّر بهيبة العلم.
"انهارت كل الصور التي كنت أحتفظ بها للمكان بمجرد عبوري البوابة، كنت أتمنى أن أرتاد الجامعة بشكلها البديع"، يقول أحمد، غير أنّ ذلك الانطباع القاتم تلاشى حين وصل إلى القاعة الجديدة، وبدأ بالإنصات للأستاذ الذي يقف أمامه يُلقّنه الحلم الذي جمّدته الحرب.
يسكن الجدبة في منطقة الزرقا قريبا من الحدود الشرقية لمدينة غزة، وهي التي لا تزال تُشبه جبهة الحرب المفتوحة خاصة مع حلول الليل، لكنه ينطلق صباحا دون خوف إلا من هواجس تلاحقه وزملاءه من عودة الحرب وتوقف أحلامه وآلاف الطلبة عن التحقق.
ومن قاعة دراسية مرممة، يخرج طالب الهندسة براء العسيلي منتشيا. يقول للجزيرة نت بكل حماسة "لقد وضعت قدمي على عتبة طموحي، أريد أن أصبح مهندسا قدّ الدنيا".
يوضح العسيلي أن الحرب أوقفت كل مخططات الشباب في غزة وطموحاتهم، وأن الشوق للدراسة كان جارفا، وقرر أن يدرس الهندسة لأنه يرى في هذا التخصص فرصة عمل أوسع، لكنه يشتكي من ارتفاع أسعار المطبوعات وانعدام الكهرباء والإنترنت، وهو ما يهدد دراسته التي تحتاج إلى أبحاث ومتابعة مستمرة، الأمر الذي سيدفعه لقطع مسافات طويلة لشحن حاسوبه أو لالتقاط إشارة إنترنت.
وراء مكتب صغير، يجلس رئيس الجامعة الإسلامية الدكتور أسعد أسعد، ويقول للجزيرة نت إن العودة للتعليم الوجاهي كانت قبل شهر من اليوم حلما بعيد المنال، لكن الجامعة تحدّت الخراب لتكون أول من يقرر فتح أبوابها لاستقبال الطلبة من جديد.
إعلاناستصلحت الجامعة جزءا من مبنى أسمته "فلسطين"، وآخر من مبنى "إرادة"، لتصبح القاعات الخمس في المبنيين فضاءات حياة جديدة لطلبة كليات الطب، والهندسة، والتمريض، وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم الصحية، والأقسام العلمية في التربية، إضافة إلى الشريعة والقانون.
ويؤكد أسعد للجزيرة نت أن 3500 طالب وطالبة يتلقون تعليما وجاهيا اليوم، فيما يستفيد نحو 12 إلى 13 ألفا من التعليم الإلكتروني، لتبقى المعرفة متاحة للجميع، سواء كانوا داخل الحرم أو خارجه دون أن يفقدوا فرصتهم في التعلم.
عودة تدريجية
يلفت أسعد إلى وجود خطة طارئة للعودة التدريجية للتعليم الوجاهي وتوسعته لكافة المستويات الدراسية، لكنها تستلزم فتح مبانٍ أخرى ما تزال تكتظ بالنازحين حتى اللحظة.
وهو تحد يقف في وجه توسعة التعليم الوجاهي، يضاف إليه تحد يعاني منه الطلبة يتمثل بشح المواصلات وتكلفتها العالية إن توفرت، الأمر الذي دفع إدارة الجامعة لافتتاح مركزين لها في المحافظتين الوسطى والجنوبية لتخفيف عبء الوصول للطلبة ممن يقطنون في تلك المناطق.
ولأن إسرائيل قتلت قرابة 70 موظفا عاملا في أقسام الجامعة، 30 منهم من الكادر التعليمي، فقد حاولت الجامعة تعويض هذا النقص من خلال الاستعانة بالمتطوعين من داخل غزة وخارجها، ومن أساتذة كبار فوق 65 عاما عادوا للتدريس تطوعا.
كما دمرت وأصابت بشكل بالغ 13 مبنى، وقضت على بناها التحتية بشكل كامل، ورغم كل هذا يقول أسعد "شوهت الحرب شكل الجامعة، لكنها لم تمس إصرارنا وإرادة طلابنا العنيدين الذين يقطعون ساعات للوصول إلى مقاعدهم".
وبلغ عدد طلبة الجامعة الإسلامية قبل الحرب 17 ألفا و500 طالب وطالبة، موزعين على 86 برنامجا لطلبة البكالوريوس و43 برنامجا لطلبة الماجستير و10 برامج دكتوراه و5 برامج دبلوم موزعة على 11 كلية علمية وإنسانية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات حريات الجامعة الإسلامیة للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
كشفت مراسلات إلكترونية داخل الحكومة البريطانية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بخطة لتقديم هدية غير تقليدية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثلت في نسخة خاصة من "الصندوق الأحمر" الشهير الذي يستخدمه الوزراء والمسؤولون البريطانيون لحمل الوثائق الرسمية والملفات الحساسة. وبينما بدت الفكرة في البداية خطوة دبلوماسية لتعزيز العلاقات بين لندن وواشنطن، تحولت لاحقًا إلى ملف أثار جدلًا واسعًا داخل أروقة الحكومة البريطانية.
الصندوق الأحمر.. رمز السلطة البريطانيةيُعد الصندوق الأحمر أحد أبرز الرموز المرتبطة بالحكومة البريطانية، حيث يستخدمه الوزراء وكبار المسؤولين لنقل الوثائق الحكومية المهمة بصورة آمنة. ووفقًا لمراسلات تم الكشف عنها مؤخرًا، اقترح مسؤولون بريطانيون إعداد نسخة مخصصة من هذا الصندوق لتُهدى إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأوضحت الرسائل أن النسخة المقترحة كانت ستحمل شعارًا ذهبيًا وتصميمًا مستوحى من الصناديق الوزارية التقليدية، مع نقش عبارة "رئيس الولايات المتحدة" على سطحها الخارجي، في محاولة لمنح الهدية طابعًا رسميًا واستثنائيًا.
نقاشات مطولة داخل الحكومةوأظهرت المراسلات أن مسؤولين كبارًا في الحكومة البريطانية ناقشوا تفاصيل المشروع خلال أغسطس 2025، حيث أشار بعضهم إلى أن الصندوق دخل بالفعل مرحلة الإنتاج، بينما أكدت رسائل أخرى أن التصميم والتكلفة قد تم تحديدهما تجاريًا، دون حسم مسألة الانتهاء من تصنيعه في ذلك الوقت.
كما تضمنت المراسلات تساؤلات حول مدى ملاءمة تقديم مثل هذه الهدية لرئيس دولة أجنبية، خاصة أنها ترتبط بأحد الرموز التقليدية للحكومة البريطانية.
"ملحمة لا تنتهي"وفي خضم هذه المناقشات، عبّر السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون عن استيائه من الجدل المستمر حول المشروع، واصفًا ما يحدث بأنه "ملحمة لا تنتهي".
وشبّه ماندلسون الموقف بأحداث المسلسل السياسي الساخر الشهير "في قلب الأحداث"، الذي يتناول حالة الفوضى والتعقيدات داخل المؤسسات الحكومية، مؤكدًا في إحدى رسائله أنه أصبح يشعر بالإرهاق من استمرار النقاشات المرتبطة بالهدية.
تسليم الهدية وتداعيات سياسيةورغم الجدل، تم تسليم الصندوق الأحمر المعدل إلى ترامب خلال لقاء جمعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقر تشيكرز الريفي خلال سبتمبر الماضي.
لكن القضية لم تتوقف عند حدود الهدية، إذ شهدت الأشهر التالية سلسلة من التطورات السياسية، شملت إقالة بيتر ماندلسون من منصبه سفيرًا لبريطانيا لدى واشنطن، إلى جانب استقالات وإقالات أخرى طالت مسؤولين ارتبطت أسماؤهم بملف تعيينه أو بالإجراءات التي سبقت توليه المنصب.
تكشف هذه الوثائق جانبًا خفيًا من كواليس العمل الدبلوماسي والسياسي البريطاني، حيث تحولت هدية بروتوكولية كان الهدف منها تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا داخل دوائر الحكم في لندن. كما تعكس الواقعة كيف يمكن لتفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها أن تتحول إلى ملف سياسي معقد عندما تتداخل مع حسابات السلطة والتعيينات والاعتبارات الدبلوماسية.