محمد بن علي بن حمد العريمي

mahaluraimi@gmail.com

 

استكمالًا للجزء الأول من المقال، وبالتوازي مع الحراك الخارجي، تشهد سلطنة عُمان نشاطًا داخليًا متناميًا في قطاع التعدين؛ ففي أغسطس 2025، جرى توقيع 3 اتفاقيات في البريمي والوسطى بقيمة 192 مليون ريال عُماني لتطوير مشاريع تعدين ومعالجة تشمل النحاس والكروميت وإنتاج مواد صناعية مثل صودا الكربون والجير المائي.

هذه الاستثمارات لا تعزز فقط الصناعات المحلية وتوفر فرص عمل؛ بل تهيء عُمان لتكون مركزًا إقليميًا لمعالجة وتصدير المعادن، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية إضافية في الأسواق العالمية. كما أطلقت وزارة الطاقة والمعادن في سبتمبر 2025 جولة جديدة للمزايدة على أربع مناطق امتياز تعدينية؛ حيث تشير المؤشرات الأولية إلى وجود الذهب والفضة والنحاس، ما يعكس الرغبة في استكشاف موارد جديدة وتنويع مصادر الدخل.

كل هذه الخطوات تندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تسعى عُمان ودول الخليج إلى تكريسها: الخروج من أَسر الاقتصاد الريعي النفطي إلى اقتصاد متنوع يستند إلى شراكات عالمية واستثمارات استراتيجية طويلة الأمد. الهند وشرق إفريقيا ليستا مجرد أسواق جديدة؛ بل منصات لتوسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي، وضمان الأمن الغذائي والطاقة، والمشاركة في الاقتصاد الأخضر العالمي.

ومن زاوية أوسع، يمكن القول إن ما يحدث اليوم هو إعادة صياغة لدور الخليج في الاقتصاد العالمي. فبعد أن كان دور المنطقة يقتصر لعقود على تصدير النفط، أصبحت اليوم طرفًا فاعلًا في تمويل الابتكار في الهند، وتطوير الزراعة في إفريقيا، واستكشاف المعادن في السلطنة نفسها. ومع أصول تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، فإن صناديق الاستثمار الخليجية، وعلى رأسها الصناديق التابعة لجهاز الاستثمار العُماني، تتحرك لتكون ركيزة أساسية في بناء اقتصاد ما بعد النفط.

إن هذه الاستثمارات لا يمكن النظر إليها كأرقام مجردة؛ بل كجزء من مشهد استراتيجي أشمل؛ حيث تلتقي المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية. فالهند بالنسبة للخليج ليست مجرد شريك اقتصادي؛ بل حليف استراتيجي في ممرات التجارة البحرية والمحيط الهندي. وإفريقيا ليست فقط أرضًا للفرص الزراعية والمعدنية؛ بل أيضًا ساحة نفوذ يتقاطع فيها الخليج مع الصين والهند وأوروبا. لذلك فإن هذه التحركات تحمل في طياتها بعدًا سياسيًا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي.

ومع استمرار هذا التوجه، من المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تزايدًا في حجم الاستثمارات الخليجية في الهند وشرق إفريقيا، مع دخول قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والطاقة الهيدروجينية. أما بالنسبة لعُمان، فإن نجاحها في موازنة استثماراتها بين الداخل والخارج، وخاصة في مجالات التعدين والذهب والزراعة، يجعلها في موقع يسمح لها بتعزيز مكانتها الاقتصادية إقليميًا وعالميًا، ويمنحها فرصة للمشاركة بفعالية في صياغة مستقبل الاقتصاد الخليجي بعد النفط.

إنَّ النجاح اللافت لصناديق الاستثمار الخليجية في اختيار أسواق الهند وشرق إفريقيا يبرهن على رؤية اقتصادية بعيدة المدى ومهارة فائقة في إدارة الموارد المالية. فقد ارتفعت صادرات دول الخليج إلى إفريقيا من 30 مليار دولار عام 2016 إلى 65 مليار دولار عام 2022، مما يعكس توسعًا ملموسًا في الروابط التجارية والثقة المتبادلة. وفي نفس الإطار، تجاوزت إجمالي الاستثمارات الخليجية في القارة 100 مليار دولار عام 2023، موزعة بين الإمارات 59.4 مليار، السعودية 25.6 مليار، قطر 7.2 مليار، وعُمان ضمن استثماراتها نحو 3.3 مليار ريال عُماني في قطاعات الطاقة والبنية الأساسية.

وفي قلب هذا النجاح يبرز جهاز الاستثمار العُماني كفاعل استراتيجي محوري؛ إذ تجاوزت أصوله 53 مليار دولار عام 2024، مُحققًا أرباحًا صافية بلغت 4.12 مليار دولار، ما يعكس قدرة الجهاز على توظيف رؤوس الأموال بذكاء في قطاعات الابتكار والطاقة والبنية الأساسية، وتعزيز الشراكات مع صناديق الثروة السيادية العالمية.

وتُجسّد هذه التحركات الاستثمارية الخليجية نموذجًا متقدمًا للإدارة الاقتصادية الذكية؛ حيث يجتمع التخطيط الاستراتيجي مع التنفيذ الدقيق، فتتحول الاتفاقيات إلى أدوات حقيقية لتعزيز النمو والتنويع الاقتصادي وتستند هذه الاستثمارات إلى دوافع استراتيجية واضحة: تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط والغاز، والاستفادة من النمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة، واستثمار الموقع الاستراتيجي والعلاقات التاريخية لتعزيز الثقة، وتوسيع النفوذ الإقليمي من خلال شراكات اقتصادية وسياسية.

وكل هذه العوامل مجتمعة تؤكد أن الاتفاقيات الخليجية، وبالأخص العُمانية، ليست مجرد صفقات مالية؛ بل خارطة طريق نحو اقتصاد مستدام، ومتوازن، ومزدهر، يجمع بين الرؤية الذكية والتنفيذ الدقيق والقدرة على خلق قيمة حقيقية للأجيال القادمة.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

المركزي: 65.38 مليار دولار أرصدة الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك المصرية

كشفت بيانات البنك المركزي المصري عن ارتفاع طفيف لأرصدة الودائع غير الحكومية بالعملات الأجنبية لدى البنوك يعادل 65.38 مليار دولار بنهاية أبريل 2026، مقارنة بنحو 65.20 مليار دولار بنهاية مارس الماضي و63.06 مليار دولار في فبراير 2026.

وذكر البنك المركزي أن ارتفاع الودائع غير الحكومية تحت الطلب بالعملات الأجنبية إلى ما يعادل 894.198 مليار جنيه، مقابل ما يعادل 9.121 مليار جنيه.

وسجلت الودائع لأجل وشهادات الادخار بالعملات الأجنبية في البنوك المصرية حوالي 2.606 تريليون جنيه بنهاية أبريل 2026، مقابل ما يعادل 2.642 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026.

وتوزعت هذه الودائع بين قطاعات مختلفة، حيث بلغ نصيب قطاع الأعمال العام ما يعادل 187.388 مليار جنيه، وقطاع الأعمال الخاص ما يعادل 581.389 مليار جنيه، فيما استحوذ القطاع العائلي على النصيب الأكبر بما يعادل 1.847 تريليون جنيه.

اقرأ أيضاعاجل| تراجع سعر الذهب الآن في مصر.. وعيار 21 يسجل هذا الرقم

سعر الدولار بمنتصف تعاملات اليوم الثلاثاء 2 مايو 2026.. تحديث لحظي

634 مليون جنيه صافي أرباح المصرف المتحد خلال الربع الأول 2026

مقالات مشابهة

  • تحويلات المصريين بالخارج.. خطة حكومية طموحة لتجاوز 38 مليار دولار ودعم استقرار الاقتصاد
  • اتفاق بـ60 مليون دولار ينقذ مليار و300 مشاهد من حجب المونديال
  • البورصة تحدد ضوابط عمل صناديق المؤشرات
  • تعزيز الدور التنموي للبورصة المصرية
  • المركزي التركي يخسر 8.4 مليار دولار عقب عزل زعيم المعارضة
  • مصر تضخ 100 مليون دولار في إفريقيا
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • المركزي: 65.38 مليار دولار أرصدة الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك المصرية
  • تحويلات قياسية للمصريين بالخارج.. نواب: 34.9 مليار دولار تعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد الوطني
  • واشنطن تتعهد بالإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال 60 يوما