جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@05:21:14 GMT

للمتقاعد حق

تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT

للمتقاعد حق

بدر بن علي بن سعيد الهادي

 

في كل مجتمع سليم ينظر إلى المتقاعد بوصفه ركيزة خبرة وخدمة لا مجرد رقم خرج من منظومة العمل، وفي بلدنا الغالي قدم آلاف الرجال والنساء أجمل سنوات أعمارهم في خدمة الدولة والمجتمع.. وما نشاهده الآن هو نتاج جهدهم وإخلاصهم.

ثم بعد ذلك وجد كثير منهم أنفسهم بعد التقاعد خارج دائرة التواصل والاهتمام، وكأنَّ العلاقة التي امتدت لعقود انتهت فجأة عند آخر يوم عمل.

اليوم المتقاعد في عُمان لا يحمل حتى بطاقة تعريف تثبت أنَّه متقاعد أو تفتح له باب امتيازات بسيطة في حياته اليومية!! والأغرب أن العلاقة بينه وبين صندوق الحماية الاجتماعية تكاد تنحصر في تحويل راتبه التقاعدي إلى البنك لا زيارات ميدانية.. ولا حتى رسائل متابعة.. ولا تحديث للبيانات.. ولا تواصل يشعره بأنه ما زال جزءا من منظومة خدمتها عشرات السنين.

من الطبيعي أن يعرف الصندوق عنوان إقامة المتقاعد أو رقم هاتفه أو حالته الاجتماعية أو احتياجاته عبر التواصل المباشر أو حتى عبر منصة رقمية، لكن الواقع يشير إلى فجوة في التواصل تشعر كثيرا من المتقاعدين بأن الرابط بينهم وبين الجهة المعنية أصبح شكليا فقط.

وإذا ما كانت هنالك خدمات لا نعلمها ولا يعلمها المتقاعد فهذا بحد ذاته قصور من قبل الصندوق.

هذا الوضع لا ينسجم مع مكانة المتقاعد ولا مع الجهود الوطنية لبناء مجتمع متماسك يشعر أفراده بالاهتمام والاحترام.

إن ما يحتاجه المتقاعد ليس أمورا معقدة، مجرد بطاقة تعريف رسمية توضح أنه متقاعد تسهل التعاملات وتفتح له أبواب الخدمات، أمر بسيط لكنه مهم. والأهم من بطاقة التعريف هو بطاقة مزايا تقدم تخفيضات وخدمات وإجراءات مبسطة أسوة بما تقدمه دول الجوار.

وهذه البطاقة ليست ترفا، بل وسيلة لتحسين جودة حياة شريحة قدمت الكثير للدولة وتستحق أن ترى تقديرا ملموسا في تفاصيل حياتها اليومية.

مثال على ذلك وليس حصرا: تخفيضات في المستشفيات والعيادات الخاصة، وخصومات في المتاجر والمطاعم والفنادق، وتسهيلات في الإجراءات الحكومية، وأولوية في بعض الخدمات، وباقات سفر وترفيه مخصصة.

هذه المبادرات لا تشكل عبئا ماليا على صندوق الحماية الاجتماعية، لأن طبيعة عمل الشركات والمحلات تقوم في الأصل على تقديم عروض وخصومات في المواسم، لذا كل ما تحتاجه هو تنظيم وربط وليس تمويلا بذاته.

البطاقة ليست مجرد خصم في فاتورة؛ بل رسالة تقدير معنوي وأثر إنساني قبل أن تكون ميزة مادية. شعور المتقاعد بأنه ما زال جزءًا من المنظومة يعزز ثقته واحترامه لسنوات خدمته وتكريمه بطريقة عملية يشعر بها في يومه.

والشركات من جهتها تكسب شريحة زبائن واضحة ومستمرة بينما يستثمر المجتمع في رفع جودة حياة فئة تستحق أن تعامل باحترام أكبر.

لذا عندما نقول للمتقاعد حق فنحن لا نطالب برفاهية؛ بل بأبسط صور الوفاء لمن خدم الوطن بإخلاص.

المتقاعد لا يطلب الكثير لكنه يستحق الكثير!

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي

تأتي الصدمات الكبرى في الوعي الجماعي حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء العربي خريفا متسارعا تهاوت فيه نخب فكرية وفنية ومؤثرون بنوا أمجادهم على أكتاف قضايا الشعوب، لينتهي بهم المطاف كتروس ناعمة في ماكينات الترويج السياسي. لكن وسط هذا الزحام، تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كلوحة تراجيدية شديدة الخصوصية؛ حالة منزوعة الأعذار، سقطت عنها كل تبريرات الانكسار التقليدية.

يبدأ المشهد من فيينا، حيث الضباب الشتوي العريق والأمان المطلق. لكنه ليس مجرد شتاء عابر؛ إنه يتداخل مع ذلك الشتاء السياسي الصقيعي الذي ضرب المنطقة العربية عقب وأد ربيعها الأخضر، ذلك الربيع الذي علّقت عليه الشعوب آمالا عريضة ومستقبلا يرجى منه الخير الكثير، قبل أن تتكالب عليه قوى الثورة المضادة والأنظمة المستبدة لتدفنه في مهده، وعلى رأس تلك الأنظمة الجهة التي يتوجه إليها عدنان إبراهيم اليوم بارتياح ومباركة.

نحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض
وسط هذا الصقيع العربي، وخلف النوافذ النمساوية الدافئة، يعيش هذا المفكر محصنا بالقوانين الأوروبية، بعيدا عن أيدي البطش وسياط الجلادين، لا خوف يهدد حياته، ولا جوع يهدد عائلته. وهنا تحديدا يكمن البُعد الفلسفي المرير لتحوله: فالرجل لم يتحرك تحت وطأة "الرَّهبة"، بل سار طوعا خلف "الرَّغبة". لم تكن خطوته زلة لسان في لحظة اندفاع، بل مسار تشكّل بهدوء وصيغ بدم بارد، مع سبق الإصرار والترصد؛ مسار بدأ بتنقية طروحاته الفكرية لتلائم هوى الأنظمة، وانتهى بتوقيع العقود الرسمية وتولي منصب المستشار في أبوظبي. حتى ذلك الحادث المروري الرهيب عام 2019 الذي هشم جسده وعزله سنتين، بدا في القراءة الأخلاقية كأنه كسر العظام لكنه لم يبرر بيع الروح في سوق النفوذ.

وهذا العود الأكاديمي والسياسي الملتوي، يعيد إلى الأذهان فورا تراجيديا دينية وتاريخية غائرة في عمق الوعي الإنساني؛ قصة "بلعام بن باعوراء". فالمقارنة هنا لا تنبع من مجرد رغبة في استدعاء التاريخ، بل لأن الشخصيتين تلتقيان في ذات المنحدر النفسي: كلتاهما حظيت بعلم غزير، وفصاحة تخلب الألباب، وبصيرة فكرية كانت كفيلة بهداية أمة، لكن كليهما اختار في لحظة فارقة أن ينسلخ من آياته ومبادئه ليضع علمه في خدمة الطغيان طمعا في عَرَض الدنيا. إنها ذات المعضلة الفلسفية القديمة المتجددة: كيف يتحول "التنوير" إلى أداة للتبرير؟ وتتجلى هذه الأزمة في أبهى صورها التعبيرية، حيث يقول الله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).

وإذا تفكك الاسم الديني والتاريخي "بلعام بن باعوراء" في سياق لغوي وفلسفي، سنرى أمامنا تشريحا مشهديا صارخا لسقوط المثقف. فالاسم يلتحم لغويا بـ"البلعوم"؛ ذلك المجرى البيولوجي الشره للبلع والطعام. وكأن كل تلك الفصاحة، والخطب الرنانة التي سحرت الملايين، تم ترويضها واختزالها لتخدم "البلعوم" والمصالح المادية والمناصب الرفيعة. هنا يتجسد المعنى الفلسفي للمشهد، حيث يقول الله تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف: 176)؛ لهاث وجودي دائم خلف المادة لا ينقطع.

ثم تكتمل الصورة في "باعوراء"؛ التي تبدأ بـ"باعَ"، وهي لقطة المقايضة العظمى حيث يستبدل المفكر رصيده الشعبي وعلمه بعقود عمل ووظيفة سلطوية زائلة، وتتوسطها "عوراء"، لتجسد ذلك "العور الفكري" والانتقائية الأخلاقية؛ حيث تنفتح العين بـانبهار على شعارات "التسامح والحوكمة" في أروقة المؤتمرات، بينما تُصاب بالعمى التام أمام دماء المستضعفين والفتن والحروب الإقليمية. وينتهي اللفظ بـ"وراء"، ليرسم حركة الارتداد التراجيدي لمفكر أمضى عقودا يزعم أنه يقود الطليعة التنويرية في المقدمة، فإذ به يرتد إلى الوراء ليصبح مجرد تابع يبرر سياسات الحكام.

وهنا تتجلى المفارقة في اسم الرجل نفسه وصيغته المركبة؛ "عدنان إبراهيم". ففي فقه اللغة، يشتق "عدنان" من لزوم الحق والثبات والاستقرار عليه، لكن عدنان قصتنا خان اشتقاق اسمه؛ فاستبدل الثبات بالارتحال إلى مواطن الزيف، ليلتحم هذا السقوط اللغوي بعبث سياسي أشد مرارة في اسم أبيه "إبراهيم"؛ فالاسم الذي حمل يوما طهر الرمزية الإنسانية، أُفرغ اليوم من محتواه ليتماهى مع "الاتفاقيات الإبراهيمية الخرقاء" التي هندسها ترامب لتركيع المنطقة وفرض التطبيع على بلدانها. وكأن المفكر بارتمائه في أحضان عاصمة هذه الاتفاقيات، بات يحمل غطاء سياسيا باردا يبرر الانبطاح، في وقت تذبح فيه غزة من الوريد إلى الوريد.

هذه المشهدية الفكرية الباذخة لـ"بلعم الجديد" تصطدم بالميكانيكية البنيوية الخشنة التي تدار بها عواصم المنطقة اليوم. فنحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض.

ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد
في ذات اللحظة التي يبتلع فيها نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعاته المكيفة محاطا بحفاوة المؤسسات الرسمية، تفتح ذات الماكينة زنازينها المظلمة لتبتلع المشايخ والعلماء والمثقفين الحقيقيين؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا ترسا في هذه البنية. نرى الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في سجون الإمارات، وعلماء أحرارا في سجون السعودية ومصر وتونس، لا لشيء إلا لأنهم كسروا شروط اللعبة الرسمية، ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خذلان قضايا الأمة، وعلى رأسها مأساة غزة التي تواجه الإبادة. المفارقة هنا حارقة وفلسفية بامتياز: الأحرار يُسجنون لثباتهم وهم داخل الأوطان، والمحصن في منافيه الأوروبية ينزل من شرفته الآمنة ليدخل طواعية أروقة الماكينة، ويقتات على موائد دُفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء.

ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد. واليوم، ونحن على أعتاب صيف لاهب وحار، تبدو الأجواء مشحونة بأنفاس جديدة قد تعيد الحياة إلى ذلك الربيع العربي؛ الربيع الذي استعجل عدنان دفنه وظن -واهما- أنه قد مات وانتهى، أو ربما أقنع نفسه تحت بريق العطايا الرسمية بأنه لم يكن سوى "مؤامرة".

إن الصيف القادم يحمل في طياته حرارة الحقائق لا حرارة الطقس فحسب؛ حقيقة أن الشعوب قد تنام لكنها لا تموت، وأن الجمر الكامن تحت رماد الاستبداد ينتظر ليفاجئ كل مَن باعوا أقلامهم وظنوا أن عجلة التاريخ قد توقفت عند عتبات قصور حكامهم. النتيجة الفلسفية الأخيرة هي أن الأمة وقضاياها العادلة لا تخسر بانسلاخ الأشخاص؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ، ويبقى الصوت التاريخي يتردد بمرارة فوق لقطة النهاية: "لكل زمان بلعمه"، والتاريخ لا يرحم مَن اشترى بآيات الله ومبادئه ثمنا قليلا.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا
  • غروسي: الكثير من أنشطة إيران النووية توقفت بسبب الحرب
  • مدير وكالة الطاقة الذرية: الكثير من أنشطة إيران النووية توقفت  
  • المرور: خدمة بطاقة عرض مركبة تمكّن المستفيد من عرض بيانات المركبات بكل يسر  
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • مواطن وزوجته يفترشان الرصيف في وسط البلد بعمان.. وأسئلة حول دور الحماية الاجتماعية
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • روبيو: نحن في مرحلة تفاوض مع إيران على الكثير من النقاط
  • ندوة عن “الحروب المستقبلية” في كلية الدفاع الوطني
  • لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي