هل ما زلنا كما وصفنا الإنجليز؟
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
حساب Sudan History على منصة X (تويتر سابقًا) حسابًا شيقًا يوثق الكثير من تاريخ السودان الحديث. قبل عدة أيام، استوقني فيه خبر منسوب للعام 1951 جاء فيه أن كبار المسؤولين البريطانيين رأوا أن القادة السودانيين يمتلكون القابلية لحكم ذاتي مستقل، لكن كأفراد فقط، لا كمجموعات. وأضافوا أن السودانيين ما زالوا متفككين، يتعاملون مع بعضهم بقليل من الثقة وكثير من الغيرة والحسد، مما يمنعهم من العمل سويًا.
يبدو أن ذلك الوصف الاستعماري لم يكن مجرد رأي عابر، بل خلاصة مراقبة دقيقة لبلدٍ كانت تتشكل فيه معاني الوطنية وتتنازع فيه الولاءات بين القبيلة والطائفة والحزب. كان البريطانيون يدركون أن ضعف الثقة بين أبناء الوطن هو الضمانة الأنجع لاستمرار السيطرة عليه.
ومما ينسب للبروفيسور عبدالله الطيب قوله: “إن هناك قبائل عربية من الجزيرة العربية اشتهرت بالحسد قبل هجرتها إلى السودان، وأن عددًا كبيرًا من هذه القبائل قد هاجر وامتدّ وجودها داخل السودان”.
هذه الملاحظة تضيف بعدًا تاريخيًا للحديث عن أسباب التفكك الاجتماعي والسياسي، إذ تشير إلى أن بعض ملامح الغيرة والحسد ليست مجرد تراكمات استعمارية، بل لها جذور عميقة في تاريخ التكوين القبلي والثقافي لبعض المكونات السودانية.
ولا يقتصر الأمر على الحياة السياسية أو الوطنية، فالغُيرّة والحسد تمتد أيضًا إلى المستوى المهني والوظيفي، سواء في مؤسسات الدولة، أو في القطاع الخاص، أو داخل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، أو حتى داخل أي تنظيم مهني أو أهلي في أحد الأحياء. كثيرًا ما تتحول المشاريع المشتركة إلى ساحات صراع على المنصب، أو الاعتراف، أو النفوذ، وهو ما يعيق التعاون ويضعف أي جهد جماعي، مهما كانت نواياه نبيلة.
وكما قال الدكتور أحمد زويل:
«الغرب ليسوا عباقرة، ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل».
هذه العبارة تلخص بشكل بليغ ما نعانيه أحيانًا في مؤسساتنا ومجتمعنا، حيث تصطدم المبادرات الناجحة بالغيرة والحسد بدل أن تحظى بالدعم والتقدير، مما يعيق تقدمنا الجماعي.
لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه بعد أكثر من سبعين عامًا: هل تغيّر شيء؟
هل نجحنا فعلًا في بناء مشروع وطني يتجاوز الفردية والتشرذم، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاج الصورة ذاتها بألوان جديدة؟
حين نتأمل مسارنا بعد الاستقلال نجد أن معظم أزماتنا، من الانقلابات المتكررة إلى الحروب الأهلية، ومن الفشل الاقتصادي إلى ضعف المؤسسات، تعود في جوهرها إلى عجزنا عن العمل الجماعي، وإلى غياب الثقة المتبادلة بين مكونات الوطن. لا تزال روح المنافسة الصغيرة، والغيرة السياسية، والجهوية الضيقة تتقدّم على روح الشراكة الكبرى لبناء السودان.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من إشراقات أملٍ تؤكد أن هذا الشعب قادر على النهوض متى ما اتحد حول هدف وطني صادق. فقد تجلّت وحدة السودانيين في لحظات تاريخية عظيمة — في ثوراتهم، في مقاومة العدوان، وفي المواقف النبيلة التي تبرز وقت الشدائد.
ربما السؤال الأهم اليوم ليس: هل ما زلنا كما وصفنا الإنجليز؟
بل: متى نكسر هذا الوصف ونكتب بأنفسنا تعريفًا جديدًا للسوداني؟ ذلك التعريف الذي يبدأ من بناء الثقة لا الشك، ومن التعاون لا التنافس، ومن الإخلاص للفكرة الوطنية لا للمصلحة الضيقة. حينها فقط نستطيع القول إننا تجاوزنا الصورة التي رسمها المستعمر، وبدأنا في رسم صورتنا بأنفسنا صورة شعبٍ جديرٍ بوطنه، ووطنٍ جديرٍ بشعبه.
عمر محمد عثمان
22 ديسمبر 2025م
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2025/12/26 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة حليف يعلم أدق تفاصيل المخطط الجهنمي الذي يستهدف السودان2025/12/26 الخيابة والارتزاق تليق بك يا وجدي وتليق بأمثالك2025/12/26 الطيب صالح: وكتشنر التي كانت تعاكسنا أغرقها الله في بحر الشمال يا خينا.2025/12/26 اتذكر نكتة السر قدور كلما تتحدث قحت انها ترغب في الديموقراطية2025/12/26 أحد الذين كانوا مع (ترويس) في (ملصة) كمبالا2025/12/26 هذا هو منطق الجنجويد وهذه نظرتهم لك2025/12/26شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات ⛔ قبل أن تحضر الفيديو أريد منك تقرأ هذا الكلام وتفكر فيه 2025/12/26الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
قال تقرير دوري لمجلس الأمن الدولي إن الحرب في السودان دخلت مرحلة أقرب إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مع استمرار تدفق الأسلحة والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وترسخ ما وصفه بانقسام فعلي لمناطق السيطرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
التغيير ــ وكالات
وأوضح التقرير الشهري الصادر في أول يونيو الجاري أن النزاع، الذي دخل عامه الرابع، يشهد تصعيداً في عدة جبهات، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، الأمر الذي يزيد من مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.
وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وإضعاف هياكل الحكم الهشة أصلا، في وقت لم تنجح فيه حتى الآن الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية تفاوضية أو وقف مستدام لإطلاق النار.
وأشار التقرير إلى أن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن لا تزال تعرقل التوصل إلى مواقف موحدة بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك حماية المدنيين وآليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، رغم توافقهم على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وحذر التقرير من استمرار التدهور الإنساني، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 135 ألفاً في ظروف كارثية.
كما لفت التقرير إلى أن الوصول الإنساني لا يزال يواجه قيوداً كبيرة بسبب انعدام الأمن والعقبات اللوجستية والإدارية، فيما تظل عدة مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.
وفي الجانب الحقوقي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير أممية تفيد بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المرتبطين بهذه الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.
ومن المتوقع أن يتلقى مجلس الأمن خلال شهر يونيو الإحاطة الدورية الخاصة بالوضع في السودان، والتي تُقدَّم كل 120 يوماً.
كما يُنتظر أن يتلقى المجلس خلال الشهر إحاطة بشأن أعمال لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 الخاصة بالسودان. إلا أنه حتى وقت إعداد التقرير لم يكن قد تم تعيين رئيس اللجنة، نظراً لعدم توصل أعضاء المجلس بعد إلى اتفاق بشأن توزيع رئاسة الهيئات الفرعية التابعة للمجلس خلال العام الحالي.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة عشرات الآلاف، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.
الوسوماستنزاف انقسام داخلي حرب السودان مجلس الأمن الدولي