من الموصل إلى واشنطن.. حصاد الوثائقيات الأبرز في 2025
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
في عام 2025، تألقت السينما الوثائقية كنافذة تطل على وجوه العالم المختلفة، تحمل في طياتها حكايات صامتة عن الصمود والغياب والبحث عن معنى لاستكمال العيش. وتتبدى قوة هذه الأفلام في قدرتها على تحويل الأحداث المسجلة إلى مسيرة حقيقية داخل الروح تكشف أن الفن طالما كان وسيلة لفهم ما لا يقال ورصد ما لا يرى.
وإليكم في هذا التقرير، أهم الأفلام الوثائقية لهذا العام التي لم تكتف برصد الواقع، بل حرصت على أن تصنع منه تجربة بصرية ووجدانية، تفتح الباب أمام المشاهد للتأمل وإعادة تعريف ذاته في عالم يتقلب بين الفقد والتحول.
رغم كون الفيلم الوثائقي "الأسود على ضفاف نهر دجلة" (The Lions by the River Tigris) ناطقا بالعربية وعراقي الموضوع والهوية من حيث المكان والشخصيات والهم الإنساني، فإنه إنتاج أوروبي مشترك بين العراق والنرويج وهولندا، وهو ما منحه بعدا عالميا بدون أن يفقد جذوره المحلية.
ويأخذنا الفيلم في رحلة داخل مدينة الموصل بعد سنوات من الدمار، متتبعا يوميات مجموعة من السكان وهم يحاولون إعادة بناء حياتهم وهويتهم الثقافية على ضفاف نهر دجلة. لا يعتمد الفيلم على السرد السياسي المباشر، بل ينحاز إلى التفاصيل الصغيرة: الذاكرة، الخسارة، الحنين، ومحاولات الترميم التي تتجاوز الحجر إلى أعماق النفس البشرية.
في حين تتداخل الحكايات الفردية لتشكل صورة جماعية عن مدينة تحاول استعادة صوتها بعد أن كاد يمحى، فيتحول المكان إلى بطل خفي، والنهر إلى شاهد على ما جرى وما لا يزال في طور التشكل.
فنيا، تميز الفيلم بالإيقاع البطيء المقصود ولغته البصرية الشاعرية، إذ اعتمد على لقطات طويلة وتأملية للنهر، والبيوت المهدمة، والوجوه الصامتة، وهذا جعل الصورة تتجاوز حدود التوثيق التقليدي. كما وظفت الذاكرة بوصفها عنصرا دراميا محركا للسرد، تتقاطع من خلاله الأزمنة.
إعلانوقد حرص صانعو الفيلم على تجنب الخطاب التقريري، تاركين الشخصيات تحكي قصتها بذاتها بدون وساطة تفسيرية، لنصبح أمام عمل لا يكتفي بتوثيق ما بعد الحرب، بل يطرح سؤالا أعمق عن معنى البقاء، وكيف يمكن للإنسان أن يبدأ حياة جديدة في مدينة مثقلة بالغياب.
إيران: اختراق الصخوريتتبع الفيلم الوثائقي متعدد الجنسيات، "اختراق الصخور" (Cutting Through Rocks) سيرة امرأة إيرانية تدعى "سارة شاهي فردي"، تصبح أول امرأة تنتخب لعضوية مجلس قروي في منطقة ريفية محافظة شمال غرب إيران.
ولا يكتفي الفيلم برصد الحدث بوصفه سابقة سياسية، بل يغوص في تفاصيل الحياة اليومية لهذه المرأة، كاشفا الصراع المعقد بين السلطة المحلية، والعادات المتجذرة، ومحاولات التغيير البطيئة التي تقودها من داخل المنظومة.
الحبكة هنا غير تقليدية، إذ تتشكل تدريجيا عبر المراقبة الطويلة والصبورة، إذ تتراكم المواقف الصغيرة لتبني صورة أوسع عن معنى المقاومة الهادئة، وعن ثمن أن تكون المرأة صوتا عاما في فضاء لم يهيأ لها.
من جهته، استخدم المخرج لغة بصرية تتجنب الاستعراض واختار تقريب الكاميرا من الشخصيات بدون تعليق صوتي موجه ليبدو السرد صادقا، في حين سمح امتداد التصوير على فترات طويلة برصد التحولات النفسية والاجتماعية لا اللحظات الصادمة فقط.
وقد لاقى العمل صدى واسعا في المهرجانات الدولية باعتباره أحد أبرز الأفلام الوثائقية التي تناولت قضايا المرأة، حتى إنه حصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان صندانس السينمائي الدولي.
أميركا: كشف الحقيقة المخفيةمن الولايات المتحدة، يبرز فيلمان وثائقيان، يأتي في مقدمتهما فيلم تيتان:" كارثة أوشن غيت" (Titan: The OceanGate Disaster)، الذي يتناول واحدة من أكثر الكوارث البحرية إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين، وهي حادثة انفجار الغواصة السياحية "تيتان" التابعة لشركة أوشن غيت خلال رحلتها إلى حطام سفينة "تايتانيك" في يونيو/حزيران 2023.
أخرج الفيلم مارك مونرو، أحد أبرز صناع الأفلام الوثائقية الاستقصائية في الولايات المتحدة، وركز من خلاله على الساعات الأخيرة التي سبقت الكارثة، إلى جانب الأشهر التي مهدت لها، متتبعا سلسلة القرارات التقنية والإدارية التي قادت الغواصة إلى الانفجار المفاجئ في أعماق المحيط.
ولا يكتفي الوثائقي بسرد تسلسل الأحداث، بل يحول مأساة حديثة العهد إلى مساحة للتأمل والنقاش، عبر تسليط الضوء على سياسات الشركة، وخياراتها الإدارية، والتحذيرات المتكررة التي أطلقها مهندسون وخبراء وتم تجاهلها، كاشفا عن صراع خفي بين الطموح التجاري ومتطلبات السلامة.
ويعتمد العمل على مزج متقن بين الشهادات الشخصية والمواد الأرشيفية والتسجيلات الصوتية، في بناء درامي مشدود يعزز الإحساس بالتوتر، لتتحول الكارثة من مجرد خبر عاجل إلى سؤال أخلاقي مفتوح حول حدود المغامرة البشرية عندما تنفصل عن العلم والمسؤولية، وحول الخط الفاصل بين التكنولوجيا والربح والإنسان.
وبحسب عدد من النقاد، ينتمي الفيلم إلى فئة الوثائقيات التحذيرية القادرة على تبسيط القضايا التقنية المعقدة دون إخلال بعمقها، مستندا إلى سرد مشوق وتحقيق استقصائي محكم يربط بين الوقائع العلمية والبعد الإنساني، مدعوما بمونتاج متوازن حافظ على الإيقاع المشدود دون الوقوع في الإثارة المفتعلة
إعلانأما العمل الثاني من أميركا، فيلم "التغطية/كشف الحقيقة المخفية" (Cover‑Up) الذي قدم ملفا موسعا عن مسيرة الصحفي الاستقصائي "سي مور هيرش" -الحائز على جائزة "بوليتزر"- والتي امتدت عقودا، كشف خلالها عن جرائم فادحة ارتكبتها مؤسسات أميركية.
من بينها مجزرة ماي لاي في حرب فيتنام، وتعذيب السجناء في سجن أبو غريب، مرورا ببرامج التجسس السرية لوكالة الاستخبارات المركزية والعديد من الانتهاكات الأخرى. واعتمد الفيلم على مقابلات مع هيرش نفسه، ومواد أرشيفية ومراسلات ووثائق لم تنشر من قبل، ما منحه ثراء معرفيا وعمقا تاريخيا.
ولم يكتف الفيلم بسرد السيرة الذاتية فقط، بل حول حياة هيرش إلى حالة فنية تعكس صراع البحث عن الحقيقة في مواجهة التضليل الرسمي، عبر بنية متماسكة تجمع بين الذاكرة الشخصية والأحداث التاريخية الكبرى، وبين الصرامة والتناقضات الإنسانية، وهذا رفع الفيلم إلى مستوى السرد السينمائي الراقي.
وعلى الرغم من أن الفيلم لم يفز بأي جوائز كبرى حتى الآن، إلا أنه حقق نسب مشاهدات مرتفعة وأشاد به الجمهور، قبل أن يختاره النقاد ضمن أبرز الوثائقيات لعام 2025.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
تداعيات حرب إيران والجفاف يُقلصان حصاد القمح الأسترالي.. ومخاوف من نقص المعروض
حذرت الحكومة الأسترالية من أن موسم حصاد القمح القادم سيكون الأضعف منذ ثلاث سنوات، في ظل ارتفاع تكاليف الأسمدة وموجة الجفاف التي تعاني منها مناطق واسعة من البلاد.
تعد أستراليا من كبرى الدول المصدرة للقمح وغيره من المحاصيل، ما يثير مخاوف تراجع إنتاجها إلى تقلص المعروض العالمي، ما سيولد ضغطا على الأسعار التي بلغت أعلى مستوياتها في عامين خلال شهر مايو الماضي، على خلفية خسائر المحاصيل في الولايات المتحدة.
وكشف المكتب الأسترالي للاقتصاد الزراعي وعلوم الموارد(ABARES) ، في تقريره الفصلي ، أن الحصاد المنتظر في أواخر عام 2026 لن يتجاوز 26.7 مليون طن من القمح، وهو ما يعد أقل بنحو تسعة ملايين طن عن الموسم المنصرم، وثمانية ملايين طن دون المتوسط المسجَّل في المواسم الخمسة الأخيرة.
ولقد تضررت سلاسل إمداد الأسمدة بشكل لافت منذ أن أسفرت الحرب في إيران عن تضييق الخناق على شحنات دول الخليج، مما أشعل فتيل ارتفاع غير مسبوق في أسعارها.
ويرى المكتب أن هذا الواقع سيضطر المزارعين إلى تقليص كميات الأسمدة المستخدمة، مما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل.
وعلى الصعيد المناخي، عانت مناطق واسعة من شرق أستراليا من شُح في الأمطار لأشهرٍ متتالية، وعلى الرغم من أن اتساع نطاق هطول الأمطار في مايو الماضي أسهم في تحسن جزئي في ظروف نمو المحاصيل، فلا يزال مكتب الأرصاد الجوية يتوقع وقوع ظاهرة النينيو وهطول أمطار دون المستويات الطبيعية في الأشهر المقبلة.
وفي هذا الإطار، أكد المكتب أن "الوفاء بالتوقعات الإنتاجية الحالية مرهونٌ بتوافر الأسمدة بكميات كافية وفي الوقت المناسب، إلى جانب تساقط الأمطار بكميات وافية".
وقدَّر المكتب الأسترالي للاقتصاد الزراعي وعلوم الموارد أن المساحة المزروعة بالقمح ستنخفض بنسبة 12 بالمئة مقارنةً بالموسم الماضي، لتبلغ 10.9 مليون هكتار، وهو أدنى مستوى منذ موسم 2019-2020.
في المقابل، من المرتقب أن ترتفع مساحة زراعة الشعير - الذي يستلزم كميات أسمدة أقل مقارنةً بالقمح - بنسبة 4 بالمئة عن الموسم الماضي لتصل إلى خمسة ملايين هكتار، غير أن الإنتاج سيظل يشهد تراجعًا بنسبة 15 بالمئة ليستقر عند 14.1 مليون طن، أما مساحة زراعة الكانولا - التي تحتاج إلى كميات وفيرة من الأسمدة وإن كانت أعلى قيمة من القمح - فمن المتوقع أن تتقلص بنسبة 6 بالمئة لتصل إلى 3.5 مليون هكتار، فيما سيكون الحصاد أصغر بنسبة 20 بالمئة ليبلغ 6.2 مليون طن.
وأظهرت بيانات حكومية أن أستراليا أوشكت على إتمام فترة زراعة البذور، فيما يُرتقب انطلاق موسم الحصاد مع اقتراب نهاية العام الجاري.