في وقت تتكاثف فيه الأزمات وتتزاحم فيه الفتن، وتستباح فيه الدماء في أكثر من بقعة من العالمين العربي والإسلامي، حلّ شهر رجب، أحد الأشهر الحرم، حاملا دلالات دينية وروحية عميقة، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول قدسية الزمان، وحرمة الدم، ووظيفة العبادة في زمن المحن، وحدود العلاقة بين التدين الفردي والهم العام للأمة.

هذه القضايا كانت محور حلقة برنامج "أيام الله" التي بثتها الجزيرة مباشر اليوم الجمعة (2025/12/26)، واستضافت فيها الداعية الإسلامي ورئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي صلى الله عليه وسلم الدكتور محمد الصغير، في حوار تناول مكانة الأشهر الحرم، وخصوصية شهر رجب، وسلوك المسلم في هذه المواسم، في ظل ما تشهده غزة والسودان وغيرهما من آلام.

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3أيام الله.. فضل أيام العشر من ذي الحجةlist 2 of 3أيام الله.. زمن الفتنlist 3 of 3أيام الله.. فقه الصيامend of list

استهل محمد الصغير حديثه بالتأكيد على أن تفضيل بعض الأزمنة على بعض هو من سنن الاصطفاء الإلهي، شأنه شأن تفضيل بعض الأنبياء وبعض الأمكنة وبعض المخلوقات، مستشهدا بالآيات القرآنية التي تقرر هذا المعنى، ومنها قوله تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" (البقرة: 203).

وأوضح أن الله تعالى فضل بعض الأزمنة، فجعل يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وليلة القدر خيرا من ألف شهر، وشهر رمضان سيّد الشهور، كما جعل أربعة أشهر حرما، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع.

وبيّن أن شهر رجب كان معظّما حتى في الجاهلية، حيث كانت العرب تحرم فيه القتال، مما أكسبه اسما آخر هو "رجب الأصم"، في إشارة إلى غياب صوت السيوف واصطكاك الحروب.

كسر الرتابة والاستعداد

وفي إجابته حول التغييرات التي على المسلم فعلها مع دخول شهر رجب، أوضح الصغير أن من مقاصد الشريعة كسر الرتابة التربوية، وعدم ترك الإنسان أسير نمط واحد من العبادة أو السلوك، مشيرا إلى أن تنوع المواسم الدينية يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة مع الله والوقوف عند حدوده.

وأكد أن الأشهر الحرم ليست مجرد توقيتات زمنية، بل محطات تربوية تذكر بحرمة الدماء، وتحد من منسوب العنف، وتدعو إلى تغليب السلام حتى في سياقات الصراع، إلا لضرورة مشروعة.

ووصف الضيف شهر رجب بأنه بوابة أولى لرمضان، حيث اعتاد المسلمون تاريخيا على اعتباره بداية الاستعداد الروحي والنفسي لشهر الصيام مثل مرحلة الإحماء قبل المجهود البدني.

وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من العبادة في الأشهر الحرم عموما، وأن شهر شعبان كان ميدانا واسعا للصيام، كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها، موضحا أن ذلك ينسجم مع كون رجب مرحلة تمهيدية تعيد وصل المسلم بالعبادة، دون أن ينسب إليه فضل خاص مستقل عن بقية الأشهر الحرم.

جدل الاحتفال برجب

وتوقف الحوار عند الجدل المتكرر حول تخصيص شهر رجب باحتفالات أو عبادات بعينها، حيث شدد الصغير على أنه لا يوجد في السنة النبوية ما يثبت تخصيص يوم أو ليلة معينة في رجب بعبادة أو احتفال خاص.

وأكد أن المشروع هو الإكثار من الطاعات عموما من صيام وذكر وصلاة وصدقة، باعتبار رجب من الأشهر الحرم، لا باعتباره موسما مستقلا بفضائل خاصة، محذرا من الخلط بين تعظيم الزمان شرعا وبين استحداث ممارسات لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن السلف الصالح.

وانتقل النقاش إلى السؤال الأكثر حضورا في وجدان المسلمين اليوم، وهو: كيف تعاش مواسم الطاعة في ظل ما يحدث في غزة وغيرها من مناطق النزاع؟

وأكد محمد الصغير أن أهل غزة وأهل البلاء عموما لم يبق لهم إلا الله، وأن هذه المواسم ينبغي أن تتحول إلى مواسم فرج، لا على المستوى الروحي فقط، بل على المستوى العملي، من خلال الإغاثة والصدقة وبذل المال.

وأشار إلى أن أقل أشكال التضامن، كالتبرع بالخيام أو المأوى، يمكن أن يحدث فارقا هائلا، مستشهدا بما وصفه من مشاهد غرق الأطفال في خيام غزة خلال الشتاء، ومشيرا إلى وجود بيوت متنقلة جاهزة لم يسمح بإدخالها.

وانتقد الضيف بشدة الفهم الذي يفصل بين العبادة الفردية والاهتمام بشؤون المسلمين، مؤكدا أن السيرة النبوية تقدم نموذجا معاكسا، حيث جاء فرض الصيام متزامنا مع أولى المعارك الكبرى، غزوة بدر في السابع عشر من رمضان.

وأوضح أن سورة البقرة، التي فُرض فيها الصيام، هي ذاتها التي فُرض فيها القتال، مشيرا إلى أن أعظم الفتوحات الإسلامية، بما فيها فتح مكة، وقعت في شهر رمضان، مما ينقض فكرة الانزواء التعبدي المنفصل عن واقع الأمة.

حرمة الدماء وتغليظ الذنوب

وفي محور آخر، تناول البرنامج قضية استحلال الدماء، لا سيما في النزاعات الداخلية، مؤكدا أن الدم أول ما يقضى فيه يوم القيامة، وأن انتهاكه في الأشهر الحرم أشد إثما.

وتطرّق إلى المأساة السودانية، مستشهدا بتقارير أممية عن نزوح أكثر من 12 مليون شخص، ووقوع انتهاكات جسيمة من قتل واغتصاب، واصفا ما يحدث بأنه فاجعة أخلاقية وإنسانية كبرى.

وفيما يتعلق بليلة الإسراء والمعراج، أوضح الصغير أن العلماء اختلفوا في تحديد زمنها، ولم يثبت بدليل قاطع أنها وقعت في 27 رجب، مؤكدا أن التذكّر مشروع لكن دون تخصيص احتفالات أو طقوس.

وشدد على أن استحضار الإسراء ينبغي أن يقود إلى تعظيم المسجد الأقصى وربطه بالواقع، لا تحويل الذكرى إلى مناسبة شكلية.

واختتمت الحلقة بالتأكيد على أن شهر رجب، بوصفه من الأشهر الحرم، يحمل رسالة مزدوجة: تعظيم الزمان واستدعاء الضمير، في زمن تختبر فيه القيم ويقاس فيه صدق الإيمان بالفعل لا بالشعارات.

Published On 26/12/202526/12/2025|آخر تحديث: 22:44 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:44 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات النبی صلى الله علیه وسلم الأشهر الحرم أیام الله شهر رجب على أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

مقالات مشابهة

  • خلال أيام.. قرار عاجل بشأن سحب شقق الإسكان الاجتماعى من هؤلاء
  • 8 دول عربية وإسلامية تدين استمرار اقتحامات المستوطنين للأقصى
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • وداع ضيوف الرحمن عبر منافذ المملكة.. رحلة إيمانية تكتمل بخدمات متكاملة وتنظيم استثنائي
  • قبل أيام من كأس العالم.. أزمة التأشيرات تربك معسكر إيران الأخير
  • منع الاحتفالات داخل الحرم الجامعي خلال مناقشات التخرج
  • خلال أيام.. الإسكان الاجتماعي يحذر من إلغاء تخصيص الوحدات في هذه الحالة
  • حزن كبير.. سعد الصغير يوجه اللوم والعتاب للمطربين الشعبيين.. ما القصة؟
  • الأسرة تأخرت 15 ساعة.. تفاصيل واقعة وفاة الصغير ضحية الفول السوداني