لماذا تتكرر مظاهر التلون والتحول والتقلبات الحادة في تاريخ جماعة "الإخوان" منذ تأسيسها؟ ولماذا يرتدي قادتها وأعضاؤها أقنعة تتبدل وتتغير، لتنتقل بين عداءٍ سافرٍ لأنظمة حكم وقوى سياسية أو جماعات متطرفة، إلى تحالفٍ وتعاونٍ وربما اندماجٍ كامل؟ هل هي مجرد "براجماتية سياسية" عابرة، أم أنها عقيدة راسخة في عقل التنظيم السري الحركي؟ وهل يتحصن "الإخوان" بـ"التَّقِيَّة" بوصفها منهجًا فكريًا وأداةً استراتيجية؟

"التَّقِيَّةُ" لغويًا مشتقة من "الوقاية"، أي اتخاذ حاجزٍ يحمي الإنسان من الخطر.

وهي إظهار خلاف ما يبطنه "الإخواني" بادعاء حماية نفسه أو ماله أو حماية التنظيم. وفي العرف الحركي للجماعة، تتحول التَّقِيَّة من مجرد "رخصة شرعية" فردية في حالات الإكراه، إلى "استراتيجية بقاء" جماعية.

تعتمد الجماعة في أدبياتها على ما يسمى "المُدَارَاة" كوجهٍ مقبولٍ اجتماعيًا للتقية. والمداراة لغةً هي الرفق بالناس ولين الكلام، لكن التنظيم وظفها لتكون وسيلةً لـ "الخداع المشروع"، حيث يتم إظهار الود والقبول بالآخر (سواء كان نظامًا أو فصيلاً سياسيًا أو فردًا مؤثرًا) مع إبطان غاية تصفية هذا الآخر أو تجاوزه في مرحلة لاحقة. هذا التمايز الدقيق يسمح للعضو بممارسة الازدواجية دون تأنيب للضمير، حيث يُقنع نفسه بأنه لا "يكذب"، بل "يداري" حفاظًا على مصلحة الدعوة.

لا يمكن فهم التَّقِيَّة الإخوانية بمعزل عن مفهوم "المرحلية" الذي وضعه حسن البنا وعَمَّقه سيد قطب. يرى التنظيم أن مسيرة "التمكين" تمر بمراحل حتمية: (التعريف، التكوين، ثم التنفيذ أو التمكين). في مرحلتي "التعريف والتكوين"، تكون الجماعة في حالة ضعف نسبي، وهنا تصبح التَّقِيَّة "فريضة حركية"، فتكتظ أدبيات الجماعة بالحديث عن السلمية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وقبول الآخر، وادعاء شعار "المشاركة لا المغالبة"، وأنهم "جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين".

هذا ليس إيمانًا بهذه القيم كمرتكزات نهائية، ولكنه توظيف ممنهج لـ "أدوات العبور" التي تضمن للجماعة الحماية من الاستئصال. وبمجرد الانتقال إلى مرحلة "التمكين"، تُستبدل هذه الأدبيات بمفاهيم "الفرقة الناجية"، و"أستاذية العالم"، و"شمولية الإسلام"، حيث تُسفر الجماعة عن وجهها الحقيقي، وتتخلى عن شعار المشاركة لتظهر مفاهيم "الاستعلاء بالإيمان والمغالبة والحاكمية المطلقة".

ويعد "فقه الموازنات" أخطر الأدوات الفكرية في ترسانة أقنعة "الإخوان"، فهو "المحلل الشرعي" لكل التناقضات. يقوم هذا الفقه على قاعدة المفاضلة بين المصالح والمفاسد، ولكن بمرجعية تنظيمية بحتة. ففي "فقه الموازنات" الإخواني، تُعتبر "مصلحة الجماعة" مساوية لـ "مصلحة الإسلام"، وبناءً على ذلك، يصبح من الجائز شرعًا وحركيًا القيام بـ "مفسدة صغرى" (مثل التحالف مع نظام يوصف في أدبياتهم بالجاهلية، أو إعطاء وعود سياسية يُنوى نقضها، أو تقديم تنازلات عقائدية ظاهرة) في سبيل تحقيق "مصلحة كبرى" وهي الحفاظ على التنظيم أو الوصول إلى سدة الحكم.

هذا الفقه هو الذي يبرر للعضو لماذا يتحدث قادته بلغة ليبرالية أمام الغرب، بينما يربون القواعد في الغرف المغلقة على أدبيات "الولاء والبراء" وتكفير الأنظمة الحاكمة. الموازنة هنا ليست بين قيم أخلاقية، بل هي موازنة "ربح وخسارة" لمشروع التنظيم.

ونتيجة لتزاوج التَّقِيَّة مع فقه الموازنات، نشأ ما يعرف بـ "الخطاب المزدوج"، وهي استراتيجية تهدف إلى إدارة صراعات الجماعة عبر مسارين متوازيين:

الخطاب الأول (الموجه للخارج): وهو خطاب "التَّقِيَّة والمداراة"، يتسم بالمرونة الفائقة، واستخدام مصطلحات الدولة الوطنية، والحرية، والتعددية، وغايته كسب الشرعية وتحييد الخصوم.

الخطاب الثاني (الموجه للداخل التنظيمي): وهو خطاب "الثوابت والتمكين"، يتسم بالحدية، والتحذير من الجاهلية، والتأكيد على الاستعلاء الإيماني لـ "العصبة المؤمنة"، وغايته ضمان الولاء المطلق.

ومن المرتكزات الفكرية التي تسهل ذلك، مفهوم "العزلة الشعورية" الذي أصله سيد قطب، حيث يتربى العضو على أنه جزء من "طليعة مسلمة" تختلف في جوهرها عن المجتمع المحيط بها، حتى وإن عاش في وسطه. هذه العزلة تبيح للعضو ممارسة "التَّقِيَّة" مع المجتمع دون شعور بالذنب، فالصدق والأمانة والوفاء بالعهد هي التزامات مقدسة "داخل" التنظيم ومع "الإخوة" فقط. أما مع المجتمع "الجاهلي" أو الأنظمة "غير الشرعية" (بمنظورهم)، فإن هذه القيم تخضع للمناورة، وبذلك، يتم تحطيم الوازع الأخلاقي العام لصالح الولاء التنظيمي الضيق.

ولكي تنجح هذه المنظومة في تحريك آلاف الأعضاء دون اعتراض، برز ركن "السمع والطاعة"، الذي يحول القيادة إلى مرجعية مطلقة لا تُناقش. فعندما يرى العضو قيادته تنتقل من النقيض إلى النقيض، يتم استدعاء مبررات جاهزة: "القيادة ترى ما لا ترون"، "هذه مناورة مشروعة"، أو "جسر مؤقت نهدمه بعد الوصول"، وهكذا يتم ترويض أعضاء التنظيم.

إن البنية الفكرية للإخوان تؤكد أن الجماعة لا تؤمن بمفهوم "الدولة الوطنية" إلا كإطار مؤقت. "التَّقِيَّةُ" هنا تظهر في استخدام أدوات الدولة (الانتخابات، القضاء، البرلمان) للوصول إلى غاية هي في جوهرها "هدم" هذه الدولة لصالح "الأممية".

هذا الصدام الفكري هو السبب في فشل كل محاولات "دمج" الجماعة، لأن ممارسة التَّقِيَّة تجعل من المستحيل الوثوق بعهودهم. فالمواثيق عندهم "ترتيبات مرحلية" وليست التزامات وطنية نهائية.

لقد أثبتت التجارب أن جماعة "الإخوان" لا تمارس التقلبات السياسية بوصفها خيارًا ظرفيًا، بل باعتبارها عقيدة حركية راسخة يتحصن بها التنظيم أينما وجد، ومهما تعددت أسماؤه وعناوينه. فليست التقية شأنًا محليًا يخص فرعًا دون آخر، بل هي النهج الثابت، حيث التقية هي الدرع، والمداراة هي السيف، وفقه الموازنات هو العقل المدبر.

المصدر

المصدر: الأسبوع

إقرأ أيضاً:

الضرائب : جدولة الغاز الطبيعي لا تُحمّل للمستهلك النهائي

علق رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، على فرض ضريبة جدول على الغاز الطبيعي، موضحًا أنها تخاطب الشركة المختصة بشراء الغاز الطبيعي باعتبارها المكلفة قانونًا بتوريد ضريبة الجدول لصالح وزارة المالية، دون تحميل المستهلك النهائي أي أعباء إضافية.

مصلحة الضرائب: الحصيلة الضريبية زادت بنسبة 29%

وأكد رجب محروس، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية هند الضاوي، ببرنامج "حديث القاهرة"، عبر شاشة "القاهرة والناس"، أن عبء الضريبة يقع على الشركة الملتزمة قانونًا بسدادها، وليس على المواطنين، مشددًا على أن تطبيق هذه الضريبة لن ينعكس على قيمة استهلاك الغاز أو فواتير الغاز المنزلي.

ضبط آليات التحصيل 

وأوضح رجب محروس، أن الإجراءات الضريبية المنظمة لضريبة الجدول تستهدف ضبط آليات التحصيل وتحديد الجهات المكلفة بالسداد، بما يضمن عدم انتقال العبء الضريبي إلى المستهلك النهائي.

طباعة شارك رجب محروس مصلحة الضرائب الغاز الطبيعي وزارة المالية الشركة

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الفترة الماضية شهدت محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة
  • الإمارات: نهج ثابت في محاربة التطرف والإرهاب
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • سفير دولة الإمارات يشارك بمؤتمر في البرلمان الأوروبي حول جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية
  • الضرائب : جدولة الغاز الطبيعي لا تُحمّل للمستهلك النهائي
  • تصعيد بين جماعة القديس بيوس العاشر والفاتيكان بعد الإعلان عن رسامة 4 أساقفة
  • سفير الإمارات يشارك بمؤتمر في البرلمان الأوروبي حول الإخوان الإرهابية
  • مؤتمر بالبرلمان الأوروبي يشيد بالنموذج الإماراتي في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة
  • جدل في الهند بعد إزالة تمثال ميسي العملاق.. قرار أمني يثير تساؤلات حول التنظيم والسلامة