الرضا الأمريكي شرط لقروض صندوق النقد
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
أعلنت مندوبة صندوق النقد الدولي في مصر، في الثالث والعشرين من الشهر الحالي، موافقة خبراء الصندوق على المراجعتين الخامسة والسادسة لقرض الصندوق الممدد لمصر، وهو ما يتيح لمصر الحصول على 1.25 مليار دولار عن كل من المراجعتين. وكان الموعد الأصلي للمراجعة الخامسة في منتصف آذار/ مارس من العام الحالي، لكن الصندوق أعلن في تموز/ يوليو الماضي عن دمج المراجعة الخامسة مع المراجعة السادسة التي كان موعدها منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي، ولم يقم خبراء الصندوق بزيارة القاهرة إلا في بداية الشهر الحالي حيث استمرت مباحثاتهم 11 يوما.
وكان السبب المعلن لتأجيل المراجعتين الخامسة والسادسة لقرض الصندوق البالغة قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، هو تقاعس الحكومة المصرية عن تنفيذ ما وعدت به من خصخصة للشركات الحكومية، لكن موافقة خبراء الصندوق على المراجعتين جاءت رغم عدم وفاء الحكومة بما وعدت به من تخارج من الشركات، وأبرزها بنك القاهرة، وتدنى قيمة طروحاتها بالمقارنة بما وعدت الصندوق به، ليظل السؤال إذا: لماذا وافق خبراء الصندوق على المراجعتين طالما أن الحكومة المصرية لم تلتزم بما وعدت به؟
الجواب الواضح هو الموقف المصري في حرب غزة، حين سكتت مصر عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على غزة رغم مشاركتها كوسيط في وقف إطلاق النار
والجواب الواضح هو الموقف المصري في حرب غزة، حين سكتت مصر عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على غزة رغم مشاركتها كوسيط في وقف إطلاق النار في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وعدم قيامها بإدخال أية معدات لرفع الأنقاض فيما عدا معدات البحث عن جثامين الإسرائيليين، وكذلك عدم قيامها بإدخال أية كرافانات لحماية سكان غزة من الأمطار التي أغرقت الخيام خلال موجات البرد المتكررة، ولهذا تجاوز خبراء الصندوق بتعليمات أمريكية عن العديد من صور عدم التزام الحكومة المصرية بما وعدت به من قبل في إطار برنامج أقساط القرض الثمانية النصف سنوية.
ومن ذلك ما وعدت به في مراجعات سابقة من نشر ميزانيات الشركات الحكومية وميزانيات الشركات التابعة للجيش، وهو ما لم يحدث حتى الآن، بل لقد تدهورت صورة الإفصاح والشفافية من جانب الجهات الحكومية المصرية عن ذي قبل، رغم وعودها للصندوق بالمزيد من الإفصاح، فها هي بيانات البنوك المصرية التي تصدر عبر نشرة شهرية للبنك المركزي تتوقف عند شهر حزيران/ يونيو رغم اقتراب الشهر الأخير من العام من نهايته، كما توقف البنك المركزي عن نشر بيانات الدين العام الداخلي منذ حزيران/ يونيو 2020، وتوقفت وزارة المالية عن نشر بيانات الشركات الحكومية منذ العام المالي 2022/2023 الذي انتهي في حزيران / يونيو 2023، وتوقفت وزارة السياحة عن إعلان البيانات التفصيلية للسياحة المصرية منذ عام 2018، ولم تلتزم بما وعدت من إصدار تقارير دورية لجهاز المحاسبات.
الموقف من غزة سبب زيادة القرض
ومن الطبيعي أن يتساءل البعض عما نذكره عن الدور الأمريكي في قرارات صندوق النقد الدولي، خاصة وأنها تمتلك حصة 16.49 في المائة من حقوق التصويت في الصندوق فقط، وهنا نذكر أن الولايات المتحدة بنفوذها وضعت نصا يحدد النصاب المطلوب للموافقة على قروض الصندوق بنسبة 85 في المائة من حقوق التصويت، وبالتالي فإنه لو اجتمعت حصص دول العالم بدونها والبالغة 83.5 في المائة، فإنها لا تكفي للموافقة على منح القروض، أي أنها تستطيع تعطيل الحصول على أي قرض إذا لم توافق عليه، خاصة وأن أكبر نسبة حقوق تصويت تالية لها هي لليابان بنسبة 6.14 في المائة والصين 6.08 في المائة وألمانيا 5.31 في المائة.
ويتذكر المتابعون لعلاقة مصر مع الصندوق أنه اتفق مع مصر في تشرين الأول/ ديسمبر 2022 على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، وكان مقررا إجراء المراجعة الأولى للقرض في منتصف آذار/ مارس 2023، والمراجعة الثانية في منتصف أيلول/ سبتمبر 2023، لكن الصندوق لم يقم بإجراء المراجعتين طوال عام 2023 اعتراضا على عدم استجابة مصر لإجراء سعر صرف مرن، واتخاذ خطوات أكثر في مجال الخصخصة، مما جمّد صرف 700 مليون دولار، الأمر الذي دفع مصر للجوء للولايات المتحدة لحل المشكلة، استنادا إلى موقف الإدارة المصرية من حرب غزة والمشاركة في حصارها، وإمداد إسرائيل بالسلع الغذائية وغيرها، والتسهيلات التي قدمتها الموانئ المصرية للسفن العسكرية الذاهبة إلى إسرائيل ومرور سفنها الحربية في قناة السويس.
وكان لقاء وزير المالية المصرية ووزيرة التعاون الدولي ومحافظ البنك المركزي المصري بوزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين في واشنطن، لطلب مساعدة تمويلية إضافية من الصندوق في التاسع من كانون الثاني/ يناير 2024، وكانت النتيجة لتدخلها أنه خلال أقل من شهرين وافق الصندوق على زيادة قيمة قرضه لمصر من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار في آذار/ مارس، كما تم إقرار المراجعتين الأولى والثانية من القرض في نفس الشهر، الأمر الذي يشير إلى أن الإدارة الأمريكية لم تعد تكتفي برضاها عن النظام السياسي في الدولة الراغبة في الاقتراض من صندوق النقد، بل لقد أدخلت عاملا إضافيا مع الدول العربية وغيرها يتمثل في ضرورة تعضيد تلك الدولة الراغبة في الاقتراض من الصندوق لعلاقاتها بإسرائيل، وهو ما أكدته التجربة المصرية مع الصندوق وتكرار ذلك مع كل من الأردن والمغرب، حيث تسير علاقتهما الافتراضية بالصندوق بشكل جيد اتساقا مع علاقتهما الجيدة مع إسرائيل، كما تؤكده علاقة كل من السودان وسوريا ولبنان بإسرائيل، وهو ما سنعرض جانبا منه.
علاقة السودان بإسرائيل أعادت الصندوق إليه
فقد ظلت علاقات الولايات المتحدة بالسودان متوترة منذ عام 1993، حين أدرجت الخارجية الأمريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب آب/ أغسطس 1993، وإيقاف أمريكا سفارتها في الخرطوم عام 1996، وفرض عقوبات أمريكية مالية وتجارية على السودان وإلزام الشركات والمواطنين الأمريكان بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان عام 1997، حتى كان طرح وزير الخارجية السوداني مسألة تطبيع السودان مع إسرائيل في كانون الثان/ يناير 2016، وفي العام التالي رفع الرئيس أوباما العقوبات جزئيا عن السودان.
الإدارة الأمريكية لم تعد تكتفي برضاها عن النظام السياسي في الدولة الراغبة في الاقتراض من صندوق النقد، بل لقد أدخلت عاملا إضافيا مع الدول العربية وغيرها يتمثل في ضرورة تعضيد تلك الدولة الراغبة في الاقتراض من الصندوق لعلاقاتها بإسرائيل
وبعد لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح الرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في أوغندا، في شباط/ فبراير 2020، أعلن البنك المركزي السوداني في الشهر التالي انتهاء كل أشكال العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان، وفي نفس يوم إعلان السودان وإسرائيل إقامة علاقة دبلوماسية بينهما في 23 تشرين أول/ أكتوبر 2020، أعلن الرئيس الأمريكي رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 27 عاما من الإدراج. وانعكس ذلك على علاقة السودان بصندوق النقد الدولي حيث أعلن المجلس التنفيذي للصندوق في أيلول/ سبتمبر 2020 إقراره برنامجا للسودان يتابعه خبراء الصندوق، مدته 12 شهرا.
وفي 29 حزيران/ يونيو 2021 أعلن المجلس التنفيذي للصندوق موافقته على اتفاق لإقراض الصندوق للسودان بقيمة 2.473 مليار دولار خلال 39 شهرا، كما أعلن المجلس التنفيذي لصندوق النقد والمجلس التنفيذي للمؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي في بنفس اليوم؛ اتخاذ الخطوات اللازمة كي يبدأ السودان الحصول على تخفيف أعباء الديون من خلال المبادرة المعنية بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك) بقيمة 23.3 مليار دولار، كما تمت عمليات تسوية للمتأخرات المستحقة على السودان لصندوق النقد الدولي بدعم من فرنسا، وكذلك المتأخرات على السودان لصالح بنك التنمية الأفريقي من خلال إنجلترا والسويد وأيرلندا، وتسوية المتأخرات على السودان للمؤسسة الدولية للتنمية من خلال تمويل أمريكي.
مباحثات سوريا وإسرائيل وزيارة الصندوق لها
وها هي العلاقات بين سوريا وصندوق النقد الدولي تتجدد بعد لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي ترامب في الرياض، في أيار/ مايو 2025، ثم في واشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حيث قام فريق من خبراء الصندوق بزيارة دمشق في الفترة من الأول حتى الخامس من حزيران/ يونيو الماضي، أي بعد أسبوعين من لقاء الرئيسين، للنقاش مع المسؤولين السوريين حول أولويات بناء القدرات لدعم تعافي الاقتصاد السوري.
ثم قام فريق من موظفي الصندوق بزيارة دمشق في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، للاتفاق على برنامج مكثف للمرحلة القادمة وهو نفس يوم لقاء الشرع وترامب في واشنطن، وسبق ذلك بيوم واحد لقاء الرئيس السوري بمديرة الصندوق في مقر الصندوق. ورافق تحسن العلاقات السورية الأمريكية والحوار السوري مع الصندوق، مباحثات بين وزير السوري أسعد الشيباني ومسؤولين إسرائيليين، جرى الإعلان عن بعضها مما تم في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين.
أما عن لبنان، فقد تم الإعلان في نيسان/ أبريل 2022 عن اتفاق بين الصندوق ولبنان على مستوى خبراء الصندوق، على اتفاق قرض بقيمة 3 مليار دولار لمدة أربع سنوات، وهو ما كان يتطلب موافقة المجلس التنفيذي للصندوق، الذي أرجأ الموافقة بسبب الظروف السياسية للبلاد، وكان المفترض أن تتم الموافقة بعد اختيار رئيس جديد للبلاد في كانون الثاني/ يناير الماضي وتكليف رئيس الوزراء نواف سلام في شباط/ فبراير الماضي.
إلا أن الإدارة الأمريكية ربطت اقراض لبنان بشرط نزع سلاح حزب الله، كما سعت إلى تطوير اللجنة التقنية العسكرية بين لبنان وإسرائيل، المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 والتي ترأسها الولايات المتحدة، ليتم إدخال مدنيين إلى اللجنة لتوسيع مجال عملها إلى التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث طرحت إسرائيل في الاجتماع الثاني الشهر الحالي إقامة منطقة اقتصادية في الجنوب ومشاريع زراعية، ولهذا لا نتوقع قيام الصندوق بتقديم أية قروض للبنان قبل وجود تعاون اقتصادي بين لبنان وإسرائيل.
x.com/mamdouh_alwaly
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه صندوق النقد مصر الإسرائيلية الاقتصادي مصر اقتصاد إسرائيل صندوق النقد مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة صندوق النقد الدولی المجلس التنفیذی ملیارات دولار خبراء الصندوق على السودان ملیار دولار الصندوق على ما وعدت فی المائة وهو ما
إقرأ أيضاً:
الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، بعنوان: كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي، على أن يكون الهدف المراد توصيله إلى الجمهور هو التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.
الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباءالحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد،
فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات، مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.
وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:
المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث: "المباهاة: المفاخرة".
ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].
وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.
ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.
ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس، وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].
ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.
ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري: "والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر" [الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.
قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض، وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر" [التفسير الوسيط].
قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].
"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].
وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]
ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.
ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته، أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].
قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه" [إحياء علوم الدين].
ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح صحيح البخاري].
كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».
مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.
وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.
والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله، مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.
ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام: "إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛ إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا والتفويض.
ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة" [حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان، فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.
والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.
ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.