الأسبوع:
2026-06-03@08:46:42 GMT

أرض الصومال.. سيناريو آخر من المخطط ضد مصر

تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT

أرض الصومال.. سيناريو آخر من المخطط ضد مصر

لم يكن باب المندب يومًا مجرد ممر ملاحي، بل ظل عبر التاريخ «مفتاح المفاتيح» للسيطرة على البحر الأحمر، وعنق الزجاجة الذي يحدد مصير التجارة العالمية، ومن خلفه قناة السويس، الشريان الذي ارتبط اسمه باسم مصر ودورها. ولهذا، كلما تعذّر كسر هذا الدور أو إخضاعه مباشرة، جرى البحث عن طرق التفاف، لا على القناة وحدها، بل على الجغرافيا التي تحميها.

في هذا السياق، تعود إلى الواجهة قضية ما يُعرف بـ«أرض الصومال»، إقليم انفصل عن الدولة الصومالية دون اعتراف دولي، وبقي لسنوات طويلة كملف مؤجل، لا يُفتح إلا حين تكتمل لحظة الاستخدام.

فالجغرافيا هنا ليست تفصيلًا، بل جوهر القصة: إقليم يطل على الضفة الجنوبية لباب المندب، ويتحكم في مدخل البحر الأحمر، ويقع على تماس مباشر مع أحد أهم شرايين الأمن القومي المصري.

انفصال هذا الإقليم لم يكن يومًا شأنًا صوماليًا داخليًا خالصًا، بقدر ما كان تعبيرًا عن فراغ سياسي جرى الحفاظ عليه بعناية. فراغ قابل للتوظيف، وإعادة التشكيل، واستخدامه كورقة ضغط في لعبة الأمم. ومن الخطأ قراءة هذا الملف بعيدًا عن تحركات إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي لم تُخفِ يومًا حلم الوصول إلى البحر، لكن التجربة أثبتت أن هذا الحلم لا يتحرك بإرادة مستقلة كاملة.

سابقة سد النهضة لا تزال حاضرة بقوة، ليس فقط كمشروع مائي، بل كنموذج لتوزيع الأدوار في الإقليم. فحين يصرّح الرئيس الأمريكي الحالي بأن بلاده هي من قامت ببناء السد، فإن ذلك لا يُقرأ كزلة لسان، بل كإقرار صريح بطبيعة إدارة الملفات الكبرى في إفريقيا. ومن هنا، تبدو مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر أرض الصومال أقرب إلى تحرك مُدار من الخارج، يُستخدم في سياق ضغط غير مباشر على مصر، لا ضمن مشروع سيادي مستقل.

الاعتراف الإسـرائيلي بأرض الصومال أضاف طبقة جديدة من التعقيد.فهذا الاعتراف لا يمكن فهمه كخطوة دبلوماسية تقليدية، بل كتحرك استراتيجي محسوب، يستهدف الاقتراب من باب المندب، ومراقبة خطوط الملاحة، وبناء نفوذ يمتد من خليج العقبة إلى القرن الإفريقي. هو اعتراف من كيان لا يعترف أصلًا بحدود ثابتة، لكيان لا يمتلك دولة معترفًا بها، في مشهد يُجسد فراغًا سياسيًا مزدوجًا، لكنه شديد الخطورة.

في المقابل، جاء الموقف الأمريكي أكثر براغماتية حين أعلن أن واشنطن لن تعترف بأرض الصومال «في الوقت الحالي». وهذه الصيغة، في قاموس السياسة الدولية، لا تعني الرفض، بل إدارة التوقيت.

بين اعتراف إسـرائيلي متقدم وتريّث أمريكي محسوب، تتضح ملامح تنسيق غير معلن، تُستخدم فيه الجغرافيا كورقة مساومة، وتُدار فيه الأدوار بعناية.

غير أن المشهد لا يكتمل دون طرح السؤال الأخطر، الذي يتجنبه كثيرون: هل يُعاد فتح ملف أرض الصومال فقط من أجل الملاحة والنفوذ، أم أنه يُجهَّز ليكون جزءًا من سيناريو أوسع يتعلق بتهجير سكان غزة؟

فمحاولة فرض التهجير القسري لم تكن مجرد فكرة عابرة، بل مشروعًا متكاملًا سقط بفعل الموقف المصري الصلب، ومع سقوط خيار سيناء، يصبح البحث عن «أرض بديلة» أقل حساسية سياسيًا، وأكثر قابلية للتسويق الدولي، أمرًا متوقعًا في منطق القوى التي تدير الأزمات عبر تفريغها جغرافيًا لا حلّها سياسيًا.

هنا، تعود أرض الصومال إلى الواجهة بوصفها مساحة ضعيفة الاعتراف، قابلة لإعادة التشكيل الديموغرافي، بعيدة عن بؤرة الصراع المباشر، لكنها قريبة من شرايين التجارة العالمية. مجرد طرح هذا الاحتمال لا يعني الجزم بوجود خطة معلنة، لكنه يفرض نفسه كأحد السيناريوهات التي لا يمكن تجاهلها عند قراءة خريطة التحركات الحالية.

ويتزامن ذلك مع تراجع واضح في نفوذ القوى الأوروبية داخل القارة الإفريقية، ما فتح الباب أمام سباق نفوذ جديد بين القوى الكبرى، وتقاطعات مصالح تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الملفات المؤجلة، كأرض الصومال، عملة صالحة للمساومة وتبادل الأدوار.

في مواجهة هذا المشهد المعقد، لا تحتاج مصر إلى ضجيج، بقدر ما تحتاج إلى إدارة هادئة وطويلة النفس.

فالقاهرة تملك شرعية دولية راسخة للدفاع عن وحدة الدول، وتملك خبرة تاريخية تخول لها إعادة طرح أمن البحر الأحمر كأمن جماعي لا يحتمل العبث أو التفرد.كما أن تعزيز الحضور المصري في إفريقيا، سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا، يظل أحد أهم مفاتيح تثبيت الدور ومنع تجاوزه.

التاريخ يعيد نفسه، وإن تغيّرت الأدوات، فمن السيطرة الاستعمارية على باب المندب، إلى صراعات النفوذ الحديثة، ظل الهدف واحدًا: التحكم في شرايين التجارة، والالتفاف على مصر كلما تعذر كسرها.

وما يجري اليوم ليس صراعًا على إقليم يُدعى أرض الصومال، بقدر ما هو صراع على موقع مصر ذاته، ودورها الذي ظل، رغم كل التحولات، حجر الزاوية في معادلة الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاًرئيس وزراء الصومال يشيد بدور مصر الداعم لبلاده وسيادتها ووحدة أراضيها

رئيس الصومال: اعتراف نتنياهو بـ «أرض الصومال» انتهاك مرفوض لسيادتنا

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: مصر البحر الأحمر إسرائيل واشنطن قناة السويس أرض الصومال باب المندب أرض الصومال سیاسی ا

إقرأ أيضاً:

زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تشهد العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توترًا خلال السنوات الأخيرة، وفق ما كشفته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، التي أشارت إلى تصعيد غير مسبوق يجمع بين خلافات سياسية وأمنية وإعلامية، تمتد من جنوب لبنان إلى طاولة المفاوضات مع إيران، مرورًا بالداخل الأمريكي المنقسم.

وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية تحاول تقليل حجم الاتهامات التي تفيد بأن نتنياهو يقود السياسة الأمريكية أو يؤثر في قرارات ترامب المتعلقة بالتصعيد في المنطقة، فيما يصرّ البيت الأبيض على أن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس وحده، وهي رسالة أكدها وزير الحرب الأمريكي في تصريح مباشر قال فيه: “نشكر إسرائيل، ولكن لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”.

لكن خلف هذه التصريحات الرسمية، يبدو أن الأزمة أعمق بكثير. فالتوتر بين الطرفين، وفق المصدر ذاته، لم ينشأ بشكل عفوي، بل نتيجة تداخل عوامل معقدة، تبدأ من التطورات الميدانية في لبنان، ولا تنتهي عند الحسابات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة.

لبنان الشرارة التي فجرت التوتر

يركز التقرير على ما وصفه بـ”الأزمة التكتيكية” في لبنان، حيث تتحدث تقارير إعلامية عن حوادث استهداف أو إساءة للرموز الدينية المسيحية في مناطق الجنوب، من بينها قرى في جنوب البلاد مثل دبل في القطاع الأوسط من الجنوب ضمن حدود لبنان.

وتشير الروايات المتداولة إلى ظهور مقاطع مصورة لجندي إسرائيلي يقوم بأفعال اعتُبرت مسيئة لرموز دينية مسيحية، بينها تمثال السيد المسيح وتمثال العذراء مريم في إحدى القرى. وقد أثارت هذه الصور، بحسب التقرير، موجة غضب واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخلقت ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا على الإدارة الأمريكية.

وتزداد حساسية هذه القضية بالنظر إلى أن شرائح واسعة من القاعدة المحافظة في الولايات المتحدة، خاصةً المسيحيين الإنجيليين، تعتبر قضية حماية المسيحيين حول العالم أولوية سياسية وأخلاقية. وقد استغل عدد من الإعلاميين اليمينيين البارزين، هذه الأحداث لتوجيه انتقادات حادة للسياسة الإسرائيلية في المنطقة.

ووفقًا للتقرير، فإن هذا الضغط الإعلامي والشعبي وضع ترامب في موقف حساس، خصوصًا أنه سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يزيد من تعقيد موقفه السياسي داخليًا.

غضب ترامب وتصعيد غير مسبوق

في سياق متصل، ينقل التقرير أن ترامب عبّر عن غضب شديد تجاه نتنياهو، ووجّه له اتهامًا لاذعًا قائلًا: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في إشارة إلى حجم الخلاف بين الطرفين، وإلى شعور الرئيس الأمريكي بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتجاوز حدود التنسيق التقليدي.

ويرى محللون نقل عنهم التقرير أن هذا التصعيد ليس مجرد انفعال سياسي، بل يعكس خلافًا استراتيجيًا حول إدارة الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق بلبنان وسوريا والتوازنات مع إيران.

الملف الإيراني.. صراع استراتيجي مفتوح

على المستوى الاستراتيجي، يشير التقرير إلى أن أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين تتعلق بالمسار التفاوضي مع إيران، حيث يسعى ترامب، بحسب ما ورد، إلى التوصل إلى اتفاق تهدئة أو وقف إطلاق نار مع طهران، في حين تتهم إسرائيل بأنها تتحرك بطريقة قد تعرقل هذا المسار.

وتذكر الصحيفة أن التصعيد العسكري في لبنان، والتلميحات حول استهدافات محتملة في مناطق مثل بيروت عاصمة بيروت، يزيد من التوتر مع إيران التي تربط أي تقدم في المحادثات بوقف التصعيد الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، نقل التقرير عن مصادر أمريكية قولها إن ترامب يشعر بقلق متزايد من عدد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن حجم الدمار الناتج عن العمليات العسكرية، ما دفعه إلى التشكيك في “تناسب” الردود العسكرية الإسرائيلية.

معركة النفوذ داخل واشنطن

لا يقتصر الخلاف على الملفات الخارجية، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث تدور معركة نفوذ بين البيت الأبيض ودوائر ضغط مختلفة، بعضها داعم بقوة لإسرائيل، وأخرى تحذر من الانجرار إلى تصعيد واسع في الشرق الأوسط.

ويشير التقرير إلى أن بعض المقربين من ترامب، يعكسون حجم الانقسام داخل الدائرة السياسية القريبة من الرئيس، حيث تتباين المواقف بين الدعم التقليدي لإسرائيل، والقلق من تداعيات التصعيد العسكري.

موسم سياسي أمريكي مشحون

يزداد المشهد تعقيدًا مع دخول الولايات المتحدة في موسم سياسي ورمزي حساس، يتضمن احتفالات وطنية كبرى، ما يفرض على الإدارة الأمريكية رغبة في تهدئة الجبهات الخارجية وتجنب أي أزمات قد تؤثر على المشهد الداخلي.

ويرى التقرير أن ترامب يسعى لتقديم صورة “الاستقرار والقوة”، في حين أن أي تصعيد في الشرق الأوسط قد يهدد هذه الصورة ويضعه تحت ضغط سياسي وإعلامي متزايد.

إسرائيل والانتخابات.. حسابات دقيقة

في المقابل، تواجه إسرائيل بقيادة نتنياهو حسابات داخلية دقيقة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يسعى رئيس الوزراء إلى تثبيت موقفه السياسي عبر إدارة الأزمات الأمنية بحزم، لكن دون خسارة الدعم الأمريكي.

ويشير التقرير إلى أن أي تدهور في العلاقة مع واشنطن قد يشكل “سلاحًا سياسيًا خطيرًا” ضد نتنياهو في الداخل الإسرائيلي، خصوصًا إذا تحولت الخلافات إلى أزمة علنية بين الحليفين.

وبحسب التقرير تعكس الأزمة الحالية بين ترامب ونتنياهو حالة من إعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية بالسياسية، والإعلامية بالانتخابية.

ورغم محاولات الطرفين التخفيف من حدة الخلاف، إلا أن المؤشرات الواردة في التقرير تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من التوتر، ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات جديدة تعيد ضبط الإيقاع بين الحليفين الأكثر تأثيرًا في ملفات الشرق الأوسط.

مقالات مشابهة

  • مفاوضات واشنطن: محاولة لإطلاق مسار سياسي متكامل ومتعدد المراحل
  • عاجل..طهران تهدد واشنطن بورقة الممرات المائية
  • محافظ الغربية يعتمد تحديث المخطط الاستراتيجي لمدينة المحلة الكبرى
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • محافظ الغربية يعتمد تحديث المخطط الاستراتيجي للمحلة الكبرى
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • محافظ القليوبية يعتمد المخطط التفصيلي لمدينة قليوب ويوجه بسرعة إنجاز مخططات باقي المدن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش