العراق… حصر السلاح بيد الدولة بين مناورة الفصائل واختبار السيادة
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
لم يعد الحديث عن «حصر السلاح بيد الدولة» في العراق، مجرد عبارة مألوفة في الخطاب السياسي، أو شعارا يتكرر في البيانات الرسمية، بل تحوّل اليوم إلى سؤال مصيري يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وحدود سيادتها الفعلية: هل تستطيع الحكومة العراقية أن تستعيد احتكار القوة، كما هو الحال في الدول المستقرة؟ أم أن العراق سيظل دولة متعددة المراكز، تتقاسمها قوى مسلحة تمتلك حضورا عسكريا وسياسيا في آن واحد؟
في الأسابيع الأخيرة بدا المشهد مكثفا ومشحونا أكثر من أي وقت مضى: قضاء يتحدث بلغة إيجابية عن «التعاون»، وفصائل تقدّم إشارات انفتاح، لكنها تناور أكثر مما تتنازل، وواشنطن تمارس ضغطا علنيا ومتدرّجا، فيما نتائج الانتخابات الأخيرة منحت تلك القوى وزنا برلمانيا لا يمكن تجاهله.
بداية التحول الظاهري جاءت عبر إعلان رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، أن عددا من قادة الفصائل أبدوا استعدادا للتعاون في ملف «حصر السلاح بيد الدولة»، متحدثا عن انتهاء «الحاجة الوطنية للعمل العسكري» في الداخل العراقي. اللافت لم يكن مضمون الإعلان فحسب، بل اللغة التي صيغ بها، وما تضمنته من شكر وإشادة وإيحاء بالرغبة في فتح باب تهدئة وتفاهم، لا باب صدام مباشر، لكن هذه اللغة، التي بدت داخل العراق محاولة لتهدئة المشهد وتخفيض مستوى التوتر، سرعان ما وُضعت تحت مجهر النقد الخارجي، وتحديدا من واشنطن، التي رأت في هذا الخطاب القضائي تجاوزا لدور القضاء وتقديما لنوع من الغطاء السياسي غير المباشر لقوى مسلحة لا تزال موضع جدل دولي، وقد وُضع قسم كبير منها وقادتها على لوائح الإرهاب في الولايات المتحدة ودول أخرى. وهنا بدا أن مجرد «إيجابية لغوية» قد تتحول سياسيا إلى معركة تأويلات. الحساسية الأمريكية ليست موقفا انفعاليا عابرا، بل جزء من مقاربة ثابتة تتعامل بها واشنطن مع ملف الفصائل المسلحة في العراق. فهناك ضغوط واضحة، سياسية واقتصادية وأمنية، لدفع بغداد نحو تقليص نفوذ هذه القوى، ليس فقط عبر نزع سلاحها، بل عبر منعها من التحول إلى شريك سياسي طبيعي في الحكم من دون شروط. الرسائل الأمريكية بدت حازمة في جوهرها: أي حكومة تمنح مواقع سيادية لقوى مصنفة على قوائم الإرهاب، ستتعرض لتعامل دولي متحفّظ جدا، وقد تواجه صعوبات في الحصول على دعم اقتصادي وعسكري، مع تلويح بإجراءات أوسع قد تشمل تقليص التعاون، أو فرض عزلة سياسية على الوزارات التي تقع تحت نفوذ تلك الفصائل، وصولا إلى التحذير من خطوات أكثر صرامة إذا لم يتحقق تقدّم ملموس في ضبط السلاح، وتوحيد القرار الأمني بيد الدولة. في المقابل، لم يكن موقف الفصائل موحدا، بعض القوى حاول تقديم خطاب مرن ظاهريا، يتحدث عن «الاستعداد للنقاش» وعن «دعم الدولة» وعن إمكانية الانتقال أكثر إلى العمل السياسي، لكن دون خطة واضحة، أو التزام تنفيذي محدد، وبصيغة أقرب إلى تفاهم مبدئي قابل للتأويل والاستخدام السياسي عند الحاجة.
في المقابل، ظهرت مواقف أكثر صراحة وصلابة لفصائل أخرى، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، التي رفضت أي حديث عن تسليم السلاح قبل تحقيق خروج كامل للقوات الأمريكية وقوات الناتو والقوات التركية. هذا الرفض لم يكن مجرد موقف تكتيكي، بل جاء ضمن سردية كاملة ترى السلاح «حقا» و»أمانة» و»ضرورة دفاعية»، لا يمكن التخلي عنها قبل تحقيق ما تصفه بـ»السيادة الكاملة»، وربطت بقاء السلاح بهوية «المقاومة» نفسها، لا باعتباره مجرد أداة أمنية مرحلية تمليها ظروف سياسية مؤقتة. حتى أولئك الذين لم يرفضوا صراحة، لجأوا إلى صيغة خطابية مختلفة، تقول إن السلاح «ضمن إطار الدولة» وليس خارجها، وإنه «منضبط» ويعمل في سياق المصلحة الوطنية. هذا التعريف، في جوهره، يعيد تعريف المشكلة من أساسها: فبدل أن يكون النقاش حول نزع السلاح الموازي، يتحول إلى نقاش حول «صورة الدولة» وطبيعة مؤسساتها، وهل يشمل مفهوم الدولة تشكيلات تمزج بين الطابع العسكري والعقائدي والسياسي؟ بهذا المعنى يصبح «حصر السلاح بيد الدولة» فكرة قابلة للتأويل، وقد يتم تحويل السلاح الموازي إلى «سلاح رسمي» بحكم الارتباط بمؤسسات مثل، هيئة الحشد الشعبي، دون المساس فعليا بجوهر القوة التي تمتلكها هذه الفصائل.
وهنا يتداخل العامل الانتخابي بعمق، فالفصائل لم تعد مجرد تشكيلات عسكرية تعمل في هوامش الدولة، بل أصبحت قوى سياسية تمتلك حضورا داخل البرلمان، وتؤثر في معادلات تشكيل الحكومة وفي توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة. هذا الحضور منحها شعورا متزايدا بأنها جزء أصيل من «تركيبة الدولة»، بل إن بعض القراءة السياسية ترى أن هذه القوى باتت تشعر بأنها «هي الدولة» أو على الأقل جزء جوهري منها لا يمكن تجاوزه. وبهذا المنطق تتحول دعوة «حصر السلاح بيد الدولة» بالنسبة لها إلى تأكيد لشرعية سلاحها، بوصفه تابعا لمؤسسة رسمية، وليس مطلبا لنزع السلاح منها كقوة مستقلة.
هذا التشابك بين السياسة والسلاح يضع الحكومة المقبلة أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن التعامل مع قوى تمتلك شرعية انتخابية، لكنها تريد الاحتفاظ بقوتها شبه العسكرية في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن الاستجابة للضغوط الأمريكية والدولية دون تفجير الوضع الداخلي، أو خلق صدام مباشر قد يقود إلى نتائج كارثية؟ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يبدو حتى الآن متجها إلى سياسة حذرة، تقوم على التدرج وامتصاص التوتر: لا مواجهة مباشرة قد تفتح الباب على صراع داخلي واسع، ولا قبول مطلقا يكرّس واقع «الدولة الموازية»، لكنه يظل عمليا بين ضغطين متناقضين، فصائل تمتلك الشارع والسلاح والنفوذ السياسي، وشركاء دوليين يرون أن أي تهاون يعني تثبيت شرعية السلاح خارج احتكار الدولة، لا العكس. ورغم هذا الحراك، يبقى السؤال الأعمق قائما: هل ما يجري تحول حقيقي أم مجرد مناورة تكتيكية لإدارة اللحظة السياسية وتخفيف الضغوط؟ اللغة التي تتحدث عن «التعاون» و»الانتقال إلى السياسة» ما تزال إلى الآن أقرب إلى إعلان نيات منها إلى خطة تنفيذية واضحة. لا توجد جداول زمنية، ولا آليات دقيقة للدمج أو التفكيك، ولا ضمانات واضحة يمكن البناء عليها، فيما تبقى الشكوك قائمة لدى الولايات المتحدة ودول إقليمية معتبرة ترى أن ما يحدث قد يكون محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب المشهد، دون استعداد فعلي للتخلي عن القوة المسلحة.
الحقيقة أن العراق لا يواجه هنا ملفا إداريا يمكن حله بقرار حكومي، أو حملة تنظيمية عابرة، بل يواجه مشكلة بنيوية عميقة في بنيته السياسية والأمنية. فخلال السنوات الماضية تشكّلت «دولة واقعية» داخل الدولة الرسمية، تمتلك مصادر تمويل وحضورا سياسيا وأذرعا عسكرية، وتستند إلى خطاب أيديولوجي يمنحها شرعية معنوية لدى جزء من الشارع. ومع كل استحقاق سياسي جديد، يعود السلاح ليكون عامل ضغط حاسم، لا مجرد تفصيل ثانوي. اليوم، ومع تداخل الضغط الأمريكي، والتوازنات الداخلية، ونتائج الانتخابات الأخيرة، يقف العراق عند مفترق طرق حقيقي. إما السير نحو دولة تحتكر السلاح فعلا وتعيد تعريف علاقتها بكل القوى المسلحة، ضمن صيغة واضحة وحصرية، وهو مسار يحتاج قرارا وطنيا شجاعا وتوافقا داخليا وإسنادا خارجيا محسوبا، وإما الاستمرار في إدارة الأزمة بمنطق «التسويات المؤقتة»، التي تهدئ اللحظة ولا تغيّر جوهر الواقع. وفي كلتا الحالتين، الطريق لن يكون قصيرا وله كلفة يجب أن تدفع.
بين منطق الدولة ومنطق السلاح يقف العراق أمام امتحان صعب، ليس على مستوى السياسة فقط، بل على مستوى تعريف السيادة نفسها. الضغوط قد تدفع إلى تنازلات، لكن التنازل الحقيقي يتطلب اعترافا بأن الدولة لا يمكن أن تُبنى على ازدواجية القوة، ولا على تعدد مصادر القرار العسكري، وحتى يحدث ذلك، سيظل المشهد العراقي معلقا بين خطاب مطمئن يتحدث عن التعاون والسيادة، وحقائق صلبة على الأرض تقول، إن القوة ما تزال موزعة بين أطراف متعددة. وفي انتظار لحظة سياسية وأمنية حاسمة، يبقى السؤال مفتوحا: لمن سيكون السلاح في النهاية؟ للدولة وحدها؟ أم للدولة والفصائل معا ضمن تعريفات مختلفة ومتناقضة لما يعنيه مفهوم «السيادة»؟
صحيفة القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه السلاح الدولة العراق الفصائل العراق الفصائل السلاح الدولة المليشيا سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة حصر السلاح بید الدولة لا یمکن
إقرأ أيضاً:
لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
تأتي الصدمات الكبرى في الوعي الجماعي حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء العربي خريفا متسارعا تهاوت فيه نخب فكرية وفنية ومؤثرون بنوا أمجادهم على أكتاف قضايا الشعوب، لينتهي بهم المطاف كتروس ناعمة في ماكينات الترويج السياسي. لكن وسط هذا الزحام، تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كلوحة تراجيدية شديدة الخصوصية؛ حالة منزوعة الأعذار، سقطت عنها كل تبريرات الانكسار التقليدية.
يبدأ المشهد من فيينا، حيث الضباب الشتوي العريق والأمان المطلق. لكنه ليس مجرد شتاء عابر؛ إنه يتداخل مع ذلك الشتاء السياسي الصقيعي الذي ضرب المنطقة العربية عقب وأد ربيعها الأخضر، ذلك الربيع الذي علّقت عليه الشعوب آمالا عريضة ومستقبلا يرجى منه الخير الكثير، قبل أن تتكالب عليه قوى الثورة المضادة والأنظمة المستبدة لتدفنه في مهده، وعلى رأس تلك الأنظمة الجهة التي يتوجه إليها عدنان إبراهيم اليوم بارتياح ومباركة.
نحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض
وسط هذا الصقيع العربي، وخلف النوافذ النمساوية الدافئة، يعيش هذا المفكر محصنا بالقوانين الأوروبية، بعيدا عن أيدي البطش وسياط الجلادين، لا خوف يهدد حياته، ولا جوع يهدد عائلته. وهنا تحديدا يكمن البُعد الفلسفي المرير لتحوله: فالرجل لم يتحرك تحت وطأة "الرَّهبة"، بل سار طوعا خلف "الرَّغبة". لم تكن خطوته زلة لسان في لحظة اندفاع، بل مسار تشكّل بهدوء وصيغ بدم بارد، مع سبق الإصرار والترصد؛ مسار بدأ بتنقية طروحاته الفكرية لتلائم هوى الأنظمة، وانتهى بتوقيع العقود الرسمية وتولي منصب المستشار في أبوظبي. حتى ذلك الحادث المروري الرهيب عام 2019 الذي هشم جسده وعزله سنتين، بدا في القراءة الأخلاقية كأنه كسر العظام لكنه لم يبرر بيع الروح في سوق النفوذ.
وهذا العود الأكاديمي والسياسي الملتوي، يعيد إلى الأذهان فورا تراجيديا دينية وتاريخية غائرة في عمق الوعي الإنساني؛ قصة "بلعام بن باعوراء". فالمقارنة هنا لا تنبع من مجرد رغبة في استدعاء التاريخ، بل لأن الشخصيتين تلتقيان في ذات المنحدر النفسي: كلتاهما حظيت بعلم غزير، وفصاحة تخلب الألباب، وبصيرة فكرية كانت كفيلة بهداية أمة، لكن كليهما اختار في لحظة فارقة أن ينسلخ من آياته ومبادئه ليضع علمه في خدمة الطغيان طمعا في عَرَض الدنيا. إنها ذات المعضلة الفلسفية القديمة المتجددة: كيف يتحول "التنوير" إلى أداة للتبرير؟ وتتجلى هذه الأزمة في أبهى صورها التعبيرية، حيث يقول الله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).
وإذا تفكك الاسم الديني والتاريخي "بلعام بن باعوراء" في سياق لغوي وفلسفي، سنرى أمامنا تشريحا مشهديا صارخا لسقوط المثقف. فالاسم يلتحم لغويا بـ"البلعوم"؛ ذلك المجرى البيولوجي الشره للبلع والطعام. وكأن كل تلك الفصاحة، والخطب الرنانة التي سحرت الملايين، تم ترويضها واختزالها لتخدم "البلعوم" والمصالح المادية والمناصب الرفيعة. هنا يتجسد المعنى الفلسفي للمشهد، حيث يقول الله تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف: 176)؛ لهاث وجودي دائم خلف المادة لا ينقطع.
ثم تكتمل الصورة في "باعوراء"؛ التي تبدأ بـ"باعَ"، وهي لقطة المقايضة العظمى حيث يستبدل المفكر رصيده الشعبي وعلمه بعقود عمل ووظيفة سلطوية زائلة، وتتوسطها "عوراء"، لتجسد ذلك "العور الفكري" والانتقائية الأخلاقية؛ حيث تنفتح العين بـانبهار على شعارات "التسامح والحوكمة" في أروقة المؤتمرات، بينما تُصاب بالعمى التام أمام دماء المستضعفين والفتن والحروب الإقليمية. وينتهي اللفظ بـ"وراء"، ليرسم حركة الارتداد التراجيدي لمفكر أمضى عقودا يزعم أنه يقود الطليعة التنويرية في المقدمة، فإذ به يرتد إلى الوراء ليصبح مجرد تابع يبرر سياسات الحكام.
وهنا تتجلى المفارقة في اسم الرجل نفسه وصيغته المركبة؛ "عدنان إبراهيم". ففي فقه اللغة، يشتق "عدنان" من لزوم الحق والثبات والاستقرار عليه، لكن عدنان قصتنا خان اشتقاق اسمه؛ فاستبدل الثبات بالارتحال إلى مواطن الزيف، ليلتحم هذا السقوط اللغوي بعبث سياسي أشد مرارة في اسم أبيه "إبراهيم"؛ فالاسم الذي حمل يوما طهر الرمزية الإنسانية، أُفرغ اليوم من محتواه ليتماهى مع "الاتفاقيات الإبراهيمية الخرقاء" التي هندسها ترامب لتركيع المنطقة وفرض التطبيع على بلدانها. وكأن المفكر بارتمائه في أحضان عاصمة هذه الاتفاقيات، بات يحمل غطاء سياسيا باردا يبرر الانبطاح، في وقت تذبح فيه غزة من الوريد إلى الوريد.
هذه المشهدية الفكرية الباذخة لـ"بلعم الجديد" تصطدم بالميكانيكية البنيوية الخشنة التي تدار بها عواصم المنطقة اليوم. فنحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد
في ذات اللحظة التي يبتلع فيها نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعاته المكيفة محاطا بحفاوة المؤسسات الرسمية، تفتح ذات الماكينة زنازينها المظلمة لتبتلع المشايخ والعلماء والمثقفين الحقيقيين؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا ترسا في هذه البنية. نرى الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في سجون الإمارات، وعلماء أحرارا في سجون السعودية ومصر وتونس، لا لشيء إلا لأنهم كسروا شروط اللعبة الرسمية، ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خذلان قضايا الأمة، وعلى رأسها مأساة غزة التي تواجه الإبادة. المفارقة هنا حارقة وفلسفية بامتياز: الأحرار يُسجنون لثباتهم وهم داخل الأوطان، والمحصن في منافيه الأوروبية ينزل من شرفته الآمنة ليدخل طواعية أروقة الماكينة، ويقتات على موائد دُفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد. واليوم، ونحن على أعتاب صيف لاهب وحار، تبدو الأجواء مشحونة بأنفاس جديدة قد تعيد الحياة إلى ذلك الربيع العربي؛ الربيع الذي استعجل عدنان دفنه وظن -واهما- أنه قد مات وانتهى، أو ربما أقنع نفسه تحت بريق العطايا الرسمية بأنه لم يكن سوى "مؤامرة".
إن الصيف القادم يحمل في طياته حرارة الحقائق لا حرارة الطقس فحسب؛ حقيقة أن الشعوب قد تنام لكنها لا تموت، وأن الجمر الكامن تحت رماد الاستبداد ينتظر ليفاجئ كل مَن باعوا أقلامهم وظنوا أن عجلة التاريخ قد توقفت عند عتبات قصور حكامهم. النتيجة الفلسفية الأخيرة هي أن الأمة وقضاياها العادلة لا تخسر بانسلاخ الأشخاص؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ، ويبقى الصوت التاريخي يتردد بمرارة فوق لقطة النهاية: "لكل زمان بلعمه"، والتاريخ لا يرحم مَن اشترى بآيات الله ومبادئه ثمنا قليلا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.