الحدائق السحرية في «بيت الحكمة».. تجربة مستوحاة من عالم «الأمير الصغير»
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
الشارقة (الاتحاد)
بمشاركة 328 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً اختتم «بيت الحكمة» في الشارقة فعاليات النسخة الثالثة من «الحدائق السحرية» محتفياً هذا العام برواية «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت - إكزوبيري، حيث قدمت عبر 7 محطات تفاعلية، برنامجاً ضم ورشاً فنية وفعاليات تعليمية، إلى جانب عروض حيّة أتاحت للأطفال فرصة التفاعل مع شخصيات القصة وكواكبها.
وتركّز فعالية «الحدائق السحرية» سنوياً على أدب الأطفال، محتفيةً في كل نسخة بروائع الأدب العالمي من ثقافات ولغات مختلفة، إذ أقيمت النسخة الأولى تحت شعار «ساحر أوز العجيب»، فيما جاءت النسخة الثانية بعنوان «أليس في بلاد العجائب»، مقدّمةً للأطفال عوالم أدبية خيالية بأسلوب تفاعلي معاصر.
واختارت النسخة الثالثة، التي أقيمت برعاية المجلس الإماراتي لكتب اليافعين، إحدى أبرز روايات الأدب العالمي، التي تُعد من أكثر الأعمال الأدبية الفرنسية انتشاراً، حيث تُرجمت إلى أكثر من 600 لغة ولهجة حول العالم، ما يعكس قدرتها على مخاطبة أجيال وثقافات متعددة.
وانطلاقاً من هذا البُعد الثقافي العالمي، حرص «بيت الحكمة» على استكمال التعاون القائم مع «الرابطة الفرنسية - الشارقة» لتقديم تجربة تسلّط الضوء على جماليات العمل الأدبي المحتفى به، واستعراض السياق التاريخي لكتابة هذا العمل، وتجربة مؤلفه، حيث تسهم الرابطة في ترسيخ الحوار والتبادل بين الحضارات من خلال تعليم اللغة الفرنسية وتعزيز حضور الثقافة الفرنكوفونية.
موسوعة تربوية
وقالت مروة العقروبي، المديرة التنفيذية لبيت الحكمة: تعدُّ رواية «الأمير الصغير» موسوعةً تربويةً ومعرفيةً وخياليةً وأدبيةً في آنٍ واحد، فهي تمنح الطفل مفاتيح فهم الصداقة والمسؤولية والتعاطف، وتوسّع خياله وتدرّبه على التفكير. وتأتي الفعالية في نسختها الجديدة لتترجم جمال الأدب العالمي إلى تجارب حيّة تفاعلية، تجمع القراءة بالفن والتقنيات الحديثة، وتحوّل القصة إلى مساحة لعبٍ واكتشافٍ وتعلّم، بما يقرّب الأطفال من الكتاب ويجعلهم شركاء في صناعته، فالأدب العالمي بوابة رحبة يدخل منها الأطفال إلى عالمٍ القيم المشتركة بين الثقافات، بما ينمّي فضولهم ويزرع فيهم حب المعرفة منذ سنواتهم الأولى.
بالفرنسية والإنجليزية
تضمّنت الفعالية برنامجاً من المناطق التفاعلية والورش المقدّمة باللغتين الفرنسية والإنجليزية بالتعاون مع «الرابطة الفرنسية – الشارقة»، بينها ورش فنية أتاحت للأطفال رسم لوحات مستوحاة من عالم «الأمير الصغير»، وتصميم قمصان مزينة بالنجوم، وإعداد أعمال فنية داخل إطارات مستوحاة من شخصيات وكواكب القصة. وشملت التجربة مناطق تفاعلية مثل «مشغل المخترع» الذي جمع بين الفن والاكتشاف، و«كوكب الخيال» للرسم والتلوين، و«متاهة همسات الأفعى» القائمة على الألغاز، و«سوق التاجر» للتذكارات المستوحاة من القصة، إلى جانب «كوكب الكبار» للأنشطة المشتركة بين الأهالي والأطفال، وتختتم الجولة في «مقهى الغروب» ضمن أجواء عائلية ترفيهية.
برنامج ترفيهي وتعليمي
وشهد «مسرح الكويكب» في الفعالية برنامجاً متنوعاً يتوزّع بين العروض الحية والورش التفاعلية، منها جلسات سرد قصصي يقدمها «المجلس الإماراتي لكتب اليافعين» تبرز قيم الصداقة والخيال. كما أضافت تجربة «دوبافريك» لمسة إيقاعية من خلال ورشة قرع الطبول، إلى جانب عرض موسيقي مزج بين الحركة والسرد الإبداعي. وتضمّنت الفعالية عروضاً مسرحية، وجلسة «الكلمة المنطوقة»، التي وجهت دعوة للأطفال لاستكشاف الإيقاع والشعر والتعبير الإبداعي من خلال الصوت والحركة والمشاركة المرحة.
روائع الأدب العالمي
تُعد فعالية «الحدائق السحرية» تجربة ثقافية وترفيهية وفنية مستلهمة من روائع الأدب العالمي، مجسِّدة إيمان «بيت الحكمة» بأهمية أدب الأطفال ودوره في تنمية المهارات اللغوية والفكرية والإبداعية لدى الأطفال، وبناء شخصياتهم، وإثراء مخيلتهم، وتعزيز فهمهم للثقافات المختلفة وقيمها الأخلاقية من خلال تكييفها لتناسب عادات المجتمع الإماراتي وقيمه.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: بيت الحكمة الشارقة الأمیر الصغیر الأدب العالمی بیت الحکمة من خلال
إقرأ أيضاً:
خرائط عالمنا الجديد
طالما تحدثت عن الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وهو نظام بدأ يلوح في الأفق مع التنامي المتصاعد لقوتين عظميين في عصرنا الراهن: روسيا والصين. وبوسعنا القول إن لقاء القمة الأخير الذي انعقد في بكين بين بوتين وتشي بينج، كان بمثابة تدشين لنشأة هذا النظام العالمي الجديد، كما يتبين ذلك من البيان الصادر عن القمة نفسها، الذي أعلن أن العالم الآن هو نظام متعدد الأقطاب، ينبغي أن تحكمه توازنات القوى والمصالح، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
تشكيل عالمنا الجديد ليس بدعة تميز عصرنا؛ لأن العالم يتغير بعد كل حقبة من الزمن قد تطول أو تقصر، ولكنها لا بد من أن تنتهي لينشأ عالم جديد، وذلك بفعل متغيرات جوهرية عديدة تتعلق بموازين القوة على سائر الأصعدة. ذلك أن تاريخ العالم هو - في واقع الأمر- تاريخ من صراعات الشعوب في مقاومة هيمنة قوة استعمارية عظمى في عصر ما، ومن ذلك على سبيل المثال: هيمنة الإمبراطورية الرومانية على العالم، وغيرها من الإمبراطوريات التي هيمنت من بعدها.
ولعل الإمبراطورية البريطانية تعد أشهر الإمبراطوريات التي هيمنت على العالم في العصر الحديث. توارى نفوذ هذه الإمبراطورية تدريجيا، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ترث نفوذها فيما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، إلى أن أصبحت بالفعل القوة المهيمنة على العالم.
ولكن السياسة الأمريكية عملت على تكريس السياسات الاستعمارية القديمة في قالب جديد، ولكنه يُبقي على مبدأ هيمنة القطب الواحد على العالم. ولذلك فإن سياستها البديلة إزاء الشرق الأوسط، ليست سوى سياسة استعمارية جديدة، وهي ما أسميته في مقال سابق بهذه الجريدة الرصينة «سايكس بيكو 2»، فليرجع إلى ذلك من يشاء. الشاهد هنا أن السياسة الأمريكية لم تدرك أن مشروع سايكس بيكو الجديد لم يعد قابلا للتطبيق في عصرنا الراهن؛ ببساطة لأن الحقبة الاستعمارية قد انتهت من عالمنا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار، حتى إن اتخذ هذا الاستعمار مظاهر جديدة.
وعلى هذا، يمكننا القول إن ما يميز تشكيل عالمنا الراهن حقا هو أن هذا التشكيل للعالم يقوم أساسا لا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار فحسب، بل أيضا باعتباره عالم ما بعد الهيمنة، أعني: هيمنة قوة بعينها على العالم.
في ضوء هذا يمكننا أن نفهم دلالة اللقاء الأخير بين بوتين وتشي بينج، وأن نقرأ ما هو ضمني وغير معلن في مجمل الحدث وسياقه العام، باعتباره تدشينا لميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب بعد مخاض طويل. لنحاول أولا قراءة بعض المظاهر المصاحبة للحدث: المظاهر الاحتفالية في الاستقبال تشبه كثيرا نظائرها في الاستقبال الرسمي لترامب، ولكننا مع ذلك نجد حالة من الود والحميمية في استقبال تشي بينج وشعبه لبوتين، ليس في لغة الخطاب وحسب، بل أيضا في لغة السلوك والتعبير الجسدي.
ولكن الأهم من ذلك أن نتأمل دلالة توقيت الحدث: يأتي لقاء هذه القمة مباشرة بعد لقاء القمة بين الرئيس الصيني مع ترامب في بكين. والواقع أننا لا يمكننا تجاهل دلالة هذا التوقيت؛ إذ إنه بمثابة رسالة سياسية قوية للإدارة الأمريكية بأن العالم قد تغير الآن بالفعل، وأن الصين وروسيا وحلفاءهما سوف يسهمون بقوة في تشكيل الخرائط السياسية لهذا العالم.
تأتي هذه الرسالة بعد أن غادر ترامب الصين خالي الوفاض، اللهم إلا من بضع اتفاقات تجارية مع الصين؛ فلم يستطع أن يحصل على أي دعم من الصين لسياسته العدوانية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب على إيران؛ بل إنه قد تلقى تحذيرا من تدخله في قضية تايوان التي تراها الصين مسألة تتعلق بشؤونها الداخلية، وهو ما جعل ترامب يصرح فور عودته من الصين إلى القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة إلى الانخراط في صراع يقع على بعد آلاف الأميال منها! وهو تصريح يبدو كما لو كان حفظا لماء الوجه، ولكنه في الوقت ذاته يبدو اعترافا ضمنيا اضطراريا بأن هناك قوى عظمى أخرى (مثل الصين وروسيا) لا يمكن مناوأتها في سعيها لضم أراضي تعتبرها جزءا من حدودها الجغرافية. غير أنه من الضروري التأكيد هنا على أنني لا أعني بمفهوم «الخرائط السياسية» في هذا المقال مجرد «الحدود الجغرافية» التي يمكن ضمها أو إزاحتها أو تعديلها؛ لأن هذه الحدود نفسها تكون نتاجا لموازين القوى المتعددة الجديدة. وعلى هذا، فأنا أعني «بالخرائط السياسية» تلك الخرائط التي تحدد موازين القوى السياسية في عالمنا الجديد، وإن شئنا أن نتخيل تشكيلا لهذه الخرائط، فإنها يمكن أن تشتمل على ثلاث كتل رئيسة: كتلة الدب الروسي والمارد الصيني (مع حلفائهما في كوريا الشمالية وباكستان وإيران، وغيرها)؛ وكتلة الغرب الأوروبي، وكتلة الغرب الأمريكي ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية.
ذلك أن الغرب لم يعد الآن يمثل كتلة واحدة، بل كتلتين رئيستين، وإن كانت أواصر الصلة بينهما غير قابلة للانفصام، رغم مسلك إدارة ترامب الذي يبدو متنصلا من الانخراط في سياسات الكتلة الأوروبية؛ لأن إرث الحضارة الأوروبية في القارة العجوز سيظل ممتدا داخل منجزات الغرب الأمريكي.
ولا شك في أن تحقق عالم متعدد الأقطاب في عصرنا هذا، سوف يصب في النهاية في مصلحة الدول الضعيفة والمهمشة التي لم تعد تملك قرارها في ظل عالم القطب الواحد المهيمن، وهي على الأقل تصبح قادرة على مواجهة محاولات التوسع الاستعماري لقوة ما تهدد وجوده؛ لأنها تدرك أن هناك قوى أخرى يمكن أن تدعمها.