تشهد الساحة اليمنية تطورًا بالغ الحساسية مع إقدام المجلس الانتقالي الجنوبي على بسط سيطرته العسكرية على محافظتي المهرة وحضرموت، ورفضه الصريح التجاوب مع نداء سعودي رسمي بالانسحاب، بل والذهاب أبعد من ذلك عبر تنظيم مظاهرة مليونية في مدينة سيئون رُفعت خلالها أعلام ما يُسمّى “دولة الجنوب”. خطوة كهذه لا يمكن التعامل معها بوصفها حدثًا عابرًا أو تحركًا ميدانيًا محدود الأثر، بل هي مؤشر واضح على انتقال المشروع الانفصالي إلى مرحلة أكثر جرأة واندفاعًا، بما يحمله ذلك من تداعيات داخلية وإقليمية شديدة الخطورة.



إن السيطرة بالقوة على محافظات بحجم وأهمية حضرموت والمهرة، بما تمثله من عمق جغرافي وثروات طبيعية ومنافذ استراتيجية، لا يمكن أن تمر دون ارتدادات خطيرة. فهي تهدد بإشعال صراع داخلي جنوبي ـ جنوبي، فضلًا عن تعميق الانقسام اليمني العام، وتقويض أي أفق لتسوية سياسية شاملة.من المهم التأكيد، ابتداءً، أن فكرة استقلال جنوب اليمن ليست وليدة اللحظة الراهنة، ولا نتاجًا مباشرًا للحرب الدائرة منذ سنوات. فقد طُرحت هذه الفكرة بقوة منذ عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، الذي خاض ـ سياسيًا وعسكريًا ـ معارك شرسة من أجل دفنها، معتبرًا إياها تهديدًا وجوديًا لوحدة الدولة اليمنية التي قامت عام 1990. غير أن الفرق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في السياق العام؛ فعودة المشروع الانفصالي اليوم تأتي في ظل دولة يمنية شبه منهارة، ومؤسسات ضعيفة، وبيئة إقليمية مضطربة، وتوازنات دولية متحركة، ما يجعل أي خطوة أحادية الجانب أكثر قابلية للانفجار وأشد كلفة على المدى المتوسط والبعيد.

اللافت في تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي أنه يتم بمعزل عن أي غطاء دولي أو موافقة سياسية واضحة، على الرغم من قربه المعروف من دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي ميزان القانون الدولي، لا يكفي التحكم الميداني أو الحشد الجماهيري لإنتاج كيان سياسي شرعي، بل يتطلب الأمر مسارًا قانونيًا واضحًا، وتوافقًا وطنيًا شاملًا، واعترافًا دوليًا صريحًا. أما تجاهل نداء سعودي رسمي بالانسحاب، وهو صادر عن الدولة التي تقود التحالف العربي في اليمن، فيطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا التحدي، وحدود الانضباط داخل معسكر يُفترض أنه يعمل تحت مظلة واحدة، وأهدافه النهائية.

تزداد الصورة تعقيدًا عند وضع هذه التطورات في سياق إقليمي أوسع. فقد جاءت خطوة الانتقالي بعد أيام من تقارير إعلامية تحدثت عن تقارب متنامٍ بينه وبين إسرائيل، وبالتزامن مع إعلان إسرائيل الاعتراف بما تُسمّى “دولة أرض الصومال”. هذا التزامن، سواء كان مقصودًا أو عارضًا، يثير مخاوف مشروعة من محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة عبر بوابة الكيانات الهشة والانفصالية، ومن فتح المجال أمام أدوار خارجية جديدة في خاصرة الجزيرة العربية وبحر العرب والقرن الإفريقي.

إن الجنوب اليمني يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما مسار سياسي عقلاني يعترف بتعقيدات الواقع، أو مغامرة مفتوحة على المجهول، قد تغيّر وجه المنطقة، ولكن بثمن يفوق قدرة الجميع على الاحتمال.إن السيطرة بالقوة على محافظات بحجم وأهمية حضرموت والمهرة، بما تمثله من عمق جغرافي وثروات طبيعية ومنافذ استراتيجية، لا يمكن أن تمر دون ارتدادات خطيرة. فهي تهدد بإشعال صراع داخلي جنوبي ـ جنوبي، فضلًا عن تعميق الانقسام اليمني العام، وتقويض أي أفق لتسوية سياسية شاملة. كما أنها تضع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، أمام اختبار صعب: إما القبول بمنطق فرض الأمر الواقع بقوة السلاح، أو التحرك الحاسم لمنع الانزلاق نحو حرب جديدة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى موقف خليجي واضح، سياسيًا وقانونيًا وتاريخيًا، يرفض أي تغيير أحادي للكيانات أو السيطرة على الأرض خارج إطار الشرعية والتوافق، ويعمل في الوقت نفسه على احتواء التصعيد ومنع تفجر مواجهة عسكرية جديدة. فالتاريخ القريب لليمن والمنطقة يثبت أن المشاريع التي تُبنى على السلاح وحده، دون إجماع أو شرعية، غالبًا ما تنتهي إلى فوضى طويلة الأمد، لا رابح فيها.

وفي ختام المشهد، تبدو محاولات بعض قادة المجلس الانتقالي تبرير هذه الخطوات التوسعية في الجنوب، والسعي إلى تكريس الأمر الواقع بالقوة، عبر الحديث عن “المجاميع الإرهابية” و”التيارات المتطرفة”، أو عبر دعوة الحكومة اليمنية الشرعية إلى محاربة الحوثي بدل “مواجهة الانتقالي”، أقرب إلى دعاية سياسية مستهلكة لم يعد يصدقها أحد. فمحاربة الإرهاب لا يمكن أن تكون ذريعة للاستيلاء على الأرض، ولا تُمنح الشرعية بالقوة العسكرية أو بالشعارات الأمنية، كما أن مواجهة الحوثي لا تبرر فتح جبهات داخلية جديدة أو تقويض ما تبقى من الدولة اليمنية. إن اختزال الأزمة بهذه السرديات التبريرية لا يخفي جوهر المشروع، بقدر ما يكشف عن مسار محفوف بالمخاطر، لا يحمل في نهايته سوى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.

إن الجنوب اليمني يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما مسار سياسي عقلاني يعترف بتعقيدات الواقع، أو مغامرة مفتوحة على المجهول، قد تغيّر وجه المنطقة، ولكن بثمن يفوق قدرة الجميع على الاحتمال.

*كاتب وإعلامي تونسي مقيم في لندن

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء اليمنية الجنوبي التطورات اليمن الجنوب رأي تطورات قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة لا یمکن

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • مفاوضات واشنطن: محاولة لإطلاق مسار سياسي متكامل ومتعدد المراحل
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • طرابلس.. اجتماع سيادي رفيعُ لبحثِ «ملف الهجرة ومخاطرِ التوطين»
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • إنفوجرافيك | ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • ورقة حقائق بعنوان "نظرة عامة على المناطق الصفراء والخط البرتقالي في القطاع"
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر