الهيمنة المصرية على السودان الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع -كتاب يفتح الملف المسكوت عنه
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
عمر سيد احمد
يأتي كتاب الهيمنة المصرية على السودان الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع للكاتب الدكتور النور حمد في لحظة سودانية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحرب، والانهيار المؤسسي، والتدخلات الإقليمية، لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا:
لماذا فشل السودان، منذ الاستقلال، في تثبيت سيادته وبناء دولة مستقلة القرار؟
لا يتعامل الكتاب مع الحرب الجارية بوصفها صراعًا عسكريًا بين أطراف داخلية فحسب، بل يقدّم قراءة أعمق ترى فيها تتويجًا لمسار تاريخي طويل من إعادة إنتاج التبعية.
من التاريخ إلى الراهن
يعيد الكتاب تفكيك جذور هذه الهيمنة منذ الحكم الثنائي وما تلاه من استقلال منقوص، مشيرًا إلى أن خروج الاستعمار لم يُتبَع بتفكيك بنيته العميقة. فالدولة السودانية الناشئة ورثت مؤسسات هشّة ونخبًا مرتبطة بالخارج، ما جعلها عرضة للتدخل المستمر. في هذا السياق، يقرأ المؤلف الانقلابات العسكرية المتعاقبة لا كحوادث معزولة، بل كآليات لإعادة ضبط المجال السياسي بما يضمن استمرار النفوذ الإقليمي، وعلى رأسه النفوذ المصري.
أدوات النفوذ: أكثر من السياسة
يمتد تحليل الكتاب إلى ما هو أبعد من السياسة المباشرة. فالإعلام والتعليم، وفقًا للمؤلف، لعبا دورًا محوريًا في تشكيل وعي عام يطبع العلاقة مع مصر بوصفها “قدرًا جغرافيًا” لا يجوز مساءلته. كما يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالاقتصاد السياسي للهيمنة: ملف المياه، الأراضي الزراعية، الموارد الطبيعية، والتبادل التجاري غير المتكافئ، بوصفها أدوات ضغط لا تقل فاعلية عن الأدوات الأمنية.
ثورة ديسمبر والاختبار الحاسم
يمثل فصل ثورة ديسمبر 2018 أحد أكثر أقسام الكتاب حساسية. هنا يرى الكاتب أن الثورة كشفت حدود “الاستقرار السلطوي” الذي تفضّله قوى إقليمية عديدة. فنجاح انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان، بحسب التحليل، كان سيشكّل تهديدًا مباشرًا لنموذج الحكم العسكري في الإقليم. ومن ثمّ، لم يكن دعم “الاستقرار” سوى دعم غير مباشر لإعادة إنتاج سلطة العسكر، حتى وإن قاد ذلك إلى انسداد سياسي انتهى بالحرب.
الداخل شريك في الأزمة
لا يكتفي الكتاب بنقد الخارج. إحدى نقاط قوته الأساسية أنه يحمّل النخب السودانية نصيبًا وافرًا من المسؤولية. فـ“الهيمنة”، كما يقدّمها المؤلف، لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُستدعى من الداخل عبر تحالفات مصلحية قصيرة النظر، فيما يسميه “الاستعمار بالاستدعاء”. بهذا المعنى، تصبح الأزمة السودانية نتاج تفاعل بين ضغط خارجي وقبول داخلي، لا مؤامرة أحادية الاتجاه.
كتاب جدلي… وضروري
قد يثير الهيمنة المصرية على السودان جدلًا واسعًا، خاصة لدى من يفضّلون مقاربة العلاقات الإقليمية بلغة المجاملات الدبلوماسية. غير أن أهمية الكتاب تكمن تحديدًا في كسره لهذا السقف، وطرحه أسئلة صعبة حول السيادة، والدولة، وحدود “الأخوة” حين تتحول إلى وصاية.
ليس هذا الكتاب بيان خصومة مع مصر، بقدر ما هو دعوة صريحة لإعادة تعريف العلاقة على أساس الندية والمصالح المتبادلة. وهو، قبل ذلك وبعده، محاولة لفهم جذور المأساة السودانية خارج الاختزالات السهلة، وإعادة وضع الحرب الراهنة في سياقها التاريخي والسياسي الأوسع.
في زمن تميل فيه التحليلات السريعة إلى اختزال الأزمة في معارك اليوم، يذكّرنا هذا الكتاب بأن ما نعيشه هو، في جوهره، نتيجة تاريخ لم يُحاسَب بعد.
29 ديسمبر 2025
الوسومعمر سيد احمد
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: عمر سيد احمد
إقرأ أيضاً:
الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
ناقش الباحث ” علي حيدر سيف الجبيري ” في إنجاز أكاديمي بارز
رسالته الدكتوراه الخاصة به في جامعة أم درمان الإسلامية – كلية العلوم الإدارية بجمهورية السودان، ضمن تخصص إدارة الأعمال، وسط إشادة واسعة بمستوى البحث وأهميته العلمية.
وجاءت الرسالة بعنوان:
“أثر التسويق الداخلي في العلاقة بين الرضا الوظيفي وأداء العاملين – دراسة ميدانية في البنوك التجارية العاملة في العاصمة عدن”، حيث تناولت موضوعاً حيوياً يلامس واقع المؤسسات المصرفية، ويسلط الضوء على دور التسويق الداخلي في تحسين بيئة العمل ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وقد عكست الرسالة جهداً علمياً متميزاً، اتسم بالدقة والمنهجية، وأظهرت قدرة الباحث على الربط بين الجوانب النظرية والتطبيقية، بما يسهم في تقديم إضافات نوعية في مجال إدارة الأعمال، خاصة في القطاع المصرفي.
ويُعد هذا الإنجاز خطوة مهمة في المسار الأكاديمي والمهني للباحث، ويؤكد مستوى الإصرار والتفاني في طلب العلم والمعرفة، وسط تطلعات بأن تسهم مخرجات هذه الدراسة في دعم وتطوير المؤسسات المالية .
وتتواصل التهاني والتبريكات للباحث، مع أطيب الأمنيات له بمزيد من النجاحات والإنجازات العلمية في مسيرته القادمة.