مفاجأة زلزلتني: من «العالم العربي» إلى «الملفات» (2- 3)
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
د. مجدي العفيفي
كيف اختُطِف العقل العربي: من الفكرة إلى الشاشة؟
(6)
أنهيت النقطة الأخيرة في السطر الأول من هذه السردية بالإشارة إلى مرض «اختراع القُطْريات».. وبلغة التواصل أقول: إذا أردنا فهم كيف خرجنا من صورة «الأُمة» إلى حالة «الملفات»، فيجب أن نعود إلى اللحظة التي تغيّر فيها شكل الوعي العربي نفسه.
أولًا: عندما قسّمونا.. فلم نمانع:
بعد الحرب العالمية الأولى، وبتحديدٍ أدقّ بعد إسقاط الامبراطورية العثمانية، لم يسأل الغرب العرب: «إلى أين تريدون أن تذهبوا بمستقبلكم؟» بل طرح سؤالًا آخر تمامًا: «كيف نُقسّمكم؟». ثم جلس البريطاني والفرنسي حول خريطة لا تعرف الشعب ولا اللغة ولا الذاكرة ولا القبيلة ولا الحضارة… خطّوا حدودًا باردة بقلم رصاص، ثم مرّروا فوقها قلم حبر، فأصبحت دولًا.
ولأول مرة منذ 14 قرنًا، أصبح العربي ينتمي إلى دولة قبل أن ينتمي إلى الأمة.. صار المصري «مصريًا قبل أن يكون عربيًا» واللبناني «لبنانيًا قبل أن يكون عربيًا» والعراقي «عراقيًا قبل أن يكون عربيًا»، ولم يكن ذلك صدفة.. كان مشروعًا كاملًا.
ثانيًا: تمجيد الحدود.. بدل تمجيد الروح:
فجأة أصبحت الحدود ليست خطوطًا على الخريطة، بل أسوارًا نفسية: تنظر إلى أخيك العربي عبر بوابة جواز السفر.. تسمع لهجته فتقول: «أنت من هناك.. لا من هنا». يصبح العربي غريبًا في أرض العربي.
أي مجزرة هذه في الوعي؟ اللغة واحدة.. الدم واحد.. الذاكرة واحدة.. الأغاني واحدة.. الجرح واحد.. العدو واحد.. والحلم كان واحدًا.. ثم يأتي خط مرسوم على ورقة ليقول: أنت لست أخي.
هذا ليس انقسامًا سياسيًا فقط.. هذا كسر في بنية الروح.
ثالثا: النخبة التي أدارت الانفصال بدل الوحدة: بعد التقسيم، جاء دور النخب الحاكمة.. وأغلبها- دعنا نكون صريحين- لم يرَ في الأمة مشروعًا، بل خطرًا على سلطته. فمن الأسهل أن تحكم شعبًا واحدًا تحت دولة صغيرة.. من أن تكون مسؤولًا أمام شعبٍ يمتد من المحيط إلى الخليج.
وهكذا.. شُجِّع التعليم الذي يمجّد «الدولة» بدل الأمة.. أُنتج الإعلام الذي يرفع «العَلَم المحلي» فوق كل راية.. كُتبت المناهج التي تعزل التاريخ الوطني عن التاريخ العربي.. وغابت فكرة المصير المشترك من وجدان الناس.
وهنا حدث أخطر شيء: تحوّل المواطن إلى مُقيم داخل دولة.. لا إلى ابن حضارة.
رابعا: الأمة لم تسقط بالسلاح.. بل بالتصورات
لم يقُتل الوعي العربي بمدفع ولا بدبابة.. قُتل حين أصبح العربي يقول عن نفسه: «أنا.. فقط من هنا» ويُلغي ما فوق ذلك.
حين صار السؤال الطبيعي: «أنت من أي بلد؟» بدلًا من: «ما الذي يجمعنا؟»
لقد سقطت الأمة يوم توقّفنا عن تخيّلها.
خامسًا: لماذا يستثمر الآخر في بقائنا ممزقين؟ لأن أمة موحدة: تتحكم في أكبر امتداد جغرافي استراتيجي في العالم. تمتلك مخزونًا طاقيًا يقرر مصير الصناعة العالمية. تشرف على أهم الممرات البحرية والبرية. تمتلك كتلة بشرية توازي 450 مليون عقل. ولديها لغة واحدة تجعل التواصل السياسي والثقافي مباشرًا وفوريًا. هذا يعني ببساطة: الأمة العربية إن وُحّدت تصبح قوة عالمية. وهذا بالضبط ما لا يريده أحد.
ولذلك.. تم الاستثمار في إبقائنا: دولًا تتنافس بدل أن تتعاون.. إعلامًا يزرع الشك بدل الوعي. حكوماتٍ تخاف من شعوبها بدل أن تقودها.. وشعوبًا تخاف من الحرية أكثر مما تخاف من الاستبداد.
(7)
الجرح الأكبر: حين نصدق نحن القيد..
المصيبة ليست أن القوة الخارجية أرادت تقسيمنا.. المصيبة أننا صدقنا التقسيم.. تشرّبناه.. ودافعنا عنه.. وجعلناه جزءًا من هويتنا.
لم نعد شعوبًا تبحث عن نهضة، بل شعوبًا تحرس حدودها من أشقائها.
نعم.. لم يحدث انهيار الأمة في لحظة.. ولا بسقوط دولة.. ولا بهزيمة عسكرية.
انهارت الأمة عندما توقفنا عن تخيّل أنفسنا كأمة.
ولذلك.. إعادة البناء ليست مشروعًا سياسيًا فقط، بل مشروع استعادة المخيلة العربية:
أن نعلم أبناءنا أننا امتداد.
أن نكتب تاريخًا لا يبدأ من حدود الدولة الحديثة.
أن نعيد اللغة إلى مركز الحياة.
أن نعيد تعريف كلمة «نحن» لأن ما لم يعد يمكن تخيّله.. لا يمكن استعادته.
(8)
لم تخسر الأمة عندما خسرت أرضًا.
ولم تنهزم حين سقطت عاصمة أو تبدّلت سلطة.
الأمم لا تموت بالسقوط العسكري؛ بل بالسقوط الإدراكي.
نقطة الانهيار الحقيقية لم تكن في اتفاقية، ولا في انقلاب، ولا في هزيمة.
كانت في اللحظة التي لم يعد فيها العربي يعرف من يكون، ولا كيف يرى ذاته، ولا ما الذي يشكل الصورة في داخله عن العالم.
فالعقل هو ميدان المعركة الأول… والأخير.
من يملك “الشاشة” يملك الوعي
قبل مئة عام، كان الوعي يُصنع في: المسجد.. المدرسة.. القبيلة.. الريف.. الكتاب.. والذاكرة الشفوية.. أما اليوم، فالعقل يُصنع في: التلفزيون.. المنصات.. الإعلانات.. الدراما.. النشرة.
المشهد لا الفكرة.. تمكّن الآخر من أن ينتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على العقل الذي يفسّر الأرض. لقد تحوّل العربي من منتج للمعنى إلى مستهلك للصورة.
من الفكرة… إلى الشعار… إلى التفريغ
كان العربي- عبر قرون- ابن فكرة: الفلسفة، الكلام، الأدب، الفقه، البلاغة، الشعر… أي عمارة عقلية ضخمة. لكن في القرن العشرين، وضعته الأنظمة والإعلام في آلة ضخمة لتحويل الوعي إلى: شعارات بدل الأفكار.. انفعالات بدل المبادئ.. أناشيد بدل الوعي.. أسماء بدل المشاريع.. صار الوعي مجرد صوت مرتفع بلا جذور.
رفعنا الرايات… لكننا لم نرفع منسوب الفهم.
عصر البث الشامل: السيطرة بلا جيوش
لم يكن الغرب بحاجة لإرسال جنود بعد الآن.. ولا لبناء قواعد عسكرية في كل مدينة عربية.
لقد بنى ما هو أخطر: قواعد داخل عقول الناس.
يقرر ما نعجب به، ما نقلده، ما نخافه.. ما نراه نجاحًا.. وما نراه هزيمة.. وما نعتبره “نمط حياة”.. وما نعتبره “تخلّفًا”.
صارت القيم تَبثّ عبر الشاشة.. وصار العربي يستعير عينًا غير عينه ليرى نفسه بها.
هنا بدأ الانسلاخ.
النخب المزيّفة: حين يصبح المثقف بوقًا
لم يكن الإعلام كافيًا وحده. كان لا بد من صناعة طبقة من المتحدثين باسم “العقل الحديث”:
يهاجمون الدين لا كتفكير.. بل كهوية.
يسخرون من التاريخ لا نقدًا.. بل اقتلاعًا.
يهاجمون الإرث لا لفهمه.. بل لنسفه.
يمدحون الغرب لا دراسة.. بل تبعية.
هؤلاء لم يكونوا مشروع تحديث.. كانوا مشروع تفريغ.
لقد تحوّل “المثقف” من صانع معنى إلى موظف في مشروع قطع الجذور.
ماذا يحدث لعقلٍ يرى ذاته بأعين الآخرين؟
عندما يفقد العقل العربي مرآته الخاصة: لا يعود يرى قيمته.. ولا يعود يثق في مفاهيمه.. ولا يعود يحدث العالم من موقع الندّية؛ بل من موقع الاعتذار أو الانبهار
وبدلًا من أن يسأل: كيف نصنع حضارتنا؟
صار يسأل: كيف نصبح نسخة من غيرنا؟
وهنا تحدث أخطر عملية: الاغتراب الداخلي.. أن يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه.. وهو ما يزال يسكن جسده.
الإعلام لا ينقل الواقع.. بل يبنيه
الدراما لا تعرض المجتمع… الدراما تصنع المجتمع.. الخطاب لا يعكس الوعي.. الخطاب يحقن الوعي.
حتى الأغنية أصبحت أداة هندسة وجدانية: تصنع ما نحب.. وما نقبل.. وما نتخيل أنه “طبيعي”.
لقد أصبح العقل العربي شاة تمشي في قطيع بصري، حيث من يرفع الراية في الصدر الإعلامي يقود الوعي كله.
الاستعادة لا تبدأ بالشاشات… بل بالوعي
أي نهضة لن تبدأ: لا من الأحزاب.. لا من البرلمان.. لا من إصلاح المناهج فقط.. ولا من إعادة كتابة التاريخ فقط.
النهضة تبدأ من سؤال واحد خطير: من يحق أن يعرّفني؟
إذا عرف الإنسان نفسه.. سقطت كل آليات الهيمنة.
إذا استعاد العربي مخيلته الحضارية.. سقطت كل الآلات الدعائية.
إذا عاد يفكر قبل أن ينفعل.. سقطت كل قوة الصورة.
وهكذا.. خُطف العقل العربي حين توقف عن الإنتاج ورضي بالاستقبال.
واستعادته لن تكون بزيادة المعلومات؛ بل باستعادة السيادة على المعنى.
لأن المعركة الأكبر الآن ليست على الأرض؛ بل على العقل الذي يراها.
و... ولهذه السردية المؤلمة بقية ثالثة!!
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
بعد طرد الدبلوماسيين.. لقاء جزائري فرنسي رفيع في باريس لتعزيز مسار التهدئة
عقد وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية الجزائري، السعيد سعيود ، مساء أمس الاثنين في العاصمة الفرنسية باريس، لقاءً مع نظيره الفرنسي لوران نونيز، في خطوة جديدة تعكس المساعي الجارية لإعادة تطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا بعد أشهر من التوتر غير المسبوق بين البلدين.
وقالت وزارة الداخلية الجزائرية، في بيان، إن الوزيرين ترأسا اجتماعا بين وفدي البلدين، أعقبه لقاء عمل موسع تناول "عدداً من الملفات والقضايا ذات الاهتمام الثنائي، لا سيما تلك المرتبطة بمجالات اختصاص القطاعين".
ولم يكشف البيان عن طبيعة الملفات التي نوقشت خلال الاجتماع، غير أن اللقاء يأتي في سياق حراك سياسي ودبلوماسي متزايد بين الجزائر وباريس خلال الأسابيع الأخيرة، بهدف تجاوز الأزمة التي هزت العلاقات الثنائية وألقت بظلالها على مختلف أوجه التعاون بين البلدين.
وتُعد ملفات الهجرة، والتنقل القنصلي، والتعاون الأمني، ومكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى قضايا ترحيل المهاجرين غير النظاميين والتنسيق الإداري بين المؤسسات المحلية، من أبرز القضايا التي تندرج عادة ضمن اختصاصات وزارتي الداخلية في البلدين، ما يرجح حضورها على جدول المباحثات.
انفراج حذر بعد أشهر من التوتر
ويأتي الاجتماع في ظل مؤشرات متزايدة على انفراج تدريجي في العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعد أزمة دبلوماسية حادة وُصفت بأنها من الأسوأ منذ عقود.
وشهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية تدهوراً غير مسبوق خلال العامين الأخيرين، منذ إعلان الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون دعمه لمقترح الحكم الذاتي المغربي في إقليم الصحراء تحت السيادة المغربية.
واعتبرت الجزائر الموقف الفرنسي استفزازاً مباشراً لها وانحيازاً واضحاً إلى الرباط في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للسياسة الخارجية الجزائرية، ما فجّر أزمة دبلوماسية متصاعدة بين البلدين امتدت إلى ملفات سياسية وأمنية وقضائية، وانتهت إلى تبادل إجراءات عقابية وطرد دبلوماسيين، قبل أن تظهر في الأشهر الأخيرة بوادر تهدئة ومساعٍ لإعادة قنوات الحوار والتعاون بين الجانبين.
وكانت الجزائر قد عبّرت في أكثر من مناسبة عن رفضها لما اعتبرته مواقف فرنسية تمس بسيادتها ومصالحها الاستراتيجية، فيما انعكست الأزمة على ملفات التعاون القضائي والأمني والقنصلي التي تربط البلدين.
ورغم حدة الخلافات، حافظت العاصمتان على قنوات اتصال محدودة، قبل أن تظهر خلال الأسابيع الأخيرة بوادر انفراج مدعومة بإرادة سياسية لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
استئناف التعاون القضائي
وسبق لقاء وزيري الداخلية، اجتماع جمع وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة ونظيره الفرنسي جيرالد دارمانين قبل نحو ثلاثة أسابيع، حيث ناقش الطرفان سبل إعادة تفعيل التعاون القضائي بين البلدين بعد فترة من التوقف الكامل بسبب الأزمة الدبلوماسية.
وشكل ذلك اللقاء أول مؤشر عملي على رغبة الطرفين في إعادة بناء الثقة واستئناف آليات التعاون المؤسساتي التي تعطلت خلال الأشهر الماضية، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالمساعدة القضائية وتبادل المعلومات وملاحقة الجرائم العابرة للحدود.
ويمثل اجتماع باريس بين مسؤولي قطاعي الداخلية يمثل حلقة جديدة ضمن مسار أوسع لإعادة ترميم العلاقات الثنائية، خاصة أن ملفات الأمن والهجرة والتعاون الإداري تعد من أكثر الملفات حساسية وتأثراً بالتوترات السياسية.
علاقات معقدة ومصالح متشابكة
وترتبط الجزائر وفرنسا بعلاقات تاريخية واقتصادية وإنسانية معقدة، تجعل من الصعب استمرار القطيعة بينهما لفترات طويلة. فإلى جانب الشراكات الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، يعيش في فرنسا جالية جزائرية كبيرة، فيما تشكل ملفات التأشيرات والتنقل والتعاون الأمني والقضائي قضايا دائمة الحضور في أجندة البلدين.
ورغم استمرار بعض نقاط الخلاف العالقة، فإن التحركات الرسمية الأخيرة توحي بوجود توجه متبادل نحو احتواء الأزمة وإعادة تفعيل قنوات الحوار، بما يسمح باستئناف التعاون في الملفات ذات الأولوية المشتركة، بعيداً عن أجواء التصعيد التي طبعت العلاقات خلال الفترة الماضية.
ويُنتظر أن تكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت اللقاءات القطاعية المتتالية ستقود إلى إعادة بناء الثقة بشكل كامل، أم أنها ستبقى محصورة في إدارة الملفات التقنية والعملية دون معالجة جذرية لأسباب التوتر التي فجّرت الأزمة بين الجزائر وباريس.