هل بلغت إسرائيل مرحلة منح الاعتراف للآخرين؟
تاريخ النشر: 30th, December 2025 GMT
محمد الحسن محمد نور
في مشهد غير متوقّع، انتصبت إسرائيل على خشبة المسرح الدولي، وأعلنت اعترافها بجمهورية أرض الصومال، في خطوة بدت للوهلة الأولى وكأنها انقلاب على منطق التاريخ السياسي للمنطقة. وقد صرّح مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن القرار “يأتي بروح اتفاقيات أبراهام”، في محاولة واضحة لإدراجه ضمن مسار التطبيع الإقليمي الذي أطلقته إدارة دونالد ترامب.
قوبل القرار باستنكار واسع من الدول العربية والإسلامية، ومن منظمات إقليمية ودولية، اعتبرته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة، مع تحذيرات صريحة من إمكانية توظيف الإقليم كوجهة محتملة لخطط “تهجير” الفلسطينيين من قطاع غزة. وهذه الردود، في جوهرها، تبدو طبيعية عند النظر إلى طبيعة نشأة إسرائيل ذاتها، ودورها الوظيفي المستمر في الإقليم.
فإسرائيل، التي أُنشئت فى العام ١٩٤٨ بموجب وعد بلفور عام 1917 — ذلك الوعد الشهير الذى أطلق عليه “ عطاء مَن لا يملك، لِمَن لا يستحق” — ما تزال، حتى اليوم، تخوض معركة شرسة لفرض شرعيتها الدولية، مستندة إلى الدعم الأمريكي غير المحدود. ومن هنا تبرز المفارقة: فكيف لكيان لا يزال يبحث عن اعتراف كامل بشرعيته، أن ينتقل اليوم إلى موقع يمكنه من “الاعتراف” بكيانات أخرى.
لفهم هذه الخطوة، لا بد من التوقف عند الموقف الأمريكي، وتحديدًا تصريحات الرئيس دونالد ترامب، التي شكّلت مفتاح القراءة الحقيقي للمشهد. فقد سارع ترامب إلى نفي علمه المسبق بالقرار الإسرائيلي، وصرّح في 27 ديسمبر 2025 بأنه لن يحذو حذو إسرائيل في الاعتراف بأرض الصومال، متسائلًا بسخرية: “هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال حقًا؟”. لكنه، في الوقت نفسه، لم يُغلق الباب، حيث أردف بأن “كل شيء قيد الدراسة”، وأنه “سيدرس الأمر”.
هذا التناقض الظاهري لا يمكن قراءته كارتباك أو زلة لسان، بل تكتيك سياسي متعمّد، يقوم على صناعة الغموض وإبقاء جميع الخيارات مفتوحة. فترامب اعتاد استخدام النفي العلني كأداة تفاوض، لا كقرار نهائي، وهو ما يجعل موقفه أقرب إلى توزيع أدوار داخل المنظومة الأمريكية، لا إلى خلاف حقيقي مع الخطوة الإسرائيلية.
ويتكامل هذا التكتيك مع خطاب عدائي سبق أن استخدمه ترامب تجاه الصوماليين، وتجاه النائبة إلهان عمر، واصفًا إياهم بألفاظ مهينة، ومقللًا من شأن الدولة الصومالية بوصفها “بالكاد دولة”. هذا الخطاب لم يكن عابرًا أو شخصيًا، بل يخدم هدفًا استراتيجيًا واضحًا: تقويض الشرعية السياسية والأخلاقية للدولة الصومالية في الوعي العام الأمريكي والدولي، تمهيدًا لتقبل أي قرار مستقبلي قد يتجه نحو تفكيك الصومال أو إعادة رسم حدوده، دون إثارة اعتراض أخلاقي داخلي يُذكر.
وعند الانتقال من الخطاب إلى المصالح، تتضح الأهداف الأمريكية من هذا “الاعتراف بالوكالة” بجلاء لا لبس فيه.
أولًا، يتمثل العامل الحاسم في الموقع الجغرافي بالغ الأهمية لأرض الصومال، التي تمتد سواحلها لأكثر من 740 كيلومترًا على خليج عدن، عند المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقارب 30% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك إمدادات الطاقة. أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يترجم فورًا إلى خسائر اقتصادية عالمية بمليارات الدولارات.
ثانيًا، تمثل أرض الصومال أداة محتملة في المواجهة مع الحوثيين وإيران. فقد أقرت مصادر إسرائيلية باهتمام تل أبيب باستخدام الإقليم كنقطة انطلاق لعمليات استخباراتية أو عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، مستفيدة من القرب الجغرافي، وهو ما يضع الإقليم ضمن مسرح الصراع الأوسع في البحر الأحمر.
ثالثًا، تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي في القرن الأفريقي. فوجود قاعدة صينية في جيبوتي دفع واشنطن للبحث عن بدائل استراتيجية تمنحها حرية حركة أكبر، وأرض الصومال تمثل خيارًا مغريًا لا بديل له في هذا السياق.
رابعًا، وعلى عكس الموقف العلني لترامب، يحظى الاعتراف بأرض الصومال بدعم معتبر داخل المؤسسة الأمريكية ذاتها. فقد زار قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) الإقليم مؤخرًا، كما يقود السيناتور تيد كروز، رئيس اللجنة الفرعية المعنية بأفريقيا في مجلس الشيوخ، جهودًا واضحة لدعم الاعتراف، معتبرًا أرض الصومال شريكًا أمنيًا ودبلوماسيًا مهمًا. بل إن مشروع قانون بهذا الخصوص مطروح الآن داخل الكونغرس.
ضمن هذا الإطار، تبدو الخطوة الإسرائيلية بعيدة عن كونها قرارًا مستقلًا أو مغامرة منفردة. فهي تتحرك بوضوح داخل مظلة استراتيجية أمريكية أوسع، لتحقيق أهداف مشتركة، مع توزيع مدروس للأدوار.
أما إسرائيل، فهي تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق عدة مكاسب متزامنة: فرض نفسها كدولة مكتملة الشرعية تمتلك “حق الاعتراف”، توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام، والأهم، الحصول على موطئ قدم استراتيجي على باب المندب لمواجهة التهديدات الأمنية المباشرة، وعلى رأسها الحوثيون. وهنا يبرز احتمالان: إما أن إسرائيل تؤدي دور الأداة التنفيذية لمصالح أمريكية عميقة، أو أنها شريك كامل في تبادل أدوار يخدم أجندات مشتركة.
في المحصلة، يبدو الرفض العلني الذي أبداه ترامب أقرب إلى تكتيك مؤقت، أو انعكاس لأولوياته الشخصية، منه إلى موقف استراتيجي ثابت. فالثقل الحقيقي للمؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية، إلى جانب الدعم المتزايد داخل الكونغرس، يوفر غطاءً غير معلن للخطوة الإسرائيلية، التي تخدم — بحجر واحد — شبكة معقدة من المصالح والأحلام الجيوسياسية.
النتيجة المركزية:
إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ليس خطوة رمزية ولا مغامرة معزولة، بل صفقة استراتيجية كبرى معدة بدقة ولا يمكن أن تتم دون توافق أمريكي. أما الرفض العلني، فليس سوى جزء من لعبة توزيع الأدوار وصناعة التضليل السياسي.
٢٩ديسمبر ٢٠٢٥
الوسوممحمد الحسن محمد نور
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: محمد الحسن محمد نور
إقرأ أيضاً:
الكنيست يصوّت لحل نفسه.. إسرائيل تقترب من «انتخابات مبكرة»
صادق الكنيست الإسرائيلي، في جلسة ليلية، بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بحل نفسه، في خطوة سياسية مفاجئة تمهد الطريق نحو انتخابات مبكرة قد تعيد رسم المشهد السياسي في إسرائيل خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 12، فقد حظي مشروع القانون بتأييد واسع داخل الهيئة العامة للكنيست، حيث صوّت 106 نواب لصالحه من أصل 120، دون تسجيل أي أصوات معارضة، في مؤشر يعكس حجم التوافق السياسي على المضي نحو إنهاء الدورة البرلمانية الحالية.
ووفق موقع “والا” العبري، فإن مشروع القانون يتضمن نطاقًا زمنيًا محتملًا لإجراء الانتخابات المبكرة بين 8 سبتمبر و20 أكتوبر المقبلين، ما يضع إسرائيل أمام مرحلة انتقالية سياسية حساسة خلال الأسابيع القادمة.
وتشير المعطيات إلى أن الخلافات داخل الائتلاف الحكومي حول قانون إعفاء الحريديم من التجنيد كانت أحد أبرز الأسباب التي سرعت من الدفع نحو حل الكنيست، بعد فشل تمرير تشريعات حاسمة كانت مطروحة على جدول أعمال الحكومة.
وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن أحزابًا داخل المشهد السياسي الإسرائيلي تختلف حول توقيت الانتخابات، حيث يدفع حزب شاس الحريدي نحو إجراء الاقتراع في 15 سبتمبر، بينما يفضّل حزب الليكود، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تأجيل الموعد إلى أقصى حد ممكن من عمر الولاية، بهدف استكمال بعض الملفات التشريعية العالقة.
وبحسب الإجراءات التشريعية في إسرائيل، فإن حل الكنيست لا يصبح نافذًا إلا بعد إقراره بثلاث قراءات متتالية، ما يعني أن المشروع سيعود مجددًا إلى لجنة الكنيست قبل التصويت عليه نهائيًا، وتحديد موعد الانتخابات بشكل رسمي.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الترقب السياسي داخل إسرائيل، حيث يرى مراقبون أن الدخول في مسار انتخابات مبكرة قد يعيد خلط الأوراق داخل الأحزاب الكبرى، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات السياسية، خاصة في ظل الملفات الداخلية والخلافات المتصاعدة داخل الحكومة الحالية.
ويُتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من الجدل السياسي والتشريعي، مع انتقال إسرائيل فعليًا إلى مرحلة ما قبل الانتخابات، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات داخل الائتلافات الحاكمة، واستمرار تأثير القضايا الداخلية على الاستقرار السياسي.
وحل الكنيست يعني إنهاء الدورة التشريعية الحالية والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو مسار سياسي متكرر في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بسبب الخلافات داخل الائتلافات الحكومية.
وغالبًا ما ترتبط هذه الخطوات بملفات داخلية حساسة مثل التجنيد، والميزانية، وتوازن القوى بين الأحزاب الدينية والعلمانية.