الذكاء الاصطناعي في مصر.. من الكشف المبكر للسرطان إلى التقاضي الرقمي
تاريخ النشر: 30th, December 2025 GMT
يواصل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات توسيع دوره في صياغة مستقبل الاقتصاد الرقمي، مع تصاعد الجهود الحكومية لتوظيف الذكاء الاصطناعي كأداة عملية لمواجهة التحديات المجتمعية وتحسين جودة الخدمات.
وفي هذا السياق، شهد مطلع العام الجاري إطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، في خطوة تعكس انتقال الدولة من مرحلة التجريب إلى مرحلة البناء المنهجي والتطبيق واسع النطاق.
الإصدار الجديد من الاستراتيجية جاء أكثر شمولًا ووضوحًا، حيث يستند إلى ستة محاور رئيسية تمثل الإطار الحاكم لتطوير الذكاء الاصطناعي في مصر خلال السنوات المقبلة.
ويأتي محور الحوكمة في مقدمة هذه المحاور، مستهدفًا وضع قواعد تضمن الاستخدام الأخلاقي والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يوازن بين الابتكار وحماية الحقوق، ويعزز ثقة المجتمع في الحلول الرقمية الجديدة.
أما محور التكنولوجيا، فيركز على تعظيم الأثر المباشر للذكاء الاصطناعي على حياة المواطنين وكفاءة القطاعات المختلفة، من خلال تطوير نماذج وخوارزميات مبتكرة، وعلى رأسها تطبيقات التعلم العميق، التي باتت عنصرًا أساسيًا في مجالات مثل الصحة، والتعليم، والخدمات الحكومية، والصناعة، ويهدف هذا المحور إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مفهوم نظري إلى أدوات عملية قادرة على إحداث تغيير ملموس.
ويحتل محور البيانات مكانة محورية في الاستراتيجية، انطلاقًا من أن البيانات عالية الجودة تمثل الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي، ويركز هذا المحور على ضمان توافر بيانات دقيقة ومتكاملة وممثلة للواقع، مع إتاحة آليات واضحة للوصول إلى البيانات ومشاركتها، بما يدعم تطوير نماذج ذكية أكثر كفاءة وموثوقية.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية، تسعى الاستراتيجية إلى توفير بيئة تقنية داعمة لنشر الذكاء الاصطناعي، من خلال إتاحة قدرات الحوسبة المتقدمة، واتصالات عالية السرعة، ومراكز بيانات حديثة، إلى جانب الخدمات السحابية، ويُنظر إلى هذا المحور باعتباره الأساس الذي يتيح تحويل الأفكار والخوارزميات إلى حلول قابلة للتطبيق على نطاق واسع.
كما تولي الاستراتيجية اهتمامًا خاصًا بمحور النظام البيئي، الذي يستهدف بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي عبر دعم الشركات الناشئة المحلية، وتشجيع الابتكار، وتحفيز استثمارات رأس المال المخاطر داخل السوق المصرية، ويهدف هذا التوجه إلى خلق بيئة جاذبة للمطورين ورواد الأعمال، وربط البحث العلمي باحتياجات السوق.
ويكتمل الإطار بمحور المهارات، الذي يركز على تنمية الكفاءات البشرية باعتبارها العنصر الحاسم في نجاح أي استراتيجية تكنولوجية. ويستهدف هذا المحور رفع كفاءة وتوسيع قاعدة الخبرات المحلية في مجالات الذكاء الاصطناعي، بما يواكب الطلب المتزايد على المتخصصين، ويعزز تنافسية مصر إقليميًا ودوليًا.
على صعيد التطبيق العملي، واصل مركز الابتكار التطبيقي ترجمة هذه التوجهات إلى مشروعات ملموسة، من بينها إطلاق أول نظام في مصر للكشف المبكر عن سرطان الثدي باستخدام الذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع مؤسسة بهية، في تجربة تعكس إمكانات التكنولوجيا في دعم القطاع الصحي وتحسين فرص التشخيص المبكر، كما تم تطوير منظومة لتحويل الصوت إلى نص مكتوب باستخدام الذكاء الاصطناعي، ضمن منظومة التقاضي عن بُعد في الدعاوى الجنائية، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتعزيز كفاءة منظومة العدالة.
وفي إطار تعزيز التخطيط المستند إلى الأدلة، تم إطلاق تقرير تقييم الجاهزية الوطنية للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو في مصر والسودان، وبدعم من الاتحاد الأوروبي.
ويهدف التقرير إلى قياس مدى استعداد مصر لتبني الذكاء الاصطناعي بشكل مستدام ومسؤول، وتقديم توصيات تدعم السياسات والاستراتيجيات الوطنية في هذا المجال الحيوي.
وتتوج هذه الجهود باختيار مصر لاستضافة النسخة الأولى من قمة ومعرض AI Everything الشرق الأوسط وأفريقيا في فبراير المقبل، وهو حدث تقني عالمي يعكس تنامي مكانة مصر كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع أن يشكل الحدث منصة لتبادل الخبرات، وجذب الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الحكومات والشركات والمبتكرين.
بهذه الخطوات المتكاملة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عنوان طموح في السياسات العامة، بل مسارًا واضحًا تسير فيه مصر لربط التكنولوجيا بالتنمية، وبناء اقتصاد رقمي أكثر كفاءة واستدامة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي الاقتصاد الرقمى الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي مصر للذکاء الاصطناعی الذکاء الاصطناعی هذا المحور فی مصر
إقرأ أيضاً:
استشاري: الذكاء الاصطناعي يدخل عصر التنفيذ.. والأنظمة ستنوب عن البشر لإدارة المهام الرقمية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قال المستشار أحمد حامد، استشاري التحول الرقمي، وأمين عام الجمعية المصرية للتنمية الصناعية، إن مؤتمرات التكنولوجيا العالمية الأخيرة كشفت عن تحول مهم في مسار الذكاء الاصطناعي، حيث يتجه التركيز من تطوير أنظمة تقتصر على إنتاج المحتوى والإجابة عن الأسئلة إلى أنظمة أكثر قدرة على التفاعل مع البيئة الرقمية المحيطة بها.
وأوضح "حامد"، في مداخلة هاتفية عبر قناة “النيل للأخبار”، أنه خلال مؤتمر Google I/O 2026، أعلنت Google دخول ما أسمته "Agentic Gemini Era"، مؤكدة توجه Gemini نحو تنفيذ المهام والتعامل مع الخدمات والتطبيقات المختلفة بدلًا من الاكتفاء بتقديم المعلومات، وفي المقابل، ركزت NVIDIA خلال Computex 2026 على استعراض الجيل الجديد من الحواسيب والبنية التحتية المصممة لدعم تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما يُعزز جاهزية القطاع التقني للمرحلة القادمة.
ولفت إلى أنه رغم اختلاف طبيعة الإعلانات بين الشركتين، فإن الرسالة العامة تبدو متقاربة؛ فالاهتمام لم يعد منصبًا فقط على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل على بناء منظومة تقنية متكاملة تتيح الاستفادة العملية من الذكاء الاصطناعي داخل الأنظمة الرقمية المختلفة، موضحًا أنه بالنسبة للأفراد، قد تتيح هذه التقنيات مستوى جديدًا من المساعدة الرقمية، بحيث تصبح بعض الخدمات والمهام اليومية أكثر سهولة من خلال أنظمة قادرة على فهم الاحتياجات وتنفيذ عدد من الإجراءات الرقمية بالنيابة عن المستخدم، مما يُقلل الحاجة إلى التنقل بين التطبيقات والخدمات المختلفة.
إعادة تصميم أساليب العملوأشار إلى أنه على مستوى المؤسسات، فقد تُسهم هذه التطورات في إعادة تصميم أساليب العمل نفسها، من خلال تمكين الأنظمة الذكية من المشاركة في إدارة بعض الإجراءات وسير العمل ومتابعة المهام وتحليل البيانات، بما يُساعد الإدارات على التركيز بصورة أكبر على الجوانب الاستراتيجية واتخاذ القرار، موضحًا أنه في القطاع الصناعي، قد يبرز التأثير بصورة مختلفة، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة العمليات التشغيلية وتحليل بيانات الإنتاج والتنبؤ بالأعطال وتحسين إدارة الموارد وسلاسل الإمداد، بما يدعم توجه المصانع نحو مستويات أعلى من الأتمتة والتشغيل الذكي.
وأكد أنه في المقابل، تفرض هذه التحولات تحديات لا تقل أهمية عن الفرص التي تتيحها، وتشمل حماية البيانات والخصوصية، وضمان أمن الأنظمة الرقمية، وضرورة تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية المناسبة، إلى جانب الحاجة إلى تأهيل الكوادر البشرية لاكتساب المهارات المطلوبة للتعامل مع بيئات العمل المعتمدة بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنه رغم أن المدى الحقيقي لهذه التحولات لم يتضح بالكامل بعد، فإن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يواصل الانتقال من كونه تقنية متخصصة إلى عنصر أساسي في تشكيل مستقبل الخدمات والأعمال والصناعة، أما حجم التأثير الفعلي، فستكشفه طريقة تبني هذه التقنيات وتوظيفها خلال السنوات القادمة.
وشدد على أهمية الاستثمار في تطوير الكوادر البشرية ورفع مستوى الوعي والمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، مؤكدًا أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة، والقدرة على مواكبة هذا التطور واستيعابه والاستفادة منه ستكون عاملًا رئيسيًا في نجاح الأفراد والمؤسسات خلال السنوات المقبلة.