قيمة الوقت في حياة الإنسان.. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 2 يناير 2026
تاريخ النشر: 30th, December 2025 GMT
كشفت وزارة الأوقاف عن موضوع خطبة الجمعة المقبلة 2 يناير 2026، الموافق 13 رجب 1447هـ، وهي بعنوان «قيمةُ الوقتِ فِي حياةِ الإِنسانِ».
نص موضوع خطبة الجمعةالحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ.
في هذهِ الأيّامِ ودّعنا عامًا من أعوامِ عمرِنا، واستقبلنا عامًا جديدًا آخرَ، لذلكَ نقفُ مع حضراتِكم اليومَ مع قيمةِ الوقتِ في حياةِ الإنسانِ، فقد عنيَ القرآنُ والسنةُ بالوقتِ من نواحٍ شتّى وبصورٍ عديدةٍ، فقد أقسمَ اللهُ بهِ في مطالعِ سورٍ عديدةٍ بأجزاءٍ منهُ مثلَ: الليلِ، والنهارِ، والفجرِ، والضحى، والعصرِ، وغيرِ ذلكَ. ومعروفٌ أنّ اللهَ إذا أقسمَ بشيءٍ من خلقِهِ دلَّ ذلكَ على أهميتِهِ وعظمتِهِ، وليلفتَ الأنظارَ إليهِ وينبّهَ على جليلِ منفعتِهِ.
وكذلكَ جاءتِ السنةُ لتؤكّدَ على أهميةِ الوقتِ وقيمةِ الزمنِ، وتقرّرَ أنّ الإنسانَ مسؤولٌ عنهُ يومَ القيامةِ، فعن معاذِ بنِ جبلٍ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: “لن تزولَ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خصالٍ: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ؟ وعن شبابِهِ فيمَ أبلاهُ؟ وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ؟ وعن علمِهِ ماذا عملَ فيهِ». [البيهقيُّ والترمذيُّ بسندٍ حسنٍ]. وأخبرَ النبيُّ ﷺ أنّ الوقتَ نعمةٌ من نعمِ اللهِ على خلقِهِ، ولا بدَّ للعبدِ من شكرِ النعمةِ وإلّا سُلبتْ وذهبتْ، وشكرُها يكونُ باستعمالِها في الطاعاتِ، واستثمارِها في الباقياتِ الصالحاتِ، فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ». [البخاري]. فالآياتُ والأحاديثُ تشيرُ إلى أهميةِ الوقتِ في حياةِ المسلمِ، لذا لا بدَّ من الحفاظِ عليهِ وعدمِ تضييعِهِ في أعمالٍ قد تجلبُ لنا الشرَّ وتبعدُنا عن طريقِ الخيرِ.
إنّ الإنسانَ إذا عرفَ قيمةَ شيءٍ ما وأهميتَهُ حرصَ عليهِ وعزَّ عليهِ ضياعُهُ وفواتُهُ، وهذا شيءٌ بديهيٌّ، فالمسلمُ إذا أدركَ قيمةَ وقتِهِ وأهميتَهُ كان أكثرَ حرصًا على حفظِهِ واغتنامِهِ فيما يقرّبُهُ من ربِّهِ. يقولُ ابنُ الجوزيِّ رحمهُ اللهُ تعالى: “ينبغي للإنسانِ أن يعرفَ شرفَ زمانِهِ وقدرَ وقتِهِ، فلا يضيّعُ منهُ لحظةً في غيرِ قربةٍ، ويقدّمُ فيهِ الأفضلَ فالأفضلَ من القولِ والعملِ، ولتكنْ نيتُهُ في الخيرِ قائمةً من غيرِ فتورٍ بما لا يعجزُ عنهُ البدنُ من العملِ”.
ويقولُ الحسنُ البصريُّ: “يا ابنَ آدمَ، إنّما أنتَ أيّامٌ، إذا ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُكَ”. وقالَ: «يا ابنَ آدمَ، نهارُكَ ضيفُكَ فأحسنْ إليهِ، فإنّك إن أحسنتَ إليهِ ارتحلَ بحمدِكَ، وإن أسأتَ إليهِ ارتحلَ بذمِّكَ، وكذلكَ ليلتُكَ”. وقالَ: «الدنيا ثلاثةُ أيّامٍ: أمّا الأمسُ فقد ذهبَ بما فيهِ، وأمّا غدًا فلعلّكَ لا تدركُهُ، وأمّا اليومُ فلكَ فاعملْ فيهِ”. لذلكَ كانوا لا يندمونَ إلّا على فواتِ الوقتِ الذي لم يرفعْهم درجةً، قالَ ابنُ مسعودٍ: “ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربتْ شمسُهُ، نقصَ فيهِ أجلي، ولم يزددْ فيهِ عملي”.
وقالَ أحدُ السلفِ: “إذا أتى عليَّ يومٌ لم أزددْ فيهِ علمًا ولم أزددْ فيهِ هدىً فلا بوركَ لي في طلوعِ شمسِ ذلكَ اليومِ”، ويقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ: “من أمضى يومَهُ في غيرِ حقٍّ قضاهُ، أو فرضٍ أدّاهُ، أو مجدٍ أثّلهُ، أو حمدٍ حصّلهُ، أو خيرٍ أسّسهُ، أو علمٍ اقتبسهُ، فقد عقَّ يومَهُ وظلمَ نفسَهُ”.
لذلك حرصَ السلفُ الصالحُ على وقتِهِم بمَا يعجزُ عنهُ الوصفُ والتعبيرُ، وقد وصفَهُم الحسنُ البصريُّ رحمَهُ اللهُ بقولِهِ: أدركتُ أقوامًا كانُوا علَى أوقاتِهِم أشدَّ منكُم حرصًا علَى دراهمِكُم ودنانيرِكُم.
وعن عامرِ بنِ قيسٍ مِن التابعينَ أنّ رجلًا قالَ لهُ: تعالَ أُكلمُكَ، قال: أمسكْ الشمسَ، يعنِي أوقفْهَا لِي واحبسْهَا عن المسيرِ لأكلمَكَ، فإنّ الزمنَ سريعُ المضِيِّ لا يعودُ بعدَ مرورِهِ، فخسارتُهُ لا يمكنُ تعويضُهَا واستدراكُهَا.
وقِيلَ لسفيانَ الثوريِ: اجلسْ معنَا نتحدثُ. قال: كيفَ نتحدثُ والنهارُ يعملُ عملَهُ، ما طلعتْ الشمسُ إلَّا كانتْ شاهدةً على العبادِ فيمَا فعلُوا؟!!
ويقولُ ابنُ عقيلٍ رحمَهُ اللهُ: إنّي لا يحلُّ لي أنْ أضيعَ ساعةً مِن عمرِي، حتى إذَا تعطَّلَ لسانِي عن مذاكرةٍ ومناظرةٍ، وبصرِي عن مطالعةٍ، أعملتُ فكرِي في حالةِ راحتِي وأنَا مستطرحٌ، فلا أنهضُ إلّا وقد خطرَ لِي ما أسطرُهُ. (ذيل طبقات الحنابلة). فانظرْ كيفَ يستغلُ وقتَ راحتِهِ في إعمالِ فكرِهِ فيسطرهُ بعدَ قضاءِ حوائِجِهِ الشخصيةِ؟!
حتى إنّ ساعاتِ الأكلِ لقوامِ حياتِهِم ومعاشِهِم كانتْ ثقيلةً عليهِم، فقد سألُوا الخليلَ بنَ أحمدَ الفراهيدِي - رحمَهُ اللهُ -: ما هي أثقلُ الساعاتِ عليكَ؟ قال: ساعةٌ آكلُ فيها. وكَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَشْرَبُ الْفَتِيتَ وَلَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَيْنَ مَضْغِ الْخُبْزِ وَشُرْبِ الْفَتِيتِ قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً «المجالسة وجواهر العلم».
ويقولُ عبدُ الرحمنِ ابنُ الإمامِ أبي حاتمٍ الرازيِ ” رُبَّمَا كانَ أبي يأكلُ وأقرأُ عليهِ، ويمشِي وأقرأُ عليهِ، ويدخلُ الخلاءَ وأقرأُ عليهِ، ويدخلُ البيتَ في طلبِ شيءٍ وأقرأُ عليهِ “. فكانتْ ثمرةُ هذا المجهودِ وهذا الحرصِ على استغلالِ الوقتِ كتابَ الجرحِ والتعديلِ في تسعةِ مجلداتٍ، وكتابَ التفسيرِ في مجلداتٍ عدةٍ وكتابَ السندِ في ألفِ جزءٍ. لهذا فتحَ اللهُ لهم قلوباً غلفًا وأعينًا عميًا وآذانًا صمًا!!! فإذا كنتَ تريدُ اللحاقَ بهم فاعملْ عملَهُم، فاللهُ يسَّرَ لكَ سُبلَ العلمِ والتقنياتِ الحديثةَ ما لم يصلْ إليهِ أحدُهُم، فماذَا أنتَ فاعلٌ؟!!
لذلكَ يقولُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ:” إنّ الليلَ والنهارَ يعملانِ فيكَ فاعملْ فيهمَا ”.
فكمْ نضيعُ مِن أوقاتِنَا بلَا فائدةٍ في دينِنَا أو دُنيانَا، ومِن أقوالِ الفاروقِ رضيَ اللهُ عنهُ: إنّي لأكرَهُ أنْ أرَى أحدَكُم سبهلَلًا لا في عملِ دنيَا ولا في عملِ آخرةٍ. وقال الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ:” صحبتُ الصوفيةَ فانتفعتُ بقولهم: الوقتُ سيفٌ، فإنْ قطعتَهُ وإلّا قطعَكَ، ونفسُكَ إنْ لم تشغلْهَا بالحقِّ شغلتْكَ بالباطلِ”.، لذلكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه: إنّي لأمقتُ الرجلَ أنْ أراهُ فارغًا ليسَ في شيءٍ مِن عملِ الدنيا ولا عملِ الآخرةِ”.
وقد شكَى وبكَى الصالحونَ والطالحونَ ضيقَ العمرِ، وبكى الأخيارُ والفجارُ انصرامَ الأوقاتِ، فأمّا الأخيارُ فبكُوا وندمُوا على أنَّهُم ما تزوَّدُوا أكثرَ، وأمَّا الفجارُ فتأسفُوا على ما فعلُوا في الأيامِ الخاليةِ.
قال أهلُ السيرِ: حضرتْ الوفاةُ نوحًا عليهِ السلامُ، فقِيلَ لهُ يا نوحُ كيفَ وجدتَ الحياةَ؟ قال والذي نفسِي بيدِهِ ما وجدتُ الحياةَ إلَّا كبيتٍ لهُ بابانِ دخلتُ مِن هذَا وخرجتُ مِن الآخرِ.
فيا ابنَ الستينَ والسبعينَ أنتَ ما عشتَ ألفَ سنةٍ، فكيفَ تصفُ الستينَ والسبعينَ في معاصِي اللهِ، وفي انتهاكِ حدودِ اللهِ، وفي التجريءِ على حُرماتِ اللهِ تعالى؟!
هناكَ عدةُ أسبابٍ تُعينُ على حسنِ إدارةِ الوقتِ واغتنامِهِ والاستفادةِ منهُ، ومِن ذلكَ:
محاسبةُ النفسِ وتربيتُهَا على عُلوِّ الهمةِ: فحاسبْ نفسَكَ أخي المسلم، واسألْهَا ماذَا عملتْ في يومِهَا الذي انقضَى؟ وأينَ أنفقتَ وقتَكَ؟ وفي أيِّ شيءٍ أمضيتَ ساعاتِ يومِكَ؟ هل ازددتَ فيهِ مِن الحسناتِ أم ازددتَ فيهِ مِن السيئاتِ؟! مع إدراكِ أنّ ما مضَى مِن الوقتِ لا يعودُ ولا يُعوَّضُ، فكلُّ يومٍ يمضِي، وكلُّ ساعةٍ تنقضِي، وكلُّ لحظةٍ تمرُّ، ليس في الإمكانِ استعادَتهَا، وبالتالي لا يمكنُ تعويضُهَا. وهذَا معنَى ما قالَهُ الحسنُ: “ما مِن يومٍ يمرُّ على ابنِ آدمَ إلَّا وهُوَ يقولُ: يا ابنِ آدمَ، أنا يومٌ جديدٌ، وعلى عملِكَ شهيدٌ، وإذَا ذهبتُ عنكَ لم أرجعْ إليكَ، فقدِّمْ ما شئتَ تجدهُ بينَ يديكَ، وأخِّرْ ما شئتَ فلن يعودَ إليكَ أبدًا”. كمَا يجبُ عليكَ أنْ تربيَ نفسَكَ على عُلُوِّ الهمةِ، فمَن ربَّى نفسَهُ على معالِي الأمورِ والتباعدِ عن سفسافِهَا، كان أحرصَ على اغتنامِ وقتِهِ، ومَن علتْ همتُهُ لم يقنعْ بالدونِ، وعلى قدرِ أهل ِالعزمِ تأتِي العزائمُ:
ومنها: معرفةُ حالِ السلفِ مع الوقتِ: فإنَّ معرفةَ أحوالِهِم وقراءةَ سيرِهِم لهو أكبرُ عونٍ للمسلمِ على حسنِ استغلالِ وقتِهِ، فهم خيرُ مَن أدركَ قيمةَ الوقتِ وأهميةَ العمرِ، وهم أروعُ الأمثلةِ في اغتنامِ دقائقِ العمرِ واستغلالِ أنفاسِهِ في طاعة اللهِ، وقد سبقتْ صورٌ مشرقةٌ لذلكَ.
ومنها: تنويعُ ما يُستغلُّ بهِ الوقتُ: فإنَّ النفسَ بطبيعتِهَا سريعةُ المللِ، وتنفرُ مِن الشيءِ المكررِ، وتنويعُ الأعمالِ يساعدُ النفسَ على استغلالِ أكبرَ قدرٍ ممكنٍ مِن الوقتِ.
ومنها: تذكُّرُ الموتِ والقيامةِ: فحينَ يستدبرُ الإنسانُ الدنيا، ويستقبلُ الآخرةَ، ويتمَنَّى لو مُنحَ مهلةً مِن الزمنِ، ليصلحَ ما أفسدَ، ويتداركَ ما فاتَ، ولكن هيهاتَ هيهاتَ، فقد انتهَى زمنُ العملِ وحانَ زمنُ الحسابِ والجزاءِ. فعندمَا يتذكَّرُ الإنسانُ هذا يجعلهُ حريصًا على اغتنامِ وقتِهِ في مرضاةِ اللهِ تعالى، وحين يقفُ الإنسانُ أمامَ ربِّهِ في ذلكَ اليومِ العصيبِ فيسألُهُ عن وقتِهِ وعمرِهِ، كيف قضَاهُ؟ وأين أنفقَهُ؟ وفيم استغلَّهُ؟ وبأيِّ شيءٍ ملأَهُ؟ فتذكرُ هذا يعينُ المسلمَ على حفظِ وقتِهِ، واغتنامِهِ في مرضاةِ اللهِ.
فهيَّا إلى اغتنامِ الأوقاتِ والعودةِ إلى ربِّ الأرضِ والسماواتِ، وإيَّاكُم والتسويفَ فإنَّ التسويفَ آفةٌ تدمرُ الوقتَ وتقتلُ العمرَ، قال الحسنُ: ” إيَّاكَ والتسويفَ، فإنّكَ بيومِكَ ولستَ بغدِكَ، فإنْ يكنْ غدٌ لكَ فكنْ في غدٍ كمًا كنتَ في اليومِ، وإنْ لم يكنْ لكَ غدٌ لم تندمْ على ما فرطتَ في اليوم”. وللأسفِ فقد أصبحتْ كلمةُ “سوف” شعارًا لكثيرٍ من المسلمينَ وطابعًا لهم، فإيَّاكَ أخي المسلمَ مِن التسويفِ فإنَّكَ لا تضمنُ أنْ تعيشَ إلى الغدِ، كمَا أنَّ التسويفَ في فعلِ الطاعاتِ يجعلُ النفسَ تعتادُ تركَهَا.
فعلينَا أنْ نغتنمَ أوقاتِنَا قبلَ فواتِ الأوانِ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ” اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ”. «الحاكم وصححه»، وسُئِلَ الرسولُ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ».( الترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ ).
وكم مِن أناسٍ كانت أعمارُهُم قليلةً ولكنّهُم ملأوا الدنيا بعلمِهِم وفقهِهِم، وفي ذلكَ يقولُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندرِي رحمَهُ اللهُ في حِكَمِهِ: ” رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعتْ آمادُهُ، وقلَّتْ أمدادُهُ، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آمادُهُ، كثيرةٌ أمدادُهُ، ومَنْ بوركَ لهُ في عُمرِهِ أدركَ في يسيرٍ مِنَ الزمنِ مِنَ المِنَنِ ما لا يدخلُ تحتَ دائرةِ العبارةِ، ولا تلحقُهُ وَمْضَةُ الإشارةِ.”
فانظرْ كم تضيعُ مِن أوقاتِكَ في مواقعِ التواصلِ الاجتماعِي بلا فائدةٍ!! بل قد تضرُّ الآخرينَ بمنشوراتِكَ وكتاباتِكَ، فاحرصْ على أنْ تكونَ عضوًا نافعًا في كلِّ ما تكتبُ وتسطرُ، ليكونَ شاهدًا لكَ لا عليكَ يومَ القيامةِ.
في هذهِ الأيّامِ يؤدّي الطلّابُ والطالباتُ اختبارَ الفصلِ الدراسيِّ الأوّلِ، وبهذهِ المناسبةِ نتكلّمُ عن أهمِّ الظواهرِ الاجتماعيّةِ والمفاهيمِ المغلوطةِ وهيَ: (ظاهرةُ الغشِّ في الامتحاناتِ)، حيثُ يسوِّلُ للطلّابِ والطالباتِ صعوبةُ الاختباراتِ، وأنَّ الذي أقلُّ منهُ تعليمًا سيتفوّقُ عليهِ لأنَّهُ ماهرٌ في الغشِّ، فلا بدَّ أنْ يغشَّ هوَ كذلكَ، وهذا فهمٌ خاطئٌ مغلوطٌ، لأنَّ الغايةَ لا تبرّرُ الوسيلةَ، وما كانَ أصلُهُ حرامًا، لا يجوزُ حلُّهُ بأيِّ حالٍ.
إنَّ ظاهرةَ الغشِّ في التعليمِ لها أثرُها السيّئُ على تقدّمِ الأممِ، فالغشُّ بلاءٌ ابتُلِيَ بهِ طلّابُ العلمِ صغارًا وكبارًا، فهوَ ليسَ على مستوى المراحلِ الابتدائيّةِ فحسبُ، بل تجاوزَها إلى الثانويّةِ والجامعةِ والدراساتِ العُليا، فكمْ من طالبٍ قدَّمَ بحثًا ليسَ لهُ فيهِ إلّا أنَّ اسمَهُ على غلافِهِ!! وكمْ من طالبٍ قدَّمَ مشروعًا ولا يعرفُ عمّا فيهِ شيئًا!! وكمْ من طالبٍ حصلَ على مجموعٍ عالٍ في الشهادةِ الثانويّةِ عن طريقِ الغشِّ وهوَ لا يُحسنُ القراءةَ والكتابةَ!!
هذهِ الظاهرةُ التي أنتجَها الفصامُ النكدُ الذي يعيشُهُ كثيرٌ منّا في مجالاتٍ شتّى، نعمْ لمّا عاشَ كثيرٌ من طلّابِنا فصامًا نكدًا بينَ العلمِ والعملِ، ترى كثيرًا منهم يحاولُ أنْ يغشَّ في الامتحاناتِ، وهوَ قد قرأَ حديثَ الرسولِ ﷺ الذي تبرّأَ فيهِ من الغشّاشِ قائلًا: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (مسلمٍ)، بل ربّما يقرأُهُ على ورقةِ الأسئلةِ، ولكنَّ ذلكَ لا يحرّكُ فيهِ ساكنًا، لأنَّهُ قد استقرَّ في ذهنِهِ أنَّهُ لا علاقةَ بينَ العلمِ الذي يتعلّمُهُ وبينَ العملِ الذي يجبُ أنْ يأتيَ بهِ بعدَ هذا العلمِ، لذلكَ حرَّمَ الإسلامُ كلَّ صورِ الغشِّ، وتبرّأَ الرسولُ ﷺ من كلِّ الغشّاشينَ.
إنَّ الغشَّ لهُ أثرُهُ السيّئُ على المجتمعِ، فهوَ سببٌ لتأخّرِ الأمّةِ، وعدمِ تقدّمِها ورقيِّها، وذلكَ لأنَّ الأممَ لا تتقدّمُ إلّا بالعلمِ وبالشبابِ المتعلّمِ، فإذا كانَ شبابُها لا يحصلُ على الشهاداتِ العلميّةِ إلّا بالغشِّ، فقلْ لي بربِّكَ: ماذا سوفَ ينتجُ لنا هؤلاءِ الطلبةُ الغشّاشونَ؟! ما هوَ الهمُّ الذي يحملُهُ الواحدُ منهم؟! ما هوَ الدورُ الذي سيقومُ بهِ في بناءِ الأمّةِ؟! لا شيء، بل غايةُ همِّهِ وظيفةٌ بتلكَ الشهادةِ المزوّرةِ، لا همَّ لهُ في تقديمِ شيءٍ ينفعُ الأمّةَ، أو حتّى يفكّرَ في ذلكَ.
إنَّ هذا الغاشَّ غدًا سيتولّى منصبًا، أو يكونُ معلّمًا وبالتالي سوفَ يمارسُ غشَّهُ للأمّةِ، بل ربّما علَّمَ طلّابَهُ الغشَّ، بل إنَّ الوظيفةَ التي يحصلُ عليها بهذهِ الشهادةِ المزوّرةِ، أو التي حصلَ عليها بالغشِّ سوفَ يكونُ راتبُها حرامًا، لأنَّهُ بُنِيَ على حرامٍ، وأيُّما جسدٍ نبتَ من حرامٍ فالنارُ أولى بهِ.
إنَّ الذي يغشُّ قد ارتكبَ عدّةَ مخالفاتٍ - إضافةً إلى جريمةِ الغشِّ - منها السرقةُ، والخداعُ، والكذبُ، وأعظمُها الاستهانةُ باللهِ، وتركُ الإخلاصِ، وتركُ التوكّلِ على اللهِ… إلخ.
فعلينا جميعًا أنْ نتعاونَ في مقاومةِ هذه الظاهرةِ، كلٌّ بحسبِ استطاعتِهِ وجهدِهِ، فالأبُّ في بيتِهِ، والمعلمُ والمرشدُ في المدرسةِ والجامعةِ كلٌّ يقومُ بالوعظِ والإرشادِ، وكذلك الداعيةٌ في خطبِهِ ودروسِهِ، والإعلامُ بوسائلِهِ المختلفةِ.
نسألُ اللهَ أنْ يباركَ في أعمارِنَا وأوقاتِنَا وأولادنا، وأن يحفظ َ مصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
اقرأ أيضاً«الأوقاف» تشارك في الاجتماع التنسيقي حول قضية الوعي المجتمعي بكلية الدفاع الوطني
نًص موضوع خطبة الجمعة.. «مظاهرُ عنايةِ الإسلامِ بالطفولة»
«مظاهرُ عنايةِ الإسلامِ بالطفولة».. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 6 رجب 1447 - 26 ديسمبر 2026
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الأوقاف خطبة الجمعة موضوع خطبة الجمعة نص موضوع خطبة الجمعة موضوع خطبة الجمعة ی حیاة
إقرأ أيضاً:
خلال 5 شهور فقط.. نصف تريليون درهم قيمة التصرفات العقارية بالإمارات
أظهرت التقديرات الأولية تجاوز قيمة التصرفات العقارية في دولة الإمارات حاجز 500 مليار درهم خلال الأشهر الـ 5 الأولى من العام 2026، بنمو نسبته 25% مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2025.
وجاء هذا الأداء الاستثنائي مدفوعاً بزخم قوي في إمارة دبي، التي قفز إجمالي تصرفاتها العقارية ليتجاوز 371.85 مليار درهم منذ يناير(كانون الثاني) وحتى نهاية مايو (أيار) 2026، منها مبيعات صافية بقيمة 253.59 مليار درهم، في حين واصلت العاصمة أبوظبي نموها التصاعدي بتخطّي تصرفاتها حاجز الـ 100 مليار درهم.
وتكشف هذه البيانات عن عمق تشغيلي استثنائي، حيث تحول القطاع العقاري من مجرد ملاذ آمن للاستثمارات إلى محرك استراتيجي رئيسي للنمو الاقتصادي المستدام، ما يعكس حالة من الثقة المطلقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين.
كما يعكس النشاط في القطاع العقاري جاذبية البيئة التنظيمية والتشريعية في الإمارات، والتي غدت نموذجاً عالمياً ملهماً للتحوط وجذب رؤوس الأموال السيادية والخاصة، في ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.
وتأتي الطفرة المسجلة في قيمة التصرفات العقارية مدفوعةً بحزمة متكاملة من التصرفات العقارية القانونية التي تنظمها بدقة دوائر الأراضي والأملاك المحلية في مختلف إمارات الدولة لضمان استقرار السوق وحفظ حقوق جميع الأطراف.
ولا تقتصر هذه التصرفات على عمليات نقل الملكية التقليدية، بل تمتد لتشمل مصفوفة قانونية ومالية مرنة تضمن تدفق السيولة وحماية الحقوق؛ وتتمثل في الأساس في عمليات البيع والشراء الواسعة التي تستهدف العقارات الجاهزة أو تلك التي تُباع بنظام "على الخريطة" (تحت الإنشاء)، بالإضافة إلى إجراءات الرهن العقاري التي توفر غطاءً تمويلياً ضخماً للمشاريع.
كما تشمل عمليات نقل الملكية غير المشروطة ببدل مالي عبر آليات "الهبة للأقارب"، فضلاً عن حقوق "المساطحة" الاستراتيجية التي تتيح للمستثمرين البناء والاستثمار على أراضٍ مملوكة للغير، وتصرفات التخارج للتنازل عن الحصص المشاعة، وتوثيق الوصية والوقف، وعمليات القسمة القضائية لفرز وتجزئة العقارات المشتركة بين الملاك، مما يعطي السوق مرونة قانونية نادرة تفتقر إليها الكثير من الأسواق العقارية العالمية.
وتفصيلاً، أظهر تحليل البيانات، أن إمارة دبي لازالت تقود قاطرة النمو الاستثنائي؛ حيث سجلت سوق دبي العقارية أداءً لافتاً منذ مطلع العام الجاري 2026.
ويعكس هذا الأداء القوي والمستدام رسوخ الثقة في الرؤية الاقتصادية للإمارة وتنوع المعروض الاستثماري والمشروعات العقارية العملاقة المطروحة.
ووفقاً للبيانات، نجحت دبي في تسجيل مبيعات عقارية صافية بقيمة 253.59 مليار درهم في خمسة أشهر فقط، في حين قفز إجمالي التصرفات العقارية الشاملة ليتجاوز حاجز 371.85 مليار درهم، مما يثبت أن السوق تمتلك عمقاً تشغيلياً قادراً على امتصاص المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتوليد عوائد مجزية للمستثمرين، مدعومةً بتنوع الفرص الاستثمارية والمشروعات العقارية الفاخرة والمتوسطة المطروحة في الإمارة.
ولم تكن العاصمة أبوظبي بمعزل عن هذا المشهد التنموي المتصاعد؛ إذ تواصل النمو في التعاملات العقارية داخل الإمارة بوتيرة متزنة ومدروسة تعتمد على البنية التحتية المتطورة والمشاريع النوعية المستدامة في الجزر والمناطق الاستثمارية.
ووفقاً للمؤشرات الرسمية الأخيرة، فقد تخطت قيمة التصرفات العقارية المسجلة في أبوظبي حاجز الـ 100 مليار درهم، مما يشير إلى تكامل الأدوار الاقتصادية بين أقطاب المال والأعمال في الدولة، ويرسم لوحة متناغمة لنمو مستدام لا ينحصر في بقعة جغرافية واحدة، بل يمتد ليشكل نسيجاً اقتصادياً متكاملاً يعزز من تنافسية الدولة ككل على الخارطة الاستثمارية العالمية.
ويرى الخبراء، أن تجاوز قيمة التصرفات العقارية حاجز نصف تريليون درهم في أقل من نصف عام ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي للمنظومة التشريعية المحدثة وسياسات الإقامة طويلة الأمد (التأشيرات الذهبية) التي منحت الاستقرار النفسي والمالي للمستثمر الأجنبي وعائلته.
ويؤكد الخبراء، أن التنوع الكبير في التصرفات العقارية، مثل الهبات والمساطحة والتخارج، يسهم في إعادة تدوير الأصول وتنشيطها قانونياً واستثمارياً، مما يمنح السوق مرونة عالية ويحميها من أي فقاعات سعرية محتملة، حيث تتحرك الرساميل بناءً على طلب حقيقي مدعوم بخطط تنمية شاملة مثل خطة دبي الحضرية 2040، ومشاريع أبوظبي المستدامة، والتي تهدف إلى مضاعفة المساحات الحضرية، وتطوير جودة الحياة لتواكب التدفق البشري المستمر نحو الدولة.
ويضيف الخبراء ، أن التوازن الذي يشهده السوق بين العقارات الجاهزة وتلك التي على الخريطة يمثل صمام أمان حقيقي للمرحلة المقبلة؛ فالإقبال الكبير على الشراء "على الخريطة" يعكس ثقة المستثمر العميقة في المطور العقاري وفي الأنظمة الصارمة لحسابات الضمان التي تحمي أموال المشترين وتضمن تنفيذ المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة.
وفي المقابل، فإن الطلب المتنامي على العقارات الجاهزة يعكس تنامي الهجرة العكسية لرجال الأعمال والشركات متعددة الجنسيات والعائلات التي اختارت دولة الإمارات مقراً دائماً للعيش والاستقرار والعمل، مدفوعةً بمستويات الأمن والأمان الفائقة والبيئة التنافسية المحفزة للابتكار والنمو الشخصي والمؤسسي.
ومن جانب آخر، يشير الخبراء إلى أن قطاع الرهن العقاري، الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من هذه التصرفات العقارية، شهد نشاطاً ملحوظاً يعكس مرونة القطاع المصرفي الإماراتي وقدرته على توفير التسهيلات الائتمانية اللازمة بأسعار فائدة تنافسية، مما شجع شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين على التحول من خيار الاستئجار إلى خيار التملك الحر، وهو توجه استراتيجي يسهم في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي والمالي داخل المجتمع، ويزيد من وتيرة دوران رأس المال داخل الاقتصاد المحلي.
علاوة على ذلك، تلعب التصرفات غير البيعية مثل "المساطحة" و"التخارج" دوراً حيوياً في تحسين كفاءة استخدام الأراضي وتطوير المشروعات التجارية والصناعية الكبرى، حيث تتيح اتفاقيات المساطحة للشركات الاستثمارية الكبرى بناء وتطوير مشاريع استراتيجية على أراضٍ حكومية أو خاصة لفترات زمنية طويلة تصل إلى خمسين عاماً، مما يقلل من التكاليف الرأسمالية الأولية للمستثمرين ويسرع من العائد على الاستثمار، في حين يسهم "التخارج" و"القسمة" في حل النزاعات العقارية وتصفية التركات بطرق قانونية مرنة تضمن استمرارية الأصول العقارية وإنتاجيتها دون تجميدها في ردهات المحاكم، مما يعكس نضجاً قانونياً يدعم استدامة الثروات العقارية عبر الأجيال.
ويتضح من خلال المعطيات السابقة أن المؤشرات المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تؤسس لمرحلة جديدة وغير مسبوقة من النضج والاستقرار العقاري، حيث أثبتت السوق قدرتها على التطور الذاتي والنمو المطرد بعيداً عن الطفرات العشوائية.
وترجح القراءات التحليلية أن يواصل القطاع أداءه التصاعدي القوي خلال النصف الثاني من العام الجاري، مستفيداً من التدفقات المستمرة للمستثمرين الجدد من مختلف قارات العالم، لتظل دولة الإمارات العربية المتحدة الوجهة الاستثمارية العقارية الأكثر أماناً وجاذبية وتطوراً على خارطة العقار العالمية، ومحوراً رئيسياً للاستثمار الذكي الذي يجمع بين العوائد المالية المرتفعة والبيئة الاستثمارية والحياتية المثالية.