الذكاء الاصطناعي في قلب تشغيل قطاع الطاقة بالصين
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
في مسعاها لإعادة تشكيل منظومة الطاقة وتقليص الانبعاثات، لم تعد الصين تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة تخطيط بعيدة المدى، بل كعنصر تشغيلي حاضر في تفاصيل الإنتاج والنقل والاستهلاك اليومي للكهرباء.
في مدينة تشيفنغ شمالي البلاد، يبرز مصنع يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة كنموذج عملي لهذا التحول. يعتمد المصنع على كهرباء مولدة من مزارع رياح وطاقة شمسية مجاورة لإنتاج الهيدروجين والأمونيا، ضمن نظام مغلق غير متصل بالشبكة العامة.
لمعالجة هذا التحدي، طورت شركة «إنفيجن» المالكة للمشروع نظام تحكم ذكي قائم على الذكاء الاصطناعي، يضبط الإنتاج لحظيًا وفق تغيرات الرياح وأشعة الشمس. وبدل الالتزام بجداول تشغيل ثابتة، يقوم النظام بزيادة الإنتاج تلقائيًا عند وفرة الطاقة، وخفض الاستهلاك فور تراجعها، بما يحافظ على استقرار التشغيل وكفاءة الأداء. ووفق وكالة «رويترز»، شبّه تشانغ جيان، كبير مهندسي طاقة الهيدروجين في الشركة، هذا النظام بقائد أوركسترا ينسق العرض والطلب في الزمن الحقيقي.
وتندرج هذه المشاريع ضمن رهان صيني أوسع على الهيدروجين والأمونيا كوقودين منخفضي الانبعاثات، خصوصًا في قطاعات يصعب خفض بصمتها الكربونية مثل صناعة الصلب والشحن البحري. كما تعكس توجهًا استراتيجيًا أعمق: استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة التعقيد المتزايد الناتج عن التوسع السريع في الطاقة المتجددة.
ويرى باحثون أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل ركيزة مهمة لتحقيق أهداف الصين المناخية. وتوضح تشنغ ساينا، الأستاذة المشاركة في جامعة جنوب شرق الصين، أن تطبيقاته تمتد من تتبع الانبعاثات إلى التنبؤ الدقيق بالعرض والطلب على الكهرباء. لكنها تحذر في المقابل من أن الذكاء الاصطناعي نفسه بات محركًا لنمو استهلاك الطاقة، لا سيما عبر مراكز البيانات كثيفة الطلب.
طالع أيضا.. الذكاء الاصطناعي يتقن التصميم الهندسي كما يفعل البشر
ورغم أن الصين تتصدر عالميًا في إضافة قدرات الرياح والطاقة الشمسية، فإن دمج هذه الكميات بكفاءة في الشبكة لا يزال تحديًا تقنيًا. وبحسب كوري كومبس من شركة «تريفيوم تشاينا»، ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة أساسية لجعل الشبكة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة.
وقد تُوّج هذا التوجه بإطلاق استراتيجية «الذكاء الاصطناعي + الطاقة» في سبتمبر الماضي، والتي تنص على تعميق التكامل بين القطاعين وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة لتشغيل الشبكات، وتوليد الكهرباء، والاستخدام الصناعي. وتهدف الخطة إلى تنفيذ عشرات المشاريع التجريبية بحلول 2027، واختبار أكثر من 100 حالة استخدام، تمهيدًا للوصول خلال سنوات لاحقة إلى مستوى عالمي متقدم في دمج الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة.
قد يهمك أيضا.. عقل رقمي وقلب كهربائي.. صناعة السيارات تتغير إلى الأبد
أخبار ذات صلةويركز النهج الصيني، وفق كومبس، على أدوات دقيقة ومحددة المهام، مثل إدارة مزارع الرياح أو موازنة الشبكة، على عكس الولايات المتحدة التي تركز استثماراتها على نماذج ذكاء اصطناعي عامة، بحسب هو قوانغتشو من كلية الصين–أوروبا لإدارة الأعمال.
ويعد التنبؤ بالطلب أحد أبرز المجالات المرشحة لتحقيق مكاسب سريعة. إذ يوضح فانغ لوروي، الأستاذ المساعد في جامعة شيآن جياوتونغ–ليفربول، أن التوازن اللحظي بين العرض والطلب ضروري لتفادي انقطاعات الكهرباء. وتساعد التوقعات الدقيقة على تخزين الطاقة في الوقت المناسب وتقليل الاعتماد على محطات الفحم الاحتياطية.
محتوى مشابه.. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دفع التحوّل نحو الطاقة النظيفة؟
وفي هذا السياق، أطلقت شنغهاي محطة طاقة افتراضية تربط عشرات الجهات، من مراكز بيانات إلى شواحن مركبات كهربائية، ضمن شبكة واحدة منسقة. وخلال تجربة أجريت في أغسطس الماضي، نجحت المنظومة في خفض ذروة الطلب بأكثر من 160 ميغاواط، أي ما يعادل إنتاج محطة فحم صغيرة.
ولا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على الشبكة الكهربائية، بل يمتد إلى سوق الكربون الوطنية التي تضم أكثر من 3,000 شركة في قطاعات مسؤولة عن أكثر من 60% من انبعاثات الصين. ويشير تشن تشيبين من مركز «أديلفي» إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن دقة بيانات الانبعاثات، ويعيد ضبط توزيع الحصص، ويمنح الشركات رؤية أوضح لتكاليفها الفعلية.
في المقابل، تتصاعد المخاطر. إذ تتوقع دراسات أن تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الصين أكثر من 1,000 تيراواط/ساعة سنويًا بحلول 2030، وهو مستوى يوازي استهلاك اليابان الحالي. كما يُرجح أن تتأخر ذروة الانبعاثات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عن الهدف الوطني لعام 2030، في ظل استمرار هيمنة الفحم على مزيج الطاقة.
تعرف على.. «الذخائر المتجولة».. تجربة للقتال المعتمد على الذكاء الاصطناعي
ردًا على ذلك، شددت السلطات القواعد، فألزمت مراكز البيانات بتحسين كفاءتها الطاقية وزيادة اعتمادها على الطاقة المتجددة بنسبة 10% سنويًا، مع تشجيع إنشاء منشآت جديدة في المناطق الغربية الغنية بالرياح والشمس. وفي الشرق، تختبر حلول مبتكرة مثل مراكز بيانات تحت الماء قرب شنغهاي تستخدم مياه البحر للتبريد وتعمل جزئيًا بطاقة الرياح البحرية.
ورغم التحديات، يرى باحثون أن الأثر الصافي للذكاء الاصطناعي قد يكون إيجابيًا إذا استخدم بصرامة وحكمت سياساته. فبينما يفرض ضغوطًا جديدة على منظومة الطاقة، قد يظل في الوقت نفسه أحد أهم أدوات الصين لخفض الانبعاثات وإدارة تحولها الطاقي المعقد.
أسامة عثمان (أبوظبي)
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي الطاقة الصين الكهرباء الطاقة المتجددة الطاقة النظيفة الذکاء الاصطناعی الطاقة المتجددة أکثر من
إقرأ أيضاً:
وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.
وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.
وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.
وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.
وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.
وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.
وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.
ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.
كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام