تشهد ولاية النيل الأزرق الواقعة في جنوب شرق السودان على الحدود مع إثيوبيا، بوادر توتر قد تتحول إلى جبهة صراع جديدة ضمن متغيرات القرن الإفريقي. نقل موقع سودان تريبيون عن مسؤول سوداني أن الجيش يتهيأ لصد هجوم محتمل من قبل الدعم السريع وحلفائه، الذين يجرون تدريبات عسكرية في أربع مناطق حدودية بإقليم بني شنقول الإثيوبي.

تشمل المعسكرات مليشيا الدعم السريع، والحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكأ، وقوات عبيد أبو شوتال، إضافة إلى مرتزقة من إثيوبيا وجنوب السودان، وقد جرى تجهيزها بكميات من العتاد استعدادًا للهجوم على مدينتي الكرمك وقيسان. كما كشفت المعلومات عن إنزال عتاد عسكري في قاعدتين جويتين داخل إقليم بني شنقول، وتحديث مطار أسوسا لدعم العمليات،ما يعكس تنسيقًا إقليميًا واضحًا بين السلطات الإثيوبية والداعمين للمليشيا، ويجعل احتمالات اشتعال جبهة النيل الأزرق محتملاً.

احتمال تدخل إثيوبيا في السودان ليس مجرد فرضية، بل انعكاس لهشاشة المرحلة السياسية والجغرافية في المنطقة. السودان وإثيوبيا دولتان جارتان، جمعتهما الجغرافيا والتاريخ وفرّقتهما المصالح المتعارضة والتوترات الحدودية ،وفي قلبها إقليم النيل الأزرق والفشقة ، حيث الأطماع في الأراضي الزراعية و هشاشة إدارة الحدود وانشغال الدولة السودانية .

ومع ذلك أي مغامرة عسكرية ستواجه قيودًا استراتيجية: تكاليف باهظة، استنزاف للجيش ، ومواجهة ردود فعل إقليمية ودولية، لا سيما أن أي تحرك ضد السودان يُقرأ تلقائيًا كتهديد للأمن المائي المصري المرتبط بسد النهضة.

زيارة الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى الرياض ثم القاهرة ثم أنقرة، ورسائله حول رفض أي هدنة طالما ظل الدعم السريع موجودًا، تعكس إدراك الخرطوم لأهمية الحوار السوداني السوداني ، ورفض الهيمنة الخارجية على أي مفاوضات، مع التأكيد على أن الجيش هو الضامن للسيادة الوطنية.

رغم التحديات الداخلية، استطاع السودان خلال الحرب إعادة بناء منظومات الجيش ورفع قدراتها الفنية واللوجستية ، واستعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، ما يضعه كلاعب فاعل في المعادلة الإقليمية، وليس مجرد قطعة تُلعب بها القوى الخارجية. الجيش السوداني بقدراته ومكانته التاريخية، والاسناد الشعبي الواضح ، يجعل أي جبهة جديدة ضمن استراتيجية “شد الأطراف” فاشلة في أهدافها .

السياسة الدولية تحسب بتوازنات القوى، الوضع في الداخل الإثيوبي يعاني انقسامات ، من صراعات الأقاليم إلى هشاشة العقد الوطني، ما يجعل أي مغامرة خارجية محفوفة بالمخاطر. رغم ذلك طبيعة الأطماع المحيطة بالسودان تجعل من الأهمية التحوط لجميع السيناريوهات، مع وضع الجيش والجبهة الداخلية في أقصى درجات الاستعداد.

في المقابل، ردود الفعل المصرية، مع الخطوط الحمراء المعلنة وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، تجعل من تدخل القاهرة محتملًا وواقعيًا، سواء بتوفير دعم عسكري أو عبر تحرك مباشر وفق القانون الدولي، ما يضيف بعدًا ردعيًا للإقليم ويسهّل عليها السيطرة على سد النهضة.

الاعتراف الإسرائيلي بـ “جمهورية أرض الصومال” يضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ يضعف الإجماع العربي ويعيد رسم خطوط النفوذ في البحر الأحمر، ويحول الصومال إلى نقطة استراتيجية مفتوحة للتأثير الإسرائيلي على أمن الإقليم ، بما في ذلك النفوذ على الموانئ والممرات البحرية. هذا التحرك يعمّق المخاطر على السودان، ويجعله أكثر عرضة للضغط الخارجي بالنظر إلى تعقيدات المرحلة ، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا، ويضعه في قلب لعبة النفوذ الإقليمي التي تشمل الإمارات وإثيوبيا ، وكلها تبحث عن استثمار الفراغ لتحقيق مكاسب استراتيجية.

كذلك الاستقلال التدريجي لميناء بوصوصو عبر النفوذ الإماراتي يعزز التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. أيضآ التحولات في إثيوبيا، مع استمرار هشاشة الدولة وصراعات عميقة في إقليم تيغراي، تجعل أي قرار بفتح جبهة خارجية محفوفًا بالمخاطر الاستراتيجية.

الغزو المباشر ليس الأقل كلفة، غير أن إدارة الصراعات عبر الوكلاء ودعم المليشيا تبقى السيناريو الأرجح، في ظل قدرة قوى خارجية على استغلال الفراغ وتوسيع نفوذها. هنا يبرز السؤال الاهم : أين يقف السودان؟ أهو ساحة تتجاذبها القوى الإقليمية، أم دولة تستعيد زمام المبادرة وتفرض حضورها لاعبًا فاعلًا في معادلة القرن الإفريقي؟ المؤكد أن الإجابة رهينة بتماسك الداخل، ونضج النخب، ووعي المجتمع بأن حماية الأرض تسبق كل الحسابات، فمن دون وجود الدولة، يصبح الوطن وقودًا لمشاريع الآخرين.

لذلك السودان أمام مفترق طرق. قوته الداخلية، ووعي نخبته، وقدرة الجيش على الصمود، هي التي ستحدد موقعه في القرن الإفريقي. أي جبهة جديدة أو تدخل خارجي سيقرأ وفق قدرة الخرطوم على إدارة تحالفاتها وحماية سيادتها، وفي النهاية، الأرض ليست لعبة، والسياسة ليست مجرد تحرك لحظي، بل استراتيجية مستدامة ومقدرة على التحكم والمناورة.

بحسب #وجه_الحقيقة، ما يحدث في النيل الأزرق انعكاس لحروب بالوكالة على موارد السودان وموقعه الاستراتيجي. تتشابك السياسة بالجيوبوليتيك والمياه والأمن الإقليمي، ويصبح التوازن بين الدفاع عن الأرض والمناورة السياسية مفتاحًا لنجاح السودان في الحفاظ على دوره كلاعب فاعل في القرن الإفريقي، الذي لا يبدأ من الحدود وحدها، بل من الداخل، عبر استعادة منظومة الدولة، تفعيل المؤسسات، وإدراك أن الأمن القومي مسؤولية تتحقق بالقدرة على استخدام الأوراق الرابحة بذكاء.
إبراهيم شقلاوي

دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 30 ديسمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/12/31 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (اللغم يتكتك)2025/12/31 السودان بلد صالح: الضربة التي غيرت قواعد اللعبة الدولية .2025/12/30 إبراهيم الميرغني سارعَ في خِفّة عقلٍ ودين إلى الاحتفاء بإعلان دولة الكيان2025/12/30 دولة 56 في عيدها التاسع والستين: لا تهدم ما لم تعرف لم كان فينا أول مرة2025/12/30 القحاطة عندهم نمط ساذج في التفكير اسمه التبسيط المفرط2025/12/30 د. حسن محمد صالح يكتب: مندوب الولايات المتحدة يعبر عن دعم بلاده للإمارات2025/12/30شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات صراع النفوذ في القرن الأفريقي وإنعكاساته السالبة على الإقليم 2025/12/30

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: القرن الإفریقی النیل الأزرق فی القرن

إقرأ أيضاً:

لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس

تعيش العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير موسع أشار إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليعكس صراعاً معقداً بين الاعتبارات الانتخابية الأمريكية والحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية بذلت جهوداً واضحة لنفي فكرة أن نتنياهو هو من يوجه السياسات الأمريكية تجاه الملف الإيراني أو العمليات العسكرية في لبنان، مؤكدة على لسان وزير الدفاع أن “لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”، في إشارة إلى محاولة احتواء الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.

لكن خلف هذا النفي الرسمي، تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عن تصعيد غير مسبوق بين الجانبين، بدأ يتبلور نتيجة ضغوط متعددة، تشمل تزايد التوتر في لبنان، والقلق الأمريكي من انهيار مسار التفاوض مع إيران، إضافة إلى اعتبارات داخلية مرتبطة بصورة ترامب أمام قاعدته السياسية، خاصة المسيحية منها.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصل

ويشير التقرير إلى أن الأزمة أخذت بعداً شخصياً حين نقل عن ترامب غضبه الشديد من نتنياهو، وقيامه بتوجيه عبارة حادة مفادها: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في تعبير يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الشخصين. 

ويفسر هذا التصعيد بأنه لا يرتبط بلحظة آنية فقط، بل بتراكمات استراتيجية تتصل بطريقة إدارة العمليات الإسرائيلية في لبنان وتأثيرها على السياسة الأمريكية.

على المستوى التكتيكي، يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”أزمة مسيحية في لبنان”، حيث أشارت تقارير متداولة إلى حوادث اعتداء طالت رموزاً دينية مسيحية خلال العمليات العسكرية، بينها صور لجنود إسرائيليين في ممارسات وصفت بأنها مسيئة للرموز الدينية. وقد ساهم انتشار هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجة انتقادات داخل أوساط اليمين الأمريكي، خصوصاً بين الشخصيات الإعلامية المؤثرة التي تخاطب القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل تقليدياً.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصلتوقف مفاجئ للمحادثات غير المباشرة .. إيران تكشف آخر رسالة وجهتها إلى واشنطنالمستشار العسكري للمرشد: مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران ونرفض استمرار الحصار

وتذهب التحليلات إلى أن هذا البعد الديني بات يشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على ترامب، الذي سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يجعله أكثر حساسية تجاه أي صور أو تقارير قد تضعف هذا الخطاب أمام ناخبيه.

أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الأزمة – وفق التقرير – في تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. إذ ترى الإدارة الأمريكية أن التصعيد في لبنان قد يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق أو تهدئة مع طهران، في حين تتهم بعض الدوائر الأمريكية إسرائيل بأنها تدفع باتجاه توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.

وتشير تسريبات إعلامية إلى أن ترامب أبدى قلقاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن أسلوب إدارة العمليات العسكرية في بيروت، ما دفعه بحسب التقرير ، إلى استخدام أوصاف حادة بحق نتنياهو، بينها وصفه بـ”المجنون”، في سياق انتقاد سياسة التصعيد.

في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية إعادة ضبط الإيقاع السياسي، مؤكدة أن القرارات العسكرية والسياسية في المنطقة تبقى تحت قيادة واشنطن، وليس أي طرف آخر. كما يحرص ترامب في تصريحاته العلنية على التأكيد أن نتنياهو “يتصرف بشكل جيد”، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت حساس بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستعد لسلسلة مناسبات وطنية كبرى، ما يجعل أي اضطراب خارجي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد السياسي الداخلي.

وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، حتى وإن لم يعلن رسمياً كأزمة دبلوماسية، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم تعد قائمة فقط على التحالف التقليدي، بل باتت تخضع لتقاطعات السياسة الداخلية الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

طباعة شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنيامين نتنياهو الانتخابية الأمريكية الحسابات الأمنية الإسرائيلية لبنان إيران التوتر في لبنان

مقالات مشابهة

  • «تنفيذى الشارقة» يعتمد استراتيجية الأمن السيبراني للإمارة
  • مصر تقود الموقف الإفريقي في فيينا.. مطالب بحماية دعم مكافحة الجريمة المنظمة
  • البيت الأبيض يغلق أبواب التأشيرات.. وإقصاء النساء والأقليات من مواقع النفوذ
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • مصر تقود التنسيق الإفريقي لمكافحة التصحر استعدادًا لـ COP17
  • نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
  • بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.. بحث آفاق تخزين الكربون عبر المانجروف بالبحر الأحمر
  • «الشارقة للفنون» تُطلق السلسلة الصوتية القصيرة «تواريخ ممتدة»
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟