لماذا تعتبر خيارات خامنئي محدودة في مواجهة أكبر مظاهرات منذ احتجاجات مهسا أميني؟
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
تحليل بقلم مصطفى سالم من شبكة CNN
(CNN) -- خرج أصحاب المتاجر وتجار هذا الأسبوع إلى الشوارع في مدن إيرانية، مرددين شعارات مناهضة للنظام بسبب عجزهم عن دفع الإيجارات بعد أن انخفضت قيمة العملة إلى مستويات قياسية.
وتُعدّ هذه الاحتجاجات الأكبر منذ الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 2022 على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، أثناء احتجازها لدى الشرطة بعد اعتقالها بتهمة ارتداء الحجاب بـ"شكل غير لائق".
ورغم محدودية هذه الاحتجاجات حتى الآن، إلا أنها تُشكّل فصلاً جديداً في تصاعد السخط الشعبي في إيران، في حين يستعيد الشعب بهدوء المساحات العامة والحريات الشخصية من خلال أعمال عصيان غير منسقة.
ويبدو أن النظام الثيوقراطي الإسلامي - الذي لطالما عارض النفوذ الثقافي الغربي - يتجاهل العصيان المدني المتنامي ليركز على بقائه.
ويقود هذه الاحتجاجات المرشد الإيراني علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، والذي أمضى عقودًا في محاولة تحصين نظامه ضد التهديدات الداخلية والخارجية، ولكنه يواجه الآن استراتيجية فاشلة.
تحديات داخلية وخارجية
فعلى الصعيد الداخلي، يُظهر الشباب الإيراني المحبط تحديًا غير مسبوق للأعراف الإسلامية، وقد انخفضت قيمة العملة إلى مستويات قياسية، وتعاني المدن من نقص حاد في السيولة، وبدأت الاحتجاجات تندلع.
أما خارج الحدود، فتواصل إسرائيل، عدوة إيران اللدودة، الضغط على الولايات المتحدة لحثها على اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية.
في ظل محدودية الخيارات المتاحة، يتبنى خامنئي الآن سياسة التريث والحذر، متجنبًا اتخاذ قرارات مصيرية أو اتباع استراتيجيات جذرية رغم التحديات الداخلية المتزايدة.
عواقب "وخيمة"
وقال محمد علي شباني، رئيس تحرير موقع أمواج ميديا الإخباري، ومقره لندن، والمتخصص في شؤون إيران والعراق ودول شبه الجزيرة العربية، لشبكة CNN: "يشعر العديد من المراقبين بأن لا أحد يتخذ قرارات مصيرية، أو بالأحرى أن خامنئي لا يسمح باتخاذ أي قرارات حقيقية".
وأضاف: "في الوقت الراهن، من المرجح أن ينطوي أي قرار قد يتخذه خامنئي على عواقب وخيمة، لذا يبدو أنه يتجنب اتخاذ أي قرار مصيري".
وأفادت التقارير أن المرشد، أو "ولي الفقيه" - وهو لقب رفيع يمنح حامله السلطة المطلقة على جميع شؤون الدولة والشؤون الدينية - كان معزولاً عن العالم الخارجي ومحتجزاً في ملجأ تحت الأرض حفاظاً على سلامته خلال حرب استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو/حزيران، وهو صراع فاجأ طهران رغم عقود من الاستعدادات.
وخرج خامنئي من الصراع بجيش منهك، وبرنامج نووي متضرر بشدة، وشعب يفقد ثقته بسرعة في سياسات الزعيم الثوري الذي استمر 36 عاماً.
وفي الأشهر اللاحقة، شهد الشعب الإيراني، الذي يعاني من ضائقة مالية، تزايداً في اختلال وظائف بلاده مع تفاقم الأزمات، وأدت انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، والتضخم القياسي، وارتفاع معدلات البطالة إلى شعور المواطنين بخيبة أمل من قيادتهم العاجزة.
ويغطي الضباب سماء إيران بعد أن لجأت الحكومة، في محاولة يائسة للحفاظ على استمرار التيار الكهربائي هذا الشتاء، إلى استخدام وقود أرخص وأقل جودة، وهو أكثر تلويثاً من الغاز الطبيعي.
وعانت 20 محافظة إيرانية هذا العام من أسوأ موجة جفاف تشهدها البلاد منذ أكثر من 40 عامًا، وتفاقمت أزمة المياه بشكل حاد، لدرجة أن الرئيس مسعود بزشكيان اقترح صراحةً إجلاء سكان طهران لتخفيف الضغط الهائل على إمدادات المياه المتضائلة في العاصمة.
"معاناة" اقتصادية
وعلى الصعيد الاقتصادي، تعاني البلاد من تضخم حاد.،فقد انخفض الريال إلى مستويات تاريخية هذا الشهر، مما أثار احتجاجات من قبل أصحاب المتاجر مع تزايد صعوبة الحصول على الضروريات الأساسية، وأدت سنوات من طباعة النقود بكثافة إلى انخفاض قيمة العملة بشكل كبير، حتى أن ميزانية الحكومة الأخيرة بلغت تريليونات الريالات.
أما السياسة الخارجية الإيرانية، التي كانت تتسم بالدهاء والابتكار، فقد توقفت تمامًا، مع غياب أي انفراجة دبلوماسية في الأفق، في ظل تشديد القوى الغربية للعقوبات.
وتعانب شبكة "الحرس الثوري" من الفصائل المسلحة، التي لطالما شكلت ركيزة أساسية لنفوذ إيران الإقليمي وقدرتها على الردع، من ضعف شديد في ظل الاستهداف شبه اليومي من إسرائيل، كما فقدت ميزة إقليمية رئيسية عندما أطاح الثوار السوريون بنظام بشار الأسد المدعوم من إيران العام الماضي.
مواجهة الضغوط
لطالما اعتادت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأزمات والضغوط المتواصلة. فبعد ثورة 1979 بفترة وجيزة، دخلت البلاد في حالة من الحصار.
وإلى حربٍ دامت 8 سنواتٍ وحشيةٍ مع عراق صدام حسين، لكنها صمدت في وجه ذلك الصراع بعزيمةٍ لا تلين، ونجت في نهاية المطاف.
ورث خامنئي الشاب أمةً دمرتها الحرب وعزلتها عن العالم، فواجه مهمةً شاقةً لإعادة بناء اقتصادها ومجتمعها الممزقين، وكان عليه إدارة المعارضة الداخلية والتنافسات داخل الأوساط الدينية الإيرانية المعقدة، ومواجهة الضغوط الاقتصادية الدولية المتواصلة، كل ذلك مع الحفاظ على المُثل الثورية للسيادة والاستقلال.
وبينما تتفاقم الأزمات الإيرانية الحالية في أعقاب حربٍ أخرى، وينخرط النخبة السياسية في تبادلٍ مريرٍ للاتهامات، يراقب المرشد الأكبر سنًا الوضع، مُتمسكًا بخطته المعهودة: إنتاج الصواريخ والطائرات المُسيّرة، والسعي الحثيث لإعادة بناء حلفائه الإقليميين المُنهكين، ورفض الشروط الغربية المُسبقة للمفاوضات.
وقال شباني: "الجميع في إيران يتوقون للتغيير. المتشددون يريدون العودة إلى الماضي، والإصلاحيون يتطلعون إلى المستقبل، والعديد من المعتدلين يرحبون بأي تغيير. لا أحد راضٍ عن الوضع الراهن".
وأمضى خامنئي عقودًا في ترسيخ الثورة الإسلامية في جميع مستويات المجتمع الإيراني، بحيث ستشكل نهايته الحتمية، سواء بالموت أو الإطاحة به، لحظة فارقة، قد تُغير مسار إيران جذريًا، تبعًا لمن سيخلفه.
وقال علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: "لا شك أن رحيله عن الساحة سيكون اللحظة الأكثر محورية في تاريخ الجمهورية الإسلامية... وستكون هناك فرصة لتغيير التوجه الجيوسياسي لإيران، لكن ذلك يعتمد على من سيخلف خامنئي وماذا سيفعل".
"خليفة" المرشد
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المؤسسة الحاكمة قد حسمت أمرها بشأن خليفة المرشد.
ويشير المحللون إلى مرشحين محتملين مثل مجتبى خامنئي، نجله ورجل دين ذي نفوذ، أو حسن الخميني، حفيد مؤسس ثورة 1979.
وقال فايز: "لا يملك العالم الخارجي تأثيرًا يُذكر على من سيخلفه، فالأمر يعتمد حقًا على الديناميكيات الداخلية وتوازن القوى بين القوى الداخلية".
وأضاف: "لا يقل أهمية عن ذلك ما إذا كان الغرب سيوفر للقيادة الجديدة في إيران مخرجًا... إذا أراد الغرب أن يكون مستعدًا للاستفادة من لحظة التغيير هذه في إيران، فعليه أن يبدأ التفكير في ذلك الآن".
"المهمة لم تُنجز"
وسط الاحتجاجات والعصيان المدني وتزامن الكوارث، يواجه خامنئي الآن تهديدًا خارجيًا آخر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سافر إلى الولايات المتحدة هذا الأسبوع للضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، مُحذرًا من برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
قال سينا طوسي، الباحث غير المقيم في مركز السياسة الدولية، إن ترامب أعلن مرارًا وتكرارًا تدمير البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى إغلاق الملف النووي سياسيًا وإزالة أقوى مبرر تاريخي لإسرائيل لدعم الولايات المتحدة الحرب على إيران.
وأضاف: "لذا، ينبغي النظر إلى تحوّل نتنياهو نحو الصواريخ لا على أنه اكتشاف تهديد جديد، بل كمحاولة لخلق ذريعة حرب بديلة بعد انهيار الحجة النووية".
وقال ترامب بعد لقائه نتنياهو: "أسمع أن إيران تحاول إعادة بناء ترسانتها النووية، وإذا كان الأمر كذلك، فسيتعين علينا تدميرها"، مضيفًا: "سنُلحق بها هزيمة ساحقة".
أمريكاإسرائيلإيراناحتجاجات إيرانالإدارة الأمريكيةالاقتصاد الإيرانيالبرنامج النووي الإيرانيالحرس الثوري الإيرانيالحكومة الإسرائيليةالحكومة الإيرانيةبنيامين نتنياهودونالد ترامبعلي خامنئينشر الأربعاء، 31 ديسمبر / كانون الأول 2025تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2025 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: احتجاجات إيران الإدارة الأمريكية الاقتصاد الإيراني البرنامج النووي الإيراني الحرس الثوري الإيراني الحكومة الإسرائيلية الحكومة الإيرانية بنيامين نتنياهو دونالد ترامب علي خامنئي فی إیران
إقرأ أيضاً:
جوفمان يتولى قيادة الموساد.. ونتنياهو يؤكد مواصلة مواجهة إيران
شهد مقر جهاز الموساد الإسرائيلي، الثلاثاء، مراسم تسليم وتسلم القيادة، حيث تولى اللواء رومان غوفمان منصب مدير الجهاز خلفاً لديفيد برنياع، وذلك بحضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين في المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
وخلال المراسم، أشاد نتنياهو بالمدير الجديد للموساد، مؤكداً أن غوفمان أظهر خلال فترة عمله سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء قدرات متميزة في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، إلى جانب رؤيته الاستراتيجية وحرصه على تحقيق الأهداف الميدانية.
وأكد نتنياهو أن جهاز الموساد سيواصل أداء دور محوري في مواجهة ما وصفه بالتهديدات الإيرانية، مشدداً على أن إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أو بتهديد أمنها القومي.
من جانبه، أعرب غوفمان عن تقديره لسلفه ديفيد برنياع، مشيداً بما حققه الجهاز خلال فترة قيادته من إنجازات استخباراتية وأمنية. كما وجه رسالة إلى عناصر الموساد، أكد فيها اعتماده على خبراتهم وكفاءاتهم في مواصلة تنفيذ مهام الجهاز وتعزيز قدراته العملياتية.
وقال المدير الجديد إن التطورات الأخيرة في المنطقة أدت إلى تغيير موازين القوى الإقليمية، معتبراً أن الضغوط التي تعرض لها ما وصفه بـ"المحور الإيراني" أسهمت في إحداث تحول استراتيجي مهم، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المهام الملقاة على عاتق الموساد لم تنته بعد، مؤكداً استمرار العمل على تطوير الأدوات والقدرات الاستخباراتية للحفاظ على التفوق العملياتي.
بدوره، أشاد المدير المنتهية ولايته ديفيد برنياع بأفراد الجهاز وقادته، مؤكداً أن تميز الموساد يكمن في قدرته على مواجهة التحديات المعقدة والاستمرار في تنفيذ المهام الصعبة رغم العقبات.
ويبدأ غوفمان مهامه رسمياً على رأس الموساد بعد مسيرة عسكرية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في الجيش الإسرائيلي، شغل خلالها عدداً من المناصب القيادية البارزة، من بينها قيادة لواء عتصيون، واللواء المدرع السابع، والفرقة 210، إضافة إلى قيادة المركز الوطني للتدريب البري، قبل انتقاله إلى منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء ومن ثم تعيينه مديراً للموساد.