ما الذي جرى ليلًا في المكلا؟ إيضاحات عسكرية م̷ـــِْن التحالف تكشف رواية مغايرة وتفتح باب الأسئلة
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
وأوضح المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن السفينتين دخلتا المياه الإقليمية اليمنية وميناء المكلا دون الحصول على أي تصاريح رسمية من الحكومة اليمنية أو قيادة التحالف، مشيرًا إلى أنهما قامتا بإغلاق أنظمة التتبع والتعريف قبل الدخول، في مخالفة صريحة للإجراءات المعتمدة.
وبيّن المالكي أن إجراءات أمنية مشددة فُرضت فور دخول السفينتين، شملت إغلاق الميناء وإخلاء العاملين، قبل أن تكشف عمليات التحقق أن الشحنتين تحتويان على أكثر من 80 عربة، إلى جانب حاويات محملة بالأسلحة والذخائر.
وأكد أنه جرى إبلاغ مسؤولين إماراتيين على مستويات عليا بضرورة منع إخراج هذه الشحنات من الميناء خشية توجيهها إلى مناطق الصراع.
وأضاف المتحدث أن الجانب الإماراتي، ورغم تلك الإيضاحات، قام بنقل العربات والحاويات إلى قاعدة الريان الجوية دون تنسيق مسبق، وهو ما اعتبره التحالف خطوة تصعيدية تهدد بتغذية الصراع في حضرموت وواديها وصحرائها.
وأشار المالكي إلى أن معلومات استخباراتية مؤكدة أفادت بوجود نية لنقل وتوزيع ما تبقى من الشحنات العسكرية على عدة مواقع ميدانية، الأمر الذي دفع قيادة التحالف، وحرصًا على تجنب سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات العامة، إلى تنفيذ عملية عسكرية محدودة قبيل الفجر، التزمت فيها بقواعد الاشتباك، واستهدفت ما وُصف بالدعم العسكري في الميناء.
وأكد التحالف أن الحاويات المتبقية لا تزال في قاعدة الريان حتى لحظة إصدار البيان، مرفقًا تسجيلًا مصورًا يوثق العملية العسكرية.
في المقابل، كانت وزارة الخارجية الإماراتية قد نفت في بيان رسمي احتواء الشحنة على أسلحة، مؤكدة أن العربات تعود للقوات الإماراتية العاملة في اليمن، وأن هناك تنسيقًا عالي المستوى مع الجانب السعودي بشأنها، معربة عن استغرابها من استهدافها داخل الميناء.
وتزامن ذلك مع تصعيد سياسي غير مسبوق، تمثل في صدور قرار عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، ومطالبة قواتها بمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، قبل أن تعلن أبوظبي لاحقًا إنهاء ما تبقى من وجود قواتها في اليمن. مشهد متشابك، وروايات متعارضة، وتداعيات مفتوحة…
فهل ما جرى في المكلا مجرد حادث عابر، أم بداية مرحلة جديدة من التحولات الصامتة في شرق اليمن؟
المصدر
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.