مثل القرن الـ19 منعطفا تاريخيا حاسما في علاقة الشريعة الإسلامية بالسلطة السياسية، وفي موقع الفقه بوصفه نظاما تأويليا وتطبيقيا كان لقرون طويلة المرجعية الأساسية للقضاء.

فقد أفرزت الدولة الحديثة نمطا جديدا من التشريع يعتمد القوانين المكتوبة والإجراءات المعيارية، وفرضت أنساقا لم تكن مألوفة في التاريخ الإسلامي، ولذا انشغل الفكر الإسلامي قديما وحديثا بسؤال جوهري: هل انقطعت الشريعة عن مجرى الحياة القانونية مع دخول الدولة الحديثة؟ أو أنها استطاعت أن تحافظ على حضورها من خلال آليات التكيف والاجتهاد؟

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ناشط يهودي أميركي: الصهيونية حرّفت جوهر اليهودية ونقف مع فلسطين ضد الإبادةlist 2 of 2"ذكي بشكل مخيف".

. وصفة مو جودت لأنسنة الذكاء الاصطناعيend of list

يتناول كتاب "استمرارية الشريعة: تطور الفقه الجنائي في القرن الـ19" لبرايان رايت، الباحث المتخصص في تاريخ الفقه الإسلامي وتحولاته القانونية في العصر الحديث، بترجمة من الدكتور محمود عبد العزيز أحمد، هذا السؤال من زاوية تحليلية نقدية.

ويراجع الكتاب الفرضية السائدة في الأدبيات القانونية المعاصرة التي تقول بهامشية الشريعة في العصر الحديث واقتصار حضورها على الأحوال الشخصية، ويرى المؤلف، استنادا إلى دراسة معمقة للهند ومصر والدولة العثمانية، أن الفقه ظل فاعلا جوهريا في تشكيل القوانين الجنائية الحديثة، وإن كان عبر مسارات معقدة من التأويل والتقنين.

مشهد مولد بالذكاء الاصطناعي لمحامين يتداولون داخل قاعة محكمة في أواخر القرن التاسع عشر (الجزيرة)الشريعة بين خطاب القطيعة ورهانات الاستمرارية

تشكل فرضية "انقطاع الشريعة" محورا واسع الانتشار في أعمال عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم وائل حلاق الذي يذهب إلى أن الدولة الحديثة استبدلت بالنظام الفقهي سلطة قانونية مركزية لا تسمح للشريعة بالاستمرار.

غير أن الكتاب يقدم مقاربة مغايرة، إذ يرى أن عملية التحول لم تكن مسارا خطيا حاسما، بل كانت شبكة من التفاعلات التي حافظت الشريعة خلالها على مكانة مرجعية، سواء في الأخلاق القانونية أو في صياغة التقنينات الأولى، ولا يعني هذا غياب التأثير الغربي، بل يعني أن الفقهاء والمؤسسات العلمية شاركوا بفاعلية في نقل الشريعة من نسقها السابق إلى فضاء تشريعي جديد.

إعلان

هذه المقاربة تستند جزئيا إلى فهم تاريخ الشريعة بوصفها نظاما تأويليا قابلا للتجدد، لا منظومة مغلقة من الأحكام، ومن هنا يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في مفهوم "المرجعية الشرعية"، بما يسمح باستيعاب التحولات السياسية والاجتماعية التي صاحبت نشوء الدولة الحديثة.

لماذا الجنايات؟

يفرد المؤلف مساحة خاصة لمباحث القتل والجنايات، لأنها تمثل المجال الأكثر حساسية عند البحث في علاقة الفقه بالدولة الحديثة، فهذه المنطقة القانونية تكشف بوضوح حجم التحول الذي رافق عملية إعادة بناء المنظومة القضائية في القرن الـ19، سواء في الهند أو الدولة العثمانية أو مصر.

ويرى الكتاب أن اختيار هذا المجال ليس اعتباطيا، بل لأنه الموضع الذي تتقاطع فيه سلطة الدولة مع الأعراف الفقهية التي تشكلت خلال قرون طويلة، فهنا تظهر التوترات بين آليات الضبط الحديثة وبين التقاليد الفقهية التي كانت المرجع الأبرز في هذه القضايا.

وتبرز أهمية هذا الموضوع كذلك لأن أحكام الجنايات شكلت أحد ميادين الاختبار الرئيسة لقدرة الفقه على التكيف مع الوقائع الجديدة، فقد كانت هذه الأحكام تعالج تاريخيا من خلال جهاز فقهي يستند إلى مباحث العمد وشبه العمد والخطأ، وإلى تمييزات دقيقة تتعلق بالقصد والمسؤولية والولاية.

ومع انتقال العالم الإسلامي إلى مرحلة التشريعات المقننة، أصبحت هذه المفاهيم محط مراجعة وتأويل، لا بهدف تجاوزها، بل بغية إدماجها في منظومة قانونية حديثة تتطلب لغة جديدة في الصياغة وإجراءات أوضح في التطبيق.

وبذلك تغدو دراسة الجنايات مدخلا كاشفا عن طبيعة التحولات التي مر بها الفقه في تفاعله مع الدولة الحديثة، إذ تظهر كيف بقيت المفاهيم الفقهية مؤثرة في القوانين التي وضعت في القرن الـ19، رغم التغير الواسع في بنية الدولة وأجهزتها.

ولذا، فإن تحليل هذا الباب يمنح القارئ صورة دقيقة عن مسار الاستمرارية الذي يحاول الكتاب توثيقه، ويقدم مثالا ملموسا على الطريقة التي أعادت بها التشريعات الحديثة صياغة الإرث الفقهي دون إلغائه.

دراسة الجنايات تعتبر مدخلا كاشفا عن طبيعة التحولات التي مر بها الفقه في تفاعله مع الدولة الحديثة (شترستوك)جدل المشاركة والانفصال

تفند الدراسة الاعتقاد بأن الفقهاء كانوا مناهضين بالكامل لعملية التقنين أو للإصلاحات القانونية، ففي الهند المستعمرة ظهرت فتاوى من علماء معتبرين تجيز التماس الأحكام من المحاكم البريطانية إذا كان الحكم محققا للعدل.

واستند هؤلاء إلى تراث فقه سياسي يجيز قبول أحكام قضاة ولاهم سلطان الجور، كما شارك فقهاء آخرون في ترجمة النصوص الفقهية إلى الفارسية والإنجليزية، في سياق محاولة ضبط علاقة القضاء الحديث بالمرجعيات الإسلامية.

وفي الدولة العثمانية لم يكن صدور قانون العقوبات لعام 1858 استلابا خارجيا، بل جاء استجابة لدوافع إصلاحية داخلية، ورحب عدد من العلماء بصياغته تحت مظلة "السياسة الشرعية" التي تخوّل الحاكم اتخاذ إجراءات تحفظ المصلحة العامة.

وفي مصر، برزت مقاربة محمد علي الذي صاغ قوانين تهدف إلى حماية الدولة وتقوية السلطة، ومع ذلك ظل مفهوم "السياسة" بمضمونه الفقهي أحد المداخل لتبرير تلك القوانين، ولربطها بالإطار الشرعي العام.

إعلان

وتكشف هذه النماذج عن أن رجال الفقه لم يكونوا معزولين عن المجال السياسي، بل كانوا جزءا من عملية صناعة القانون.

برايان رايت: مفهوم السياسة بمضمونه الفقهي ظل أحد المداخل لتبرير قوانين محمد علي التي صاغها لحماية الدولة (مواقع التواصل)تزاوج التقليد والحداثة

يرصد الكتاب نشوء نخبة قانونية جديدة تمتلك تكوينا مزدوجا يجمع بين التعليم الإسلامي والمعارف القانونية الغربية، وقد أتاح هذا ظهور قانونيين استطاعوا إعادة صياغة القوانين الجنائية بما يتوافق مع كل من مقاصد الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة.

ومن أبرز الأمثلة الواردة في النص محمد قدري باشا في مصر، الذي شارك في وضع قانون العقوبات المصري مراعيا المذهب الحنفي، ونذير أحمد في الهند الذي ترجم قانون العقوبات إلى الأردية بمنهج يستند إلى الفقه وإلى السياسة الشرعية معا.

وقد تراجع دور المؤسسات التقليدية مثل الأزهر في بعض المراحل أمام صعود مؤسسات الدولة الحديثة، لكن الفقه ظل حاضرا عبر التأثير المباشر للنخب القانونية ذات الخلفية الشرعية.

إعادة تشكيل مفاهيم الجريمة

من أبرز مظاهر الاستمرارية الفقهية إعادة فهم بعض المفاهيم الجنائية في سياق جديد لم يلغِ جذورها الفقهية، لكنه أعاد ترتيبها داخل إطار قانوني مكتوب.

فقد تغير مثلا تقسيم القتل من 3 أقسام فقهية إلى ثنائية جديدة تعتمد العمد وغير العمد، وتحول التركيز من علاقة الجاني بالمجني عليه إلى علاقة الجاني بالمجتمع، وتنامى دور الدولة بوصفها الطرف الذي يمارس سلطة العقاب.

ومع ذلك، ظل تأثير الفقه ملموسا في كثير من البنود، سواء في القانون الهندي المتأثر بالحنفية، أم في القانونين المصري والعثماني اللذين استلهما بعض عناصر الفقه المالكي.

مخطوط محفوظ بدار المخطوطات العراقية (وسائل التواصل)انشقاق عن إرث القرن الـ19

يرى المؤلف أن التطور اللاحق على القرن الـ19 شهد ظهور خطاب جديد يتعامل مع الشريعة على أنها منظومة مغلقة من الأحكام الفقهية، وينظر إلى القوانين الحديثة بوصفها غزوا ثقافيا يجب رفضه، وقد شكل هذا الاتجاه قطيعة مع النموذج السابق الذي دمج بين الفقه والسياسة والقانون.

في هذا الخطاب الجديد، أصبحت مرجعية الشريعة مرتبطة حصريا بالفقه الموروث، لا بالاجتهاد ولا بالسياسة الشرعية، مما أدى إلى تجميد دور الفقه وإقصاء قدرته التأويلية، ويرى المؤلف أن هذا التحول أسهم في خلق تصور جامد يحمّل القرن الـ19 مسؤولية الانقطاع، رغم أنه كان مرحلة تفاعل لا مرحلة إقصاء.

نحو فهم تراكمي للشريعة والقانون

يمثل كتاب "استمرارية الشريعة" إسهاما نوعيا في حقل "اجتماعيات الشريعة والحداثة"، إذ يعيد قراءة تاريخ الفقه ضمن سياقاته السياسية والاجتماعية، ويكشف عن أن الشريعة لم تخرج من المجال القانوني، بل أعادت إنتاج نفسها من خلال مسارات التأويل والتقنين والمؤسسة.

وتؤكد المادة، التي يقدمها مركز نهوض للدراسات والبحوث في مقدمته للكتاب، أهمية استعادة هذا التاريخ بغية تجديد النظر في الفقه المعاصر، وتعزيز فهم الشريعة بوصفه نظاما تأويليا مرنا قادرا على مواكبة التحولات.

إن إعادة وصل ما انقطع بين الفقه وممارساته التاريخية تمثل خطوة أساسية لأي مشروع إصلاحي يسعى إلى تجاوز الثنائية المفتعلة بين "قانون وضعي" و"فقه تقليدي".

وبذلك لا يقدم الكتاب مجرد قراءة تاريخية، بل يفتح الباب لإعادة التفكير في كيفية تشكل القانون في العالم الإسلامي، وكيف يمكن للشريعة أن تستعيد دورها بصورة تستند إلى تاريخها الحقيقي، لا إلى صور مصطنعة بعيدا عن انقطاع أو هيمنة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فكر الدولة الحدیثة القرن الـ19

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • بمادة الفقه.. انطلاق امتحانات شهادة الثانوية الأزهرية في فلسطين لعام 2026
  • فرج عامر: وليد الركراكي أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة المغربية الحديثة
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • ماذا قال له الرسول؟.. خالد الجندي يوضح تعامل النبي مع رجل شكا له سوء تصرف خادمه
  • وزارة الداخلية: تطبيق القوانين هو الأساس بإدارة «ملف الهجرة»
  • «الشارقة للفنون» تُطلق السلسلة الصوتية القصيرة «تواريخ ممتدة»
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • بريطانيا تطالب أطفالا مهاجرين بمغادرة البلاد رغم إقامة أسرهم القانونية