قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن المسلم في بدايةِ عامٍ جديدٍ يسعى لتأسيسِ منهجٍ للأخلاقِ التي بُعِثَ بها سيِّدُنا رسولُ الله ﷺ؛ عسى أن يوفِّقنا الله للتخلُّق بأخلاقه الشريفة الرفيعة، فنفوز بخيري الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك…» (رواه مسلم).

الحياء خُلُقٌ أساسيٌّ اشترك فيها العالم في الدعوة إليه

وأوضح فضيلته أن من الأخلاق التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحياء"؛ وهو خُلُقٌ أساسيٌّ اشترك فيها العالم في الدعوة إليه، حتى بدايات هذا العصر الذي كثُرت فيه الفتن واضطربت فيه الموازين؛ حتى صار بعض الناس يراه ضعفًا أو مَنْقَصَة، وليس كذلك.

وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ممَّا أدرك الناسُ من كلام النبوَّةِ الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئت» (رواه البخاري). فالحياء كان وما زال أحد أخلاق الأنبياء، وإذا نُزِعَ من حياة الإنسان تجرَّأ على كل شيء، وضاع الضابط الأخلاقي، وصار الإنسان كمن يقود حياته بلا رادعٍ ولا ميزان. فالحياء هو الضابط الذي يجعل الإنسان عابدًا لربه، معمِّرًا لكونه، مُزَكِّيًا لنفسه.

وأضاف فضيلة الدكتور علي جمعة أن النبي ﷺ قرر القاعدةَ الجامعة فقال: «دَعْهُ؛ فإنَّ الحياءَ من الإيمان» (متفق عليه). فالحياءُ خيرٌ كلُّه، والشرُّ كلُّ الشرِّ في نزعِه وذهابِه؛ لأنه يحمل صاحبه على ترك القبيح، ويبعثه على فعل الجميل.

الشواهد على منزلة الحياء في الإسلام

ومن أعظم الشواهد على منزلة الحياء ما قاله النبي ﷺ في حياءِ عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة؟» (رواه مسلم). فبلغ عثمان رضي الله عنه أعلى درجات الحياء، فكان حييًّا مع الله، ومع نفسه، ومع الناس. حياؤه كان حاضرًا حتى في خلواته، فما بالك بجلواته! فقد كان يستحيي من الله في سره وعلنه، حتى استحت منه الملائكة.

ويُروى في بعض كتب السيرة أنه عندما جاء سيدنا جبريل عليه السلام إلى سيدنا النبي ﷺ في بدء الوحي، قصّ النبي ﷺ على السيدة خديجة ما يحدث، وقال إنه لا يعرف هل هو ملك أم شيء آخر. فقالت: إذا أتاك فأخبرني، فأتاه، فخلعت السيدة خديجة ما على رأسها من خمار، فذهب، فلما أعادت ارتداءه عاد، فعرفت أنه مَلَك؛ فقالت: ما هذا بشيطان، هذا ملك من الرحمن. لأن الشياطين لا تعرف الحياء، بينما الحياء من صفات الملائكة. معيارٌ واضحٌ بيِّن.

وأشار فضيلته إلى أن أصلُ الحياء كلِّه من الله؛ أن يستحضر العبدُ نظرَ الله إليه في السر والعلن. ومن المعاني الجامعة في ذلك قوله ﷺ: «استحيوا من الله حقَّ الحياء…» (رواه الترمذي)، ومما يعين على غرس الحياء في القلب: كثرةُ الذِّكر؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: 41–42). فالذكرُ يوقظ القلب، ويقوّي المراقبة، فيظهر أثرُه في الوجه والسلوك والمعاملة.

وأكد فضيلته أن الحياء مفتاحٌ عظيمٌ للأخلاق؛ متى استقرَّ في القلب زانَ السلوك، وفتح أبواب الخير، وأورث العبدَ أدبًا مع ربِّه، وصدقًا مع نفسه، ورحمةً مع خلقه.
 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الحياء النبی ﷺ

إقرأ أيضاً:

خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها

خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها

مقالات مشابهة

  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • «نترحم عليها».. صلاح عبد الله يوجه رسالة مؤثرة بعد وفاة سهام جلال
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • أهمية الخشوع في الصلاة وتسابيح سيدنا النبي بعد أدائها
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • مفتي الجمهورية: أضحية النبي عن أمته لا تسقط السنة عن القادرين
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش