بعد حريق الحانة المزدحمة.. سويسرا تواجه إحدى أسوأ كوارثها في العصر الحديث
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
كران مونتانا - رويترز
يبدأ المحققون في سويسرا اليوم الجمعة مهمة أليمة ألا وهي تحديد هويات الجثث المحترقة في الحريق الذي اندلع في حانة مزدحمة وأودى بحياة حوالي 40 شخصا في حفل ليلة رأس السنة في منتجع كران مونتانا للتزلج.
والحروق التي أصيب بها الضحايا ومعظمهم من الشبان في حانة (لو كونستيلاسيو) شديدة لدرجة أن المسؤولين السويسريين قالوا إن الأمر قد يستغرق أياما قبل تحديد هويات جميع الجثث.
وأصدر آباء الشبان المفقودين نداءات للحصول على أخبار عن أحبائهم، بينما سارعت السفارات الأجنبية لمعرفة ما إذا كان رعاياها من بين ضحايا واحدة من أسوأ المآسي التي شهدتها سويسرا في العصر الحديث.
وقال نيكولا فيراود رئيس بلدية كران مونتانا في مؤتمر صحفي مساء أمس الخميس "الهدف الأول هو تحديد أسماء جميع الجثث"، مشيرا إلى أن الأمر قد يستغرق أياما.
وقال ماتياس رينارد رئيس حكومة منطقة فاليه إن الخبراء يستخدمون عينات من الأسنان والحمض النووي لهذه المهمة.
وأضاف "يتعين القيام بكل هذا العمل لأن المعلومات فظيعة وحساسة للغاية بحيث لا يمكن إخبار العائلات بأي شيء ما لم نكن متأكدين بنسبة 100 بالمئة".
ولم يتضح سبب الحريق. وترجح السلطات السويسرية أنه نتج عن حادث وليس عن هجوم.
وأشارت بعض روايات الناجين ولقطات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن سقف الطابق السفلي للحانة ربما اشتعلت فيه النيران عندما اقتربت الشموع أكثر من اللازم.
ووقف المئات في صمت حدادا بالقرب من مكان الحادث مساء الخميس. وقال بيرماركو باني (18 عاما) والذي يعرف الحانة جيدا مثل كثيرين آخرين في البلدة "تعتقد أنك في أمان هنا لكن هذا يمكن أن يحدث في أي مكان. لقد كانوا أشخاصا مثلنا".
ووضع العشرات الزهور أو أشعلوا الشموع عند بقعة في أعلى الطريق المؤدي إلى الحانة التي وضعت حولها الشرطة طوقا أمنيا.
وخلف الطوق كانت جثث بعض الضحايا لا تزال في الحانة، وتعهدت الشرطة بالعمل على مدار الساعة للتعرف على جميع من قضوا نحبهم في الحريق.
وقالت إليسا سوزا (17 عاما) إنه كان من المفترض أن تكون هناك لكن انتهى بها الأمر بقضاء الأمسية في تجمع عائلي.
وأضافت خلال وقفة لتأبين الضحايا "بصراحة، على أن أشكر أمي مئات المرات على عدم السماح لي بالذهاب. لأن الله وحده يعلم كيف كان سينتهى بي الأمر.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر