تأخذك رواية "مذبحة الفلاسفة" للروائي تيسير خلف، إلى زمن مملكة تدمر، الفترة التي تختلط مابين اليونانية والرومانية والفرس والعرب.

وليس غريبا على الروائي والباحث في التاريخ تيسير خلف هذا الإمساك الوثيق بتلابيب التاريخ وهو الذي تخصص فيها وقدم للمكتبة العربية عدداً لا بأس به من الروايات التاريخية بدقة الباحث، وحدس الصحفي الاستقصائي، ومتعة السارد المتمكن من أدواته.

تيسير الذي يبدأ روايته بتقديم صورة النهاية في أول الرواية وما جرى من مذبحة للفلاسفة ولملكة تدمر زنوبيا وهي تساق أسيرة ومعها أعوانها يتوقف بعدها ليسرد تفاصيل مجد تدمر التي استقطبت الفلاسفة والحكماء من كل أصقاع العالم لتكون محورا للمدينة الفاضلة التي أرادها أفلاطون أن تكون عبر مريديه الذين أخلصوا لأفكاره، وحاولوا أن تكون تدمر هي نواة لها، وبعد أن ازدهرت تدمر وأصبحت مركزا تجاريا مهما بين البلاد ومدينة عامرة بالحكمة والفلسفة والثوابت الأخلاقية، أسقطتها الدسائس والخيانات والأطماع والحروب بعد أن خانها الجوار، ودبروا المكائد لها وطمعوا بها كمدينة حكمت الشرق لفترة من الزمن.

لن أتطرق لتفاصيل الرواية العامرة بالمقولات المتقنة بلسان أصحابها الكثر في الرواية والتي يحتاج القارئ إلى ورقة وقلم ليتابع التفاصيل بدقة كي لا تفلت من يديه خطوط الحكاية المشوقة، ولا بد من الإشارة إلى سياقات الكتابة والسرد السلس الممزوج بالتاريخ.

سرد تاريخي بحبكة روائية

الرواية كتأريخ أراد منها الكاتب أن يشير الى تغول الخيانات أولا، وإلى الاضطهاد الذي يتعرض له أصحاب الفكر والرؤى والتوجيه، وأن الحق دائما في صراع مع الباطل.

السياقات التاريخية المهمة في الرواية لها دلالات كثيرة، ويمكن إسقاطها على ماقبلها وما بعدها من حضارات وأمم سادت ثم بادت.

الناجي من تلك المذبحة، والراوي في هذه الرواية حنبل بن جرم اللات، يسرد تفاصيل الأحداث عبر ذاكرته وما يقدمه من وثائق حول مملكة تدمر وماجرى فيها، ولكن الراوي الحقيقي وحسب الكاتب أن الذي دون التفاصيل هو يوحنا بن تيموس البلمريني نقلا عن جده لأبيه حنبل بن جرم اللات وتأثر به كثيرا، فانتهج بسببه طريق الزهد والتقشف، والتأمل بعيدا عن السلك الكنسي، ونقله من اللغة الأصلية لغة تدمر إلى اليونانية، وقام منصور بن بكر الحراني بترجمته من اليونانية إلى السريانية ثم نقلها لنا خلف مترجما من السريانية التي يجيدها إلى العربية حيث أضاف لها الكثير كباحث ومدقق وصحفي وروائي بلغة رشيقة وبعيدا عن أي تعقيدات وبثوب المحقق التاريخي الذي يتميز بنظرة ثاقبة.

تفاصيل مهمة

عبر الرواية يكتشف القارئ التفاصيل التاريخية عن تدمر وعن شخوص وقادة تلك الأزمنة الممتدة من 224م إلى 273م وما نسج حولها من حكايات، ولعل أبرزها سيطرة تدمر في ذلك الزمان على مساحة واسعة من العالم وكيف تم استقطاب الفلاسفة والحكماء إليها لكي تكون ترجمة لتعاليم إفلاطون، وكيف أصبحت مملكة تدمر بمشروعها الاستراتيجي رابطا بين الشرق والغرب بكل ما تحويه من علاقات تجارية ودينية وحضارية، وقدم لنا صورة عن علاقة تدمر مع الفرس والرومان، والأهم كاشفا عن ما تحمّله زنوبيا من حكمة وتعاليم أفلاطونية وماقدمته لمملكتها، وكيف حاولت بناء هذه المدينة التي تهدمت بمطامع الجوار، فيما عرج الكاتب على شخصية "أفكل تدمر" قصي صاحب الشخصية المؤثرة في الأحداث كرجل دين مملوء بالحكمة من تعاليم أفلاطون الذي حضر إلى تدمر وغادرها مريضا بعد أن تكسرت حصونها.

الرواية مليئة بالتفاصيل المشوقة دون شوائب بعد أن عمل على الوقائع التاريخية بدقة متناهية، ومزج بين أسلوب الباحث والروائي الذي أجاد الحبكة والتقديم الذي لحظناه في بداية الرواية حيث بدأ بتصوير مشاهد الهزيمة والمذبحة ومن ثم لينتقل للتفاصيل.

المشاهد والصور البانورامية للأحداث جاءت عبر مقاطع كثيرة صورت الأحداث من زوايا مختلفة، تجلت في صورة المشهد الذي سيقت فيه الملكة ومن معها مقيدين إلى روما، وصورة الكاهن قصي وهو يتوارى عقب اندحار مملكة تدمر، وصورة الإعدام التي حدثت في حمص للفلاسفة، وصور التدمريين الذين هاموا على وجوههم بعد الهزيمة، وكثير من الصور التي يمكن من خلالها استحضار التاريخ بين يدي القارئ.

مرارة الأسئلة

تنقل الكاتب بمهارة بين كل تلك الوقائع بخفة وسلاسة وقدمها للقارئ باختصار جميل ووضعها بين دفتي كتاب في 199 صفحة من القطع المتوسط، وهي الفترة التي تحتاج لمجلدات كي يتم سرد ظروف تلك الحقبة التاريخية، لم تقتصر على هذا، بل على الآلية التي جمع بها الوثائق والتحقق منها، كما أنه يجعل القارئ يستحضر الأسئلة الكثيرة حول أسباب ماجرى وكيف، ولماذا، وماهو الرابط بين كل ما جرى ويجري، ولماذا كانت الحرب تدور بين الحكام وبين المتدينين وأصحاب الحكمة حينها، ولماذا طالت المذبحة الجماعية فئة الفلاسفة حصرا وبهذه الطريقة وماهي الغاية منها، وصراع الحضارات المتجذر، وكذلك الخيانات المبنية على الأطماع والدسائس.

يذكر أن الكاتب تيسير خلف روائي سوري وباحث له العديد من الروايات والكتب منها: "عصافير داروين" و«من دمشق إلى شيكاغو – رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا 1893»، و«نشأة المسرح في بلاد الشام – من هشاشة القانون إلى فتاوى التحريم (1847 – 1917)».و«رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري في عهد الخليفتين المأمون والمعتصم» و«دفاتر الكتف المائلة»، و«عجوز البحيرة» و«موفيولا»، و"قطط أخرى" (قصص) و "المسيح الأندلسي" و"مذبحة الفلاسفة" وغيرها من الكتب.

*بسام جميدة كاتب وصحفي سوري

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: تیسیر خلف بعد أن

إقرأ أيضاً:

ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

مقالات مشابهة

  • نائب الشيوخ : إحياء القاهرة التاريخية يعيد رسم خريطة القوة الناعمة لمصر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • القوات الروسية تدمر 158 مسيرة جوية أوكرانية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • مدبولي: توجيهات رئاسية باستمرار جهود إعادة إحياء المعالم التاريخية والتراثية بالقاهرة
  • مدبولي: توجيهات رئاسية باستمرار جهود جهات الدولة المعنية بإحياء معالم القاهرة التاريخية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟